اللغة لصيقة بالإنسان من المهد إلى اللحد, إنها أشبه ما تكون بالروح: إنها روح فاعلة, وطاقة تبعث الحياة فى المجتمعات والأمم بما تحمله من معارف وعلوم, فاللغة وعاء الثقافة والعلم والدين, إننا نعيش باللغة, وفى مرآتها تنعكس دواخلنا, وكما هى وعاء ثقافتنا, فهى سجل تاريخنا, وبها نفكر ونتواصل. ولكن الذى ينبغى تأكيده –هنا- هو أن أهمية اللغة لاتنحصر فى التواصل بين الناطقين بها. أو أنها وعاء للفكر العقائدى والثقافى, أو أنها آلية تفكير وإبداع فحسب؛ وإنما هى –أيضا- هُويّة تحفظ ماضى الأمة بموروثها الحضارى والسيادى, وتقترن بأبنائها: تُجسد حاضرها من خلال العلاقة الجدلية بين هوان أبنائها وضعفها, وبين قوة أهلها وقوتها, فاللغة الحية تحيا فى ظل قوم أقوياء لهم إسهام فى العلم والإبداع. وهى –أيضا- تشير إلى ماهية الغد كيف يكون؟ وإلى أين يتجه؟ وتحتفظ اللغة- على تتابع العصور وتنوع الحضارات – بقيمتها المتفردة ؟ فهى تمثل المظهر المادى للوجود الحقيقى للإنسان, فحين يفنى الأفراد, وتندثر الجماعات,وتنتهي حضارة أمة ما، لا يبقى من كل ذلك شيئ ذو قيمة إلا ما حفظته اللغة. #وماذا عن اللغة العربية ونحن نعيش أجواء الاحتفال باليوم العالمى للغة العربية .. إنها اللغة الخالدة ، لغة القرآن المجيد ، يشهد لها الزمان بعد الزمان على مدى ألف وأربعمائة وأربعين عاما أنها مستقرة خالدة ، تتطور لتستوعب كل جديد من مواليد الحضارة ، دون أن تفقد الصلة بأصلها الأول ، وهذا لم يتأتَّ بهذا الكمال للغة أخرى من اللغات, كم من لغات اندثرت أو اختفت أو ماتت وبقيت اللغة العربية خالدة . # إن أعظم خصيصة للغة العربية هى أنها لغة القرآن الكريم, إن ارتباط اللغة العربية بالقرآن الكريم أكسبها مميزات فريدة من أهمها: 1- أن القرآن الكريم جعل اللغة العربية حية على ألسنة المسلمين فى بقاع الأرض كلها. لقد كتب القرآن الكريم لها الخلود ... فهى باقية ببقائه, قال تعالى: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا 0لذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُۥ لَحَٰفِظُونَ} [الحجر: 9] 2- كذلك كتب القرآن الكريم للغة العربية الاستقرار اللغوى، فلا يقودها التطور اللغوي عبر الزمان إلي التحول إلي لغات جديدة، حيث يرتبط كل تطور لغوى فيها بالأصل الذى انبثق منه, فتظل الأجيال فى الزمان بعد الزمان موصلة بتراثها وأصالتها. 3- إثراء اللغة العربية : لقد أضاف القرآن الكريم نموذجا له الخلود والبقاء والإعجاز اللغوى, مصون بقوة الخالق لا تمسه يد التحريف والزيف {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا 0لذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُۥ لَحَٰفِظُونَ} لقد كانت العربية تصنف قبل نزول القرآن إلى شعر ونثر, فلما نزل القرآن صارت نماذج التعبير اللغوى ثلاثة: قرآنا, وشعرًا, ونثرًا.يضاف إلى ذلك الرقى بدلالات العربية, واستحداث دلالات جديدة لم تكن موجودة من قبل. 4-لقد فجر القرآن الكريم علوم العربية فأنشأ- كما بين الإمام السيوطى فى الإتقان- أكثر من ستين علما لخدمة القرآن الكريم. 5- وكان من فضل القرآن الكريم على اللغة العر بية تهذيب ألفاظ اللغة العربية, حيث نحى وأبعد الألفاظ الثقيلة وجاء بأيسر مافى العربية, حيث اصطفى الكلمات السهلة, وزنًا وصوتًا, فأغلب كلمات القرآن من الثلاثى وفى دراسة علمية موثقة أثمرت أن القرآن اصطفى خمسة عشر فى المائة من كلمات اللغة العربية وتلك هى التى كتب لها الخلود والاستعمال عبر الزمان إلى اليوم, فالعربية عظيمة فى ذاتها أما ما يحيط بها من مشاكل وأزمات فذلك ناتج من أهلها حيث ترتبط اللغة بأهلها قوة وضعفا . # ولغتنا العربية – فى معركة الحضارة المعاصرة – تعانى مشكلات وتصادفها عقبات من أبرزها: - تدريس العلوم الطبيعية بلغة أجنبية. - حرمان المكتبة العربية من الأعمال الموسوعية العامة والمتخصصة، وكذلك المعجمات بمستوياتها المختلفة. - كنوز المخطوطات العربية المشتتة بين مكتبات العالم لم تحظَ بتحقيقها ونشرها ودراستها وتقويمها. - حال العربية فى دور التعليم وغياب التكامل العلمى فى تعليم العربية. - نزعة المجتمع إلى التغريب. - الجانب الأكبر من التراث الإنسانى لم يترجم إلى العربية حتى اليوم. - لم يتم تيسير سبل تعليم العربية لغير العرب بطريقة علمية حتى اليوم. - افتقاد رؤية لمستقبل اللغة العربية، فلا يوجد لدينا تخطيط لغوى للمستقبل . وهذه المشكلات هى هموم اللغويين العرب، وعلى الرغم من امتلاكهم الحلول الفذة لهذه المشكلات إلا أن شيئًا منها لا يعرف طريقه إلى النور، وأتساءل مع الملايين العربية: هل لأننا ظواهر فردية لا نحسن العمل الجماعى بروح الفريق ونحن فى عصر التكتلات التى تجتاح كل ما هو فردى؟! أم لأن اللغويين لا يُمكَّنُ لهم فى الإعلام والتعليم والمؤسسات التى تملك سلطة القرار فتظل جهودهم مجمدة على الأرفف وكأنهم يؤلفون لأنفسهم؟! أم أصابهم العجز عن التغيير والتطوير المنشود بسبب هموم الحياة ووطأة العيش حيث إن الإنسان العربىّ يعيش اليوم أزمة هروب من الذات ، وينغمس فى حالة اغتراب عن أصالته ووجوده، فانعكست هذه الأزمة سلبًا على الواقع اللغوى، ووصمت اللغة بالعجز والقصور عن مواكبة التطور العلمىّ والحضارىّ؛ والعجز الحقيقىّ ليس فى اللغة بل فى أهليها الناطقين بها . إنَّ الأمة التى لا تنتج العلم، تضعف لغتها وتنكمش وتنعزل، فاللغة العربية فى أزمة؛ لأن الإنسان العربى فى أزمة، فأحوال اللغة لا تنفصل عن أهليها أبدا. # «لقد انكمش قاموس اللغة العربية من 12 مليون كلمة إلى 12 ألف كلمة بسبب التراجع المعرفى والثقافى والإبداعى للأمة العربية», فقوة اللغة لها جناحان: 1- الجناح العلمى للعلوم الطبيعية. 2- الجناح الإبداعى الأدبى والثقافى. فهل آن للعرب أن يعتزوا بلغتهم العربية, التى تمثل الأصالة والتاريخ وأهم أركان الهوية, أم سيظل زهد العرب فى لغتهم والاعتزاز بغيرها في عقر دارها؟؟؟ !!! # إن العظمة لا تأتى من فراغ, والسقوط والانهيار معلوم سبيله, وإن الله لايغير ما بقوم حتى يغيروا مابأنفسهم,