قافلة "الرحمة والتفاؤل" تجوب مساجد الشرقية    انخفاض أسعار النفط بنسبة تتجاوز 10% بعد فتح مضيق هرمز    وزير التخطيط يلتقي رئيس مجموعة البنك الدولي خلال اجتماعات الربيع بواشنطن    سعر الدواجن اليوم الجمعة 17 أبريل 2026 في الإسكندرية    تداول 15 ألف طن و946 شاحنة بضائع عامة ومتنوعة بمواني البحر الأحمر    سنابل الخير.. توريد 409 أطنان قمح لشون وصوامع البحيرة    بنك مصر يمنح «ماك لتصنيع وسائل النقل» تسهيلاً ائتمانيًا ب2.7 مليار جنيه    محمد محمود يكتب: فني الطاقة الشمسية.. مهنة يجب أن تنتشر    وزير البترول يشهد عمومية «بتروتريد» وإطلاق تطبيق Petro Smart لخدمات سداد فواتير الغاز وشحن العدادات    "أكسيوس" يكشف عن اخر تطورات المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران    إسرائيل تعلن انتهاء حالة الطوارىء بداية من مساء غد السبت    ترامب: الحصار البحري على إيران مستمر بعد إعلان فتح مضيق هرمز    إيران تعلن فتح مضيق هرمز.. وترامب: شكرا لكم    عمر مرموش: مواجهة أرسنال مهمة للغاية بالنسبة لنا    صبحي يدعم زملائه في استاد القاهرة أمام شباب بلوزداد    طاقم تحكيم أجنبي لقمة الأهلي والزمالك في كأس مصر لكرة السلة    مؤتمر أرتيتا: ساكا يغيب أمام مانشستر سيتي.. ولن نضيع ثانية واحدة في التفكير بالتعادل    إقالة هيرفي رينارد من تدريب منتخب السعودية    استمرار تكون الكتل الترابية المثارة بنشاط الرياح وتدهور الرؤية فى بورسعيد.. فيديو    حريق يلتهم جرار كتان بالغربية (صور)    محافظ أسيوط: تشميع 34 محلًا مخالفًا خلال حملات مفاجئة لضبط الالتزام بمواعيد الغلق    إصابة 5 أشخاص فى حادث تصادم سيارتين بالبحيرة    محافظ الفيوم توفير شقق سكنية بديلة وصرف تعويضات ومساعدات مالية وعينية للأسر المتضررة من انهيار منزل بمنطقة الحواتم    لغز بنها المأساوي.. سيدة تقفز في النيل والعثور على جثة زوجها داخل شقته    سر امتلاك الموسيقار محمد عبد الوهاب شهادتي وفاة    تعرف على موعد ومكان عزاء والد الإعلامية دينا رامز    صالون حجازي يحتفي ب«المئة مليون مصري.. صلاح جاهين» في بيت الشعر العربي الأحد    خطيب الجامع الأزهر: لا لتلفيق الصور المفبركة ومقاطع الفيديو الإباحية    قوافل طب سوهاج توقع الكشف الطبي علي 858 مواطنا بقريه الصوامعة شرق    في إنجاز معرفي غير مسبوق، الخشت يحصد جائزة الشيخ زايد للكتاب عن موسوعته العالمية للأديان    من زحام المستشفى إلى قبضة الأمن، سر السائق الذي فضح مختطفة رضيعة الحسين    إصابة 3 شباب في حادث تصادم على طريق الزقازيق السنبلاوين    فحص 10.5 ملايين طالب في المدارس الابتدائية للكشف المبكر عن الأنيميا والسمنة والتقزم    تكريم المخرج مازن الغرباوي بالدورة 19 للمهرجان الدولي مسرح وثقافات بالمغرب    أتلتيكو مدريد – ريال سوسيداد. من سيفوز بكأس الملك الاسباني؟    وزير الشباب والرياضة وسفير الإمارات يشاركان في ماراثون خيري بالقاهرة    جوارديولا: جاهزون لمواجهة أرسنال ولدينا فرصة حقيقية للتتويج بالدوري    الصحة: نجاح زراعة الكبد بتقنيات الطب عن بُعد كنموذج عملي لتوظيف التكنولوجيا في التخصصات الطبية الدقيقة    عمرو دياب وحماقي وتامر حسني يشعلون حفل زفاف ابنة «السعدي»    خبير اقتصادي غربى: حصار مضيق هرمز يكشف عن ضعف الهيمنة البحرية الأمريكية.. ويعبر عن "تسييس" البحار    جهود مكثفة لكشف غموض تخلص سيدة من حياتها عقب العثور على زوجها مقتولًا بالقليوبية    جامعة القاهرة تطلق أكبر ملتقى للتوظيف والتدريب بمشاركة 130 شركة    منتخب اليد 2008 يخسر من إسبانيا وينافس على برونزية البحر المتوسط    العمل: تكثيف رقابة السلامة المهنية على 1027 منشأة خلال 5 أيام    أبو الغيط يدين بشدة تعيين إسرائيل سفيرا لدى «أرض الصومال»    الملك "الأخير" في ضيافة "عروس المتوسط".. أحمد فؤاد الثاني يستعيد ذكريات والده بقلب الإسكندرية    دار الإفتاء: قيام المرأة بشئون بيت زوجها وأولادها بنفسها من حسن العشرة    دار الأوبرا على صفيح الانتظار ووزارة الثقافة تحسم الاختيار خلال أسابيع    لا تيأسوا من رحمة الله    رسائل طمأنة.. عالم بالأوقاف يوضح طريق العودة إلى الله دون يأس أو قنوط    الصحة: الهيئة العامة للمستشفيات والمعاهد التعليمية تحقق نقلة نوعية في علاج السكتة الدماغية    45 سنة على ضهرها.. "التأمين الصحي الشامل" يتدخل لدعم مسنة من بورسعيد كرست حياتها لرعاية نجلها    القيادة الوسطى الأمريكية تؤكد جاهزية قواتها واستعدادها الكامل    وزير التعليم العالي يبحث سبل تعزيز التعاون مع سفير مملكة إسبانيا    جامعة المنصورة تستعد لإطلاق أسبوع «دِينًا قِيَمًا» بالتعاون مع الأزهر الشريف    مصرع شخص وإصابة آخر في إنقلاب سيارة بترعة الحاجر بالبحيرة    برواتب مجزية وتأمينات.. «العمل» تُعلن عن 1800 وظيفة بشركة كبرى    ترامب يعلن وقف إطلاق النار بين إسرائيل ولبنان لمدة 10 أيام    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



البحوث الإسلامية: القرآن ما زال يتعرض لحملات التشويه منذ 14 قرنًا
نشر في صدى البلد يوم 04 - 02 - 2023

ألقى الدكتور نظير محمد عياد، الأمين العام لمجمع البحوث الإسلامية، كلمة خلال افتتاح المسابقة العالمية للقرآن الكريم، والتي تنظمها وزارة الأوقاف المصرية.
وقال عياد، في كلمته، إنَّ هذا الكتابِ المُعجِزِ كان له أثرٌ عظيمٌ في حياة البريَّة، سواءٌ أكان على الجانب العلميِّ المعرفيِّ، أم على الجانبِ الإصلاحيِّ التربويّ، الشاملِ للجانبِ النفسيِّ الرُّوحيِّ، والجَسَدِيِّ الماديّ.
