إطلاق 10 صواريخ من جنوب لبنان باتجاه مناطق شمال إسرائيل    علاء نبيل يعود لقيادة أكاديميات نادي زد الرياضي    انتداب المعمل الجنائي لمعاينة آثار حريق محل الأدوات الرياضية في أسيوط.. والمحافظ يشكل لجنة لفحص التراخيص    الاتحاد العالمي يدرج البورصة المصرية ضمن قائمة القيادات النسائية الأكثر تأثيرًا عالميًا    الدولار أمام الجنيه المصري اليوم الخميس 5 مارس 2026    سلامة الغذاء تتابع تأمين أكبر مائدة إفطار بالمطرية خلال شهر رمضان    وليد فواز يجسد شخصية صعيدي في مسلسل "بيبو"    المطرية في قلب الثقافة.. "الوزارة" تشارك لأول مرة في أضخم إفطار رمضاني    علي جمعة يوضح حدود "اللهو" في الفن والموسيقى: ليس كل ما يلهي عن ذكر الله حرامًا    الحرب الإيرانية تعطل إمدادات منظمة الصحة العالمية    طلاب برنامج تكنولوجيا الأوتوترونكس بجامعة الدلتا فى زيارة لهيئة النقل العام    أسعار البنزين تواصل الارتفاع بالولايات المتحدة وسط تصاعد التوتر مع إيران    "الشيوخ": تصريحات رئيس الوزراء تؤكد جاهزية الدولة لمواجهة التحديات وحماية المواطنين    الشيوخ يواصل مناقشة التعديلات على قانون المستشفيات الجامعية    مدبولي: حدائق تلال الفسطاط.. علامة حضارية جديدة في العاصمة    مايا دياب: لا أمانع خوض ابنتي تجربة "المساكنة"    طلاق مفاجئ يشعل أحداث أول حلقتين من مسلسل بابا وماما جيران على mbc    الصين ترسل مبعوثها للشرق الأوسط للوساطة.. ووزير خارجيتها يتصل بنظرائه في 6 دول    محافظ سوهاج يتابع مستوى الخدمات المقدمة للمواطنين بمركز المراغة    شقيق نجم المانيا يمثل منتخب تونس رسميا فى كأس العالم    جامعة العاصمة تنظم حفل إفطار جماعي لطلابها باستاد الجامعة    "الشعب الجمهوري" ينظم صالونًا سياسيًا بعنوان "دور الأحزاب في تأهيل كوادر المجالس المحلية"    لجان متابعة لضبط أسواق الأعلاف.. "الزراعة" تشن حملات تفتيش مفاجئة على مصانع ومخازن الأعلاف في 10 محافظات.. التحفظ على 89 طن أعلاف.. وإحالة المخالفات للنيابة العامة    بتوقيت المنيا.... تعرف على مواقيت الصلاه اليوم الخميس 5مارس 2026    فايننشال تايمز: ارتفاع سعر وقود الطائرات إلى أعلى مستوى بسبب حرب إيران    محافظ الدقهلية يفتتح وحدة طب الأسرة بالطوابرة مركز المنزلة بتكلفة 25 مليون جنيه    الصحة: ارتفاع عدد منشآت الرعاية الأولية المعتمدة إلى 142 منشأة    الحزن يسيطر على نور اللبنانية في جنازة زوجها يوسف أنطاكي    محافظ الدقهلية يتفقد "مصرف الطويل" بالمنزلة ويوجه بسرعة تطهيره    برشلونة يقترب من استعادة خدمات ليفاندوفسكي    طريقة عمل التمر والشوفان مشروب مشبع للسحور    القبض على طالب لاتهامه بالتعدي على سائق بسبب أولوية المرور بالهرم    هل يجوز الإفطار لمن سافر من سوهاج إلى القاهرة؟ أمين الفتوى يجيب    شكوك حول جاهزية أسينسيو قبل مباراة ريال مدريد وسيلتا فيجو    الأوقاف تعلن ضوابط الاعتكاف في رمضان.. منع المطويات والتصوير وقصر الدروس على الأئمة    اليوم.. طرح أولى حلقات «النص التاني» ل أحمد أمين    اتحاد السلة يعلن جدول مباريات ربع نهائي كأس مصر للسيدات    لأدائهم الاستثنائي في إنقاذ المواطنين، هيئة الإسعاف تكرم 3 من موظفيها    في أول ظهور.. زوج المتهمة بإنهاء حياة رضيعتها حرقًا بالشرقية: كانت مريضة ولم تكن في وعيها    السقا: الزمالك يشبه الاتحاد السكندري.. ونسعى لبناء فريق جديد    المشدد 3 سنوات لشخص حاول قتل زوجته بسبب خلاف على مصاريف المنزل بالشرقية    نقيب الفلاحين يعلن قفزة قوية في أسعار اللحوم الحية: العجل ب100 ألف بسبب الحرب    الطقس غدا.. دافئ نهارا وشبورة صباحا والصغرى بالقاهرة 12 درجة    طريقة عمل السبرنج رول، مقبلات لذيذة على الإفطار    رئيس الوزراء يتابع الموقف التنفيذي لتشغيل وتطوير مطار العلمين الدولي    محافظ الإسكندرية يستقبل وفدًا من الكنيسة الإنجيلية    معرض فيصل للكتاب يستضيف ندوة رمضان اختبار للقلوب    فيفا يغرّم الزمالك 160 ألف دولار بسبب مستحقات المدرب السابق