تشهد هذه الأيام إحياء الذكرى السابعة والأربعين لحرب أكتوبر، عندما استطاعت القوات المصرية والسورية في حرب أكتوبر 1973، القيام بخداع استراتيجي كان الأهم في المعركة قبل توجيه ضربة قاصمة للجيش الإسرائيلي على الجبهتين المصرية والسورية في آنٍ واحد. واستطاعت القوات المصرية في السادس من أكتوبر عام 1973، اختراق خط بارليف المنيع في وقت قياسي، ومن ثم العبور شرق القناة، والتوغل بسرعة في عمق الأراضي المصرية بشبه جزيرة سيناء التي كان الكيان الصهيوني قد احتلها من قبل، وفي الوقت ذاته كانت القوات السورية قد تمكنت من التوغل في الجولان. وبسبب هزيمة إسرائيل النكراء وتحطيم خط برليف المنيع، الذي تحطمت معه أسطورة الجيش الذي لا يقهر، أعلن موشى دايان وزير الدفاع، بأن المعبد الثالث سينهار، في إشارة منه إلى الكيان الإسرائيلي المدعوم من أمريكا، ما دعا واشنطن في هذا الوقت إلى تشكيل جسر جوي بين واشنطن وتل أبيب، ونقل أحدث ما توصلت إليه ترسانة السلاح الأمريكية؛ لإعادة تزويد جيش الاحتلال الإسرائيلي بالعتاد والمقاتلين المرتزقة، كما فعلت معظم دول الأوربية؛ لتعويض خسائره الفادحة في معركة الكرامة. وبسبب الدعم الأمريكي الأوروبي اللا محدود لقوات الاحتلال، بدأت إسرائيل هجومًا مضادًا ضد القوات السورية في الجولان. عندها أصدر بطل الحرب والسلام - الرئيس الراحل أنور السادات، صاحب قرار الحرب أوامره للقيادة العسكرية المصرية بالتقدم في عمق سيناء لتخفيف الضغط عن سوريا التي بدأت تخسر مواقع قد كسبتها في بداية الحرب. وقد اعترض رئيس الأركان سعد الدين الشاذلي ومعه القادة الميدانيين على تقدم القوات المصرية خارج غطاء الصواريخ المضادة للطيران، فتصبح منكشفة لطيران العدو، ولكن إصرار القيادة السياسية تغلب على إرادة العسكرية في نهاية المطاف؛ فيما يبدو أنه كان ضعطًا على المجتمع الدولي؛ من أجل استعادة الأرض وتحريك عملية السلام بعد عدوان 1967، ولم يقتصر الدور الأمريكي في تلك المعركة على تزويد إسرائيل، بالعتاد والسلاح فقط، بل تم تزويدها بمعلومات استخباراتية حول مواقع الجيش المصري؛ لإنقاذها من هزيمة محققة. وبعد أن قدمت المعلومات لإسرائيل عن ثغرة في تشكيلات القوات المصرية بسبب تقدم بعض قطاعات الجيش بأوامر الرئيس، استطاعت إسرائيل بمعاونة واضحة من أمريكا، أن تستغل ما عرف بثغرة الدفرسوار لتحقيق أي تقدم يضعها على مائدة المفاوضات، ويحفظ لها ولو جزءًا من ماء الوجه القبيح، قبل تدخل القوى الكبرى، الولاياتالمتحدة والاتحاد السوفيتي، لوقف إطلاق النار على كل الجبهات، بينما كانت القوات الإسرائيلية تبعد أربعين كم تقريبًا عن دمشق. وانتهت الحرب وفض الاشتباك بكسب أراض جديدة على حساب الاحتلال الإسرائيلي، وتحررت مدينة القنيطرة والتي سقطت في أيدي إسرائيل في حرب 1967، كما حرر المصريون أراضي غرب السويس، واستعادوا السيطرة الكاملة على قناة السويس، ليتحقق بذلك نصرًا عسكريًا وسياسيًا، بعد أن اضطرت القيادة الإسرائيلية للإعتراف بالهزيمة في حرب أكتوبر المجيدة، وضغطت على غولدا مائير رئيسة الوزراء آنذاك، لإجبارها على الاستقالة في عام 1974. وإذا كانت الحرب هي استمرار للسياسة، ولكن بوسائل أخرى، كما يقول المفكر العسكري الألماني كارل فون كلاوزفيتز، فإن مبادرة البطل المصري أنور السادات لحل سلمي في العام 1971، والتي قوبلت بالرفض من قبل حكومة مائير حينها، قد قبلت بعد الحرب إيقانًا منها بأن إسرائيل لم تعد قوة لا تقهر. وأخيرًا، فإن حرب أكتوبر رغم دعم أمريكا المتواصل للكيان الصهيوني، كانت نقطة مفصلية في تراجع إسرائيل عسكريًا؛ فمنذ ذاك الوقت لم تربح إسرائيل حربًا ضد سكان عزة.