أمَّا على الجانب العلميِّ المعرفيِّ: فقد ارتقى بالعقولِ على تفاوُتِها، وسَمَا بالألبابِ على تبايُنِها، وأصلحَ اعوجاجَ الألسنَة على تنوُّعِها، فحاربَ انحرافَ العقولِ بتصحيحِ المفاهيم، وتقديمِ الحقائقِ للعالمين، وخاطبَها بما يُقنِعُها، وقدَّم لها العلاجَ النَّاجعَ في تقويمِها، وزكَّى الألبابَ، وامتدحَها، وشرَّفَها، ونوَّهَ بسُمُوِّ أهلِها، فقال سبحانَهُ وتعالى: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ ﴾ [النحل: 125].
وتابع عياد: من هذا المنطلق: فقد أَوْلَى العلماءُ أربابُ العقولِ والنُّهى عنايةً فائقةً، ورعايةً رائقةً، فجعلَ تفصيلَ الكتابِ المجيدِ لأجْلِهم، فقال تعالى اسْمُهُ: ﴿كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ [فصلت: 3]. ورفع قدرَهم؛ فأوقف حقيقةَ خشيَتِه سبحانَه عليهم، وحصرَها فيهم دون مَن سواهُم؛ فقال جلَّ جلالُه: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ﴾ [فاطر: 28]. وبشَّرَهُم بالرَّفعِ المقاميِّ، والرِّفعةِ المكانيَّةِ؛ فقال عزَّ وجلَّ: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ [المجادلة: 11]، وكانَ مِن بابِ الإشادةِ بهم: أنْ جعلَ العِلْمَ هو ميزانَ التفاضُلِ بينَ البشَر، فقال تعالى: ﴿ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [الزمر: 9].. إلخ.
ومِن ثمَّ فقد حثَّ على العِلْم، وحمَلَ على التَّحَلِّي به، والتلبُّسِ بمُقَوِّماتِه، وقدَّمَ في سبيلِ ذلكَ أَسْمَى الدوافعِ إليه، وأبلغَ البواعثِ عليه، ولا شكَّ أنَّ ارتقاءَ الأُممِ أفرادًا وجماعاتٍ لا يتأتَّى إلَّا بالعِلْمِ والمعرفةِ، ولا يتسنَّى التَّقدُّمُ إلا مشروطًا بهما، ففي التحريضِ عليه إصلاحٌ للتَّقهقُرِ، ودفعٌ للتقدُّم، ودعوةٌ للتحضُّر، وفتحُ بابِ الدخولِ في سباقِ الحضارة، وامتطاءُ ركابِ الصَّدارة، والتَّحكُّمُ في زمامِ الأمور، وبلوغُ مقام الرِّيادة.
وأكد أن القرآن الكريم قد نزلَ في ليلةِ القدر ليُعلِنَ احترامَ الإنسانِ ويؤكِّدَ تكريمَه وتفضيلَه على سائرِ المخلوقات، ويفتحَ أمامَه آفاقَ العلمِ وأبوابَ المعرفةِ بلا حدود، ويدفعَه دفعًا للتفكيرِ والنظرِ والبحثِ والتأمُّلِ، بعدما حرَّر فيها عقْلَهُ من أغلالِ الجهلِ والجُمُودِ والتقليد، والاتِّباعِ الأعمى بغيرِ حُجَّةٍ ولا دليلٍ.
وأمَّا على الجانبِ الإصلاحيِّ التربويِّ: فلم يتركْ ثغرًا حياتيًّا إلا وعليه جندٌ من جنودِ هداياتِه، أولوِيَّتُهُ خِدْمَتُهُ، ووظيفتُهُ القيامُ على رعايتِه، وغايتُهُ الجهادُ في سبيلِ إصلاحِه.

ولا عجبَ، فقد انطوى القرآنُ الكريمُ على رسالةِ ربِّ العبادِ - سُبحانَهُ - إلى جميعِ خَلْقِه، وابتعثَ من أجلِ إبلاغِها كريمَ رُسُلِه، ومِن المُقَرَّرِ الذي لا ريبَ فيه: أنَّ كلَّ صانعٍ هو أعلمُ بصَنْعَتِه، وهو حكيمٌ خبيرٌ بأنْ يُقَنِّنَ لها قانونَ صيانَتِها، ومِن ثمَّ فالخالقُ - سبحانَه - هو الأعلمُ بخَلْقِه، ﴿ أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الملك: 14]. وعليه فكلُّ ما تعبَّدَهُمْ به من أوامرَ ونواهٍ، إنما هو قانونُ إصلاحِهم، ودستورُ رُقِيِّهم، ووثيقةُ ضمانِ فلاحِهِم.
ومن هُنا فقد شرَّع لهم ما به صلاحُهم حالًا ومآلًا، ظاهرًا وباطنًا، جسدًا ورُوحًا؛ فجاء المنهجُ القرآنيُّ مُتَّسِقًا مع حاجاتِ البدَن؛ فلبَّى رغباتِه ضمنَ حدودٍ مِنْ شأنِها المحافظةُ عليه، كما تَناغمَ مع حاجاتِ الرُّوح؛ فاستجابَ لمتطلَّباتِها، وأمدَّها بأسمى غذاءٍ لها، والذي يتمثَّلُ في عَلاقتِها بربِّها سبحانه، الذي منه نُفِخَتْ، وإليه تعودُ، فالعبادةُ مِن متطلَّباتِ تلك الرُّوحِ التي هي حبيسةُ الجسد.
وكانت أُولَى عنايةِ القرآن: تحقيقُ مصالحِ البشر؛ فسنَّ ما يحفظُ على البريَّةِ كليَّاتِها الخمسَ: نفسَها، ودينَها، وعقلَها، وعِرْضَها، ومالَها.
ولهذا جاء القرآنُ بأُمَّاتِ الفضائلِ وجوامعِ الأخلاقِ والآدابِ، وقرَّرَ المسؤوليَّةَ الفرديَّةَ ومسؤوليَّةَ المجتمعِ كذلك، ومع أنَّ القرآنَ قد أقرَّ سُنَّةَ التفاوتِ بين الناسِ في العلمِ والخُلُقِ والرِّزقِ والمعيشةِ، إلَّا أنَّه هدمَ العصبيَّةَ وأتى على بُنيانِها الجاهليِّ مِن القواعد، فساوى بين الناسِ ولم يُفرِّق بين إنسانٍ وإنسانٍ، ولا بين جنسٍ وجنسٍ، ولا بين أُمَّةٍ وأُمَّةٍ إلا بالعملِ الصالح، وكان التعدُّدُ والاختلافُ بين عقائدِ الناسِ وألوانِهم ولُغاتِهِمْ وسيلةً لتَعارُفِهِمْ واجتماعِهم وتعاوُنِهم: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ [الحجرات: 13.[

كما أعلن القرآنُ تحريرَ المرأة، وأعاد لها ما صادَرَتْهُ عليها أنظمةُ المجتمعاتِ في ذلكمُ الوقتِ من حقوقٍ لا يتَّسِعُ المقامُ لتَعدادِها وبيانِها، وجاء بفلسفةٍ جديدةٍ تقوم على العدل والمساواة والشورى والاحترام ويرد إليها انسانيتها، ومنع الاستبداد ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾ [الشورى :38[، ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا (58)﴾ [النساء: 58].
وأكد عياد، أن القرآنُ قد وجه العبادَ إلى كلِّ خيرٍ، فأمرهم بأحسنِ الأخلاق، وأرشدَهم إلى أقومِ القِيَم، وأفضلِ المبادئ، وعندما ننظرُ في الجوانبِ الإصلاحيَّةِ التي لا يحصرُها الكلامُ، ولا ترتَسِمُها الأقلامُ، ولا تكفي في نقشِها المدادُ؛ نجدُ أنَّها قد جاءتْ في إطارِ مناهجَ متعدِّدةٍ، تنشدُ الرُّقِيَّ بالفردِ والمجتمع، وتُعْنَى بالإعدادِ المُثْمِرِ، والتَّوجيهِ المُبدِع، في إطارٍ تربويٍّ فريدٍ، وإرشادٍ ربَّانيٍّ حكيمٍ، لا يصدرُ إلا من العليمِ الخبير.
ولمَّا كان الفردُ هو أساسَ مجتمعِه، واللبنةَ الأولى في تأليفِه، وتكوينِ جماعاتِه؛ فها هو ذا القرآنُ على جانبِ الإصلاحِ يرفعُ الرُّكامَ عن الفردِ الهائمِ في الضلالِ؛ فيُخرِجُه من ظلماتِ نفسِه، إلى نورِ منهجِ ربِّه سبحانه، فنجد أنَّ الإنسانَ عندما سارَ وفقَ غرائزِه؛ وقعَ في مهواةِ نفسِه، فأطلقَ لها عِنانَ شهواتِه، واستباحَ لنفسِه استجلابَ كلِّ رغباتِه؛ فخرجَ على الفطرةِ وقوانينِها واستبدلَ الطبيعةَ البشريَّةَ وهيئَتَها وغيَّرَ السُّنَنَ الإلهيَّةَ ومُرادَها، فاستجابَ لنداءِ طبائعِه المظلمة؛ فشرِبَ الخمرَ، وقتلَ، وسرقَ، وأتَى الفاحشةَ، وخرَّبَ، وأفسدَ، وانتهكَ كلَّ المحرَّماتِ على شتَّى المستويات، وهنا نجدُ التدخُّلَ السماويَّ، والتشريعَ الإلهيَّ جاءَ؛ ليُناهِضَ هذه المخالفاتِ، ويعالجَ تلكَ الجرائمَ المُنكراتِ، فاجتذبَهُ إلى تركِها، وطوَّعَهُ إلى قبولِ حُكمِ اللهِ بشأنِها، والامتثالِ لمواجِبِها، والكلامُ في هذا الصددِ يطول. قال تعالى "وَأَنَّ هَٰذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ ۖ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ۚ ذَٰلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ" (الأنعام:153)

وأعلن الأمين العام لمجمع البحوث الإسلامية، أن هناك الكثيرُ ممَّا نزلَ به القرآنُ الكريمُ في شؤونِ المجتمعاتِ وفي العَلاقاتِ الدَّوْليَّةِ وفي أمرِ العقوباتِ وفي الأُسرة وغيرِ ذلك .. دَعْ عنكَ ما يتعلَّقُ بالعقيدةِ والعبادةِ والمعاملاتِ بتنوُّعاتِها والغيبيَّاتِ والدارِ الآخرة بتفاصيلها ()، إلا أنه على مدى أربعةَ عشرَ قرنًا لحملاتِ التشويهِ والازْدِراءِ وتنفيرِ الناسِ منه، ولا يزالُ يتعرَّض لهذه الحملاتِ المُضلِّلة في عصرنا هذا، ولا غَرْوَ في ذلك، فالصراعُ بين الحقِّ والباطلِ باقٍ، والتنازعُ بين الخيرِ والشرِّ مستمرٌّ، ولكنْ هيهاتَ لهم، ف ﴿لَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾.

وقال عياد، إنَّ هذا الكتابَ الكريمَ حرَّر ضميرَ الإنسانِ من عبادةِ الأحجارِ والحيواناتِ والأشخاصِ، وخلَّص عقلَه من الأوهامِ والأساطيرِ والخرافاتِ، وتسامى بنفسِه ومشاعرِه فوق رَهَقِ المادَّةِ وعبوديَّةِ الغرائز، وإغراءِ الشهوات واسترقاقاتِها.