يانيك فيريرا    وزيرة التضامن تشكر الشركة المتحدة لإدماج رسائل "مودة" بختام "كان ياما كان" و"فخر الدلتا".. مايا مرسى: شراكة مهنية ومسؤولية مجتمعية لحماية تماسك الأسرة.. وتؤكد: "مودة" مستمر لدعم الأسرة المصرية    وزارة الرياضة تخطر اتحاد تنس الطاولة بتعيين أخصائي نفسي وخبير تغذية للمنتخبات القومية    CNN: إيران كادت تنجح فى ضرب قاعدة العديد الأمريكية بقطر الاثنين الماضي    - التضامن: استمرار رفع وعي الفئات المختلفة بخطورة المخدرات وتوفير العلاج لأي مريض مجانا    استطلاع: أكثر من نصف الأمريكيين يخشون تسبب حرب إيران بزيادة التهديدات    أمن الشرقية: جهود لضبط سائق النقل المتسبب في وفاة طفل وإصابة 9 تلاميذ بطريق بلبيس- العاشر    خلافات عيد الزواج تشعل أولى حلقات «بابا وماما جيران»    مصدر أمني ينفي إضراب نزيلة بمركز إصلاح وتأهيل عن الطعام    الجيش الإسرائيلي يعلن بدء غارات جديدة ضد مواقع «حزب الله»    قائمة بيراميدز - غياب مصطفى فتحي أمام حرس الحدود    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



عادل حسان : عن الشمعة البريئة ..و الكارثة التي لم تنته بالحريق
نشر في البديل يوم 04 - 09 - 2013

قبل ساعات من احتراقنا داخل قاعة قصر ثقافة بني سويف في عام 2005،أدركت أن الخطاط الذي كتب اللافتة القماشية التي تصدرت واجهة خشبة المسرح ليلة الافتتاح_ التي سبقت الحادث بثلاثة أيام _لم يكن مخطئا عندما كتب "مهرجان نوادي المسرح الخامس عشر التذكاري".
دورة "تذكارية" كما ذكر الخطاط بالضبط ، لم تكتمل فعالياتها التي توقفت عند اليوم الثالث بحريق حاصر الجميع فجأة دون أن يمنحنا فرصة الخروج"الآمن" من القاعة الصغيرة التي احتملت أجسادنا وأنفاسنا جميعا لمدة تزيد عن الساعة ببضعة دقائق…..
من مساء الاثنين 5سبتمبر2005″وأنت طالع"مشاهد أدركها جيدا حتى اللحظة التي تقرأ فيها الآن ما كتبته قبل أيام،وأدرك أيضا أن "الشمعة" المفتري عليها في محرقة بني سويف بريئة تماما مما نسب إليها بعد اتهماها بالتسبب في الحادث ، في العرض الذي كنا نشاهده ليلتها"قصة حديقة الحيوان"للكاتب الأمريكي ادوارد ألبي لفرقة نادي مسرح قصر ثقافة الفيوم من إخراج الشاب الراحل محمد منصور وتمثيل محمد إبراهيم ومحمد شوقي_رحلا في الحادث أيضا_ظل الأمر مطمئنا طوال فترة العرض رغم ازدحام قاعة العرض الصغيرة بعدد أفراد يفوق قدرتها الاستيعابية نتيجة لإقبال _أفسره الآن بالمدهش واللافت_علي مشاهدة العرض يومها ،من الطبيعي أن تستوعب القاعة ما لا يزيد عن 40 متفرجا علي أقصي تقدير،وصل الأمر إلي ما يقترب من ال 80 متفرجا أو ما يزيد بعد معركة عنيفة علي باب الدخول إلي القاعة ..
رغم المعاناة وارتفاع درجة الحرارة داخل القاعة التي امتلأت عن أخرها بالبشر وأجهزة الإضاءة والشموع التي انتشرت علي الأرض في كل مساحة التمثيل ،كان العرض رائعا حقا،انتهي دون أن نشعر بالملل والوقت الذي انتهي سريعا_كل اللحظات كانت خاطفة_ووصلنا إلي مشهد نهاية العرض ،انتهي كل شئ…تحرك الممثلان إلي زاوية أقصي اليمين بعمق القاعة ، وأنهت الشموع عملها بتلقائية تحسد عليها و أظلمت القاعة تماما ، وهي لحظة معتادة في عروضنا المسرحية سرعان ما تنتهي بإنارة جديدة يدخل عليها مجموعة المشاركين لتحية الجمهور وهذا ما حدث تماما،كنت اجلس علي دكة خشبية في الصف الأول وأمامي علي الأرض يجلس زملاء يزيد عددهم عن الجالسين معي علي نفس الدكة،وحولي كثيرين من الأساتذة والزملاء رأيت بعضهم لحظتها للمرة الأخيرة،جميعنا سعداء بمجموعة العرض التي رحلت جميعها في المحرقة، كان التصفيق حارا وصادقا ،تحركت باتجاه منفذ الخروج الوحيد للقاعة برفقة الصديق الراحل مؤمن عبده ،لم يتبق سوي 120سم أو ما يزيد قليلا لنصبح في الخارج وسط استمرار الاحتفاء الحار من الحضور بالعرض وفريق عمله_عليك أن تلاحظ كم من الدقائق مرت منذ لحظة نهاية العرض_تحركنا للخروج وسط لحظات تالية يعرفها أهل المسرح وبعض الأصدقاء يكتمل فيها مشهد ما بعد تحية الجمهور بتداخل الجميع في حالة احتفