من الزاوية الاستراتيجية، يمكن النظر إلى القصف الأميركي لمناطق سيطرة التكفيريين في العراقوسوريا بأنه يمثل وضعاً لليد على تلك المناطق، بمعنى تحويلها إلى مناطق نفوذ أميركية و«حليفة» لكسر الترابط الجغرافي-السياسي بين طهران وبيروت. فقد اتضح من استراتيجية أوباما المعلنة لمواجهة «داعش» بأنها تقوم في أحد عناصرها على تأسيس «حرس وطني عراقي» وبناء ألوية من آلاف المسلحين السوريين الموالين لواشنطن والمحور الخليجي، وبأنها استراتيجية محسوبة جيداً لكي لا تخدم محور المقاومة، بل لتقوضه على المدى البعيد. من البديهي إذن أن واشنطن والرياض حريصتان على عدم استفادة محور المقاومة من سعيهما إلى احتواء «داعش» و«النصرة»، وأنهما لا تريدان للتكفيريين أن ينهاروا فجأة ليتمدد الجيش العراقي أو السوري إلى مناطقهم، ما يفسر لماذا لا تتخذ الضربات الجوية والصاروخية الأميركية والحليفة للتكفيريين طابعاً استراتيجياً قاصماً، ولماذا يستطيع التكفيريون أن يجتاحوا عشرات القرى الكردية في شمال سوريا أو مواقع للجيش العراقي حتى في ظل القصف الأميركي لهم. إذا حاول الجيش العربي السوري مثلاً التمدد في اتجاه أي مناطق تنسحب منها «داعش» أو «النصرة» تحت وطأة القصف الأميركي، هل ستتركه واشنطن يفعل ذلك بكل هدوء وأريحية من دون أي ردة فعل؟ أما أنها ستتعامل مع تلك المناطق كدوائر نفوذ لها تقرر هي من يدخلها أو يُمنع من دخولها؟ وإذا قررت واشنطن وحلفاؤها ممارسة ذلك النوع من الوصاية على تلك المناطق، لأنهم يوضحون مسبقاً بالفم الملآن أنهم لن يقبلوا بانتقالها من يد «داعش» و«النصرة» إلى أيدٍ يعلنون ويسرون العداء لها، هل يصح أن نعتبر قصف واشنطن وحلفائها لتلك المناطق قصفاً صديقاً، حتى من دون أخذ مسألة انتهاك السيادة السورية والعراقية في الاعتبار؟! ينبع هذا كلّه من افتراض غير مؤكد بأن واشنطن وحلفاءها يريدون فعلاً اجتثاث التكفيريين من المناطق التي يسيطرون عليها في سورياوالعراق، وهو افتراض غير مؤكد لأن الضربات الأميركية والحليفة للتكفيريين تأخذ طابع الاحتواء والإضعاف أكثر مما تأخذ حتى الآن طابع الضربات الاستراتيجية القاصمة، فمن الطبيعي أن تفضل واشنطن وحلفاؤها بقاء مناطق التكفيريين في حالة من «الفوضى الخلاقة» على أن تنتقل إلى أيدي الجيش السوري، فإن خرجت من أيدي التكفيريين لن تقبل أن يستلمها غير حلفائها فواشنطن تؤجل الحسم مع التكفيريين سنواتٍ ريثما يصلب عودة هؤلاء الحلفاء. يتعلق الأمر في الحالتين بإحداث اختراق أميركي استراتيجي في المشهد السوري والعراقي يؤسس إما لتفكيك الدولتين أو لفرض «حلول سياسية» تضعهما تحت الوصاية الأميركية-الخليجية. لذلك يجب ألا «نستأنس» كثيراً بضربات الولاياتالمتحدة وحلفائها للتكفيريين، فكثيراً ما ينسى الغارقون في تفاصيل اللحظة السياسية الراهنة أن معركة الولاياتالمتحدة العسكرية المباشرة مع العراق مستمرة منذ عام 1990، وأن معركتها العسكرية مع سوريا مستمرة منذ نحو أربع سنوات، وأن التصعيد السياسي والحروب بالوكالة ضد سوريا أقدم بكثير، فما هذه إلا حلقة من حلقات العدوان الأميركي على بلادنا، وما سبقها وما سيلحقها كان وسيبقى عدواناً. تقوم ممارسة السياسة على تقاطعات وتعارضات بعضها مبدئي وبعضها استراتيجي وبعضها تكتيكي، وقد تقاطعت إيران مع الولاياتالمتحدة بعيد العدوان على العراق عام 2003، لكن من يفهم السياسة على نحو جامد لم يستطع أن يرى أن الصراع على العراق نفسه، من بين عوامل أخرى، حوّل ذلك التقاطع إلى تعارض ثم إلى تناقض رهيب بين إيرانوالولاياتالمتحدة تمثّل المنطقة كلّها ملعبه. كذلك تشهد المنطقة صراعاً دولياً حاداً بين دول البريكس الصاعدة وبين الولاياتالمتحدة وحلفائها لا يخلو من تقاطعات هنا وهناك مثل التقاطع الروسي-«الإسرائيلي» على حقول الغاز في المتوسط. وتشهد المنطقة أيضاً صراعاً بين مشروع التفكيك الصهيوني والدول العربية المركزية على الرغم من فسادها وانتهاكاتها ومشاكلها. وتتجمع بؤرة تلك الصراعات والتقاطعات كافة اليوم في سوريا، فلا يمكن اعتبار البعد المحلي للأزمة السورية اليوم هو الأساس فيها، حتى لو افترضنا صحة جميع مزاعم أعداء سوريا عن نظامها. العبرة أن التقاطع بين سورياوالولاياتالمتحدة على ضرب «داعش» و«النصرة» هو تقاطع مرحلي في سياق تناقض مبدئي واستراتيجي، أي أنه تقاطع غير مستقر وجزئي لأنه لا ينطلق من منظومة رؤى ومصالح ومشتركة، وهو ليس تقاطعاً استراتيجياً من ناحية أن الولاياتالمتحدة تحرص على ألاّ تصب نتائجه في خانة تقوية سورية ومحور المقاومة في المنطقة، وإن يكن تقاطعاً استراتيجياً من ناحية إضعاف خصم عنيف وهمجي لن تتركه الولاياتالمتحدة يضعف وينهار، بعدما خرج على طوع من وظفوه في مشروعهم الإقليمي، من دون إنشاء بديل مضمون له يمكن أن تستند الولاياتالمتحدة وحلفاؤها إليه. فإذا كانت سوريا تعتبر أن ضربات أميركا وحليفاتها للتكفيريين تثبت صحة موقفها منذ بداية الأزمة بأنها تخوض حرباً ضد الإرهاب، وبأن الإرهاب لا دين له ولا عقل، بدلالة ارتداده على من صنعوه ودعموه وموّلوه، فإن الجانب الآخر من هذه المعادلة هو أن من يحاول احتواء التكفيريين وتحجيمهم اليوم هو نفسه من قاد المؤامرة الكونية على سورية منذ بداية أزمتها، وليس معقولاً ممن دبر مثل تلك المؤامرة وأدارها أن يريد الخير لسوريا أو لمعسكر المقاومة بأي شكل من الأشكال.