وأكد أن هذا الكتابُ المجيدُ صنعَ رجالًا، بل صنعَ أُمَّةً نقلَها – على ضَعْفِها وبساطتِها ورثاثةِ حالِها – من المحليَّةِ إلى العالميَّةِ في غضونِ عقودٍ قليلةٍ، واستطاعتْ أن تنشرَ في شرقِ الدُّنيا وغربِها حضارةً لا يزالُ دينُها ثقيلًا في أعناقِ صُنَّاعِ حضارةِ اليوم، ورموزِها وفلاسفتِها وعلمائِها ومفكِّريها، وكانت حضارةً معجزةً بكلِّ المقاييس، لا يزالُ علماءُ التاريخِ في الغربِ قبلَ الشرقِ في حَيْرَةٍ من أمرِ تفسيرِها.
وتابع: لقد عمدَ القرآنُ الكريمُ إلى محاربةِ الرذائلِ بأسمى أنواعِ العلاج، وأقومِ سُبُلِ المواجهةِ لها؛ فحدَّ الحدودَ، وشرَّع العقوباتِ، وأقامَ المبادئَ، وشيَّد القيمَ، وأرشدَ إلى الأخلاقِ، وقنَّن القوانينَ، التي تعمل على إصلاحِ الفردِ، وينشدُ انتظامَ أمرِ المجتمع على السواء.
وقال الأمين العام، إنَّ الاحتفالَ اليومَ وإن كان خاصًّا بالمتسابقين؛ فهو في حقيقتِهِ احتفالٌ بالقرآنِ الكريم، وفي الوقتِ ذاتِه احتفالٌ بقدرِ العلمِ والعلماءِ في هذا الكتابِ الكريم؛ خصوصًا وأنَّ المقصودَ بالعلمِ هنا، هو ما تضمَّنَهُ القرآنُ من دعوةٍ إلى الحكمةِ والمعرفةِ، وسعيٍ في تحصيلهما بما يحقِّقُ سعادةَ الدنيا والآخرة؛ لأنَّ الحضارةَ التي صنعَها القرآنُ الكريمُ حضارةُ تعارفٍ وتعاوُنٍ وتكامُلٍ وعُمرانٍ وبُنيان، وغيرُ ذلك كثيرٌ، وهو ما لا يمكنُ تحقيقُهُ إلا بالنَّظرِ في القرآنِ وتدبُّرِ معانيه، وفهمِ مُرادِه، وكشْفِ أسرارِه، وإدراكِ مَرامِيه، والوقوفِ على بلاغَتِه، وسُمُوِّ عبارتِه، ورُقيِّ دعوتِه، وحُسْنِ نَظْمِه، وجمالِ بيانِه، ويتأتَّى هذا كلُّه أولًا وآخِرًا بحفظِ نصوصِه، ومعرفةِ أحكامِ تلاوتِه، هذا الحفظ الذي يرفع أصحابه وذويهم في الدنيا والآخرة؛ ففي الحديث الشريف: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: خيركم من تعلم القرآن وعلمه".، وقال صلى الله عليه وسلم:"اقرأوا القرآن فإنه يأتي يوم القيامة شفيعا لأصحابه".
وأضاف، أن الحديثَ عن القرآنِ الكريمِ – الذي هو آخِرُ التنزُّلاتِ الإلهيَّةِ - حديثٌ لا يستوْعِبُهُ الزمانُ ولا يحصرُهُ المكانُ؛ لأنَّه يتعالَى فوقَ الزَّمانِ وفوقَ المكانِ، ويتسامَى إلى ما بعدَ العُقُولِ، ويذهبُ بعيدًا إلى ما وراءَ التاريخِ ومطارحِ الوهمِ والخيالِ.. وكما تفرَّد اللهُ - تعالى - بتنزيله، تكفَّل - سبحانه وتعالى - بحفظِه وصيانَتِه وحراسَتِه، ولم يتركْ أمرَ ذلك إلى أحدٍ من البشر، لا مِن الأنبياءِ ولا مِن غيرِهم مصداقًا لقوله الحقِّ: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ ]الحجر: 9[.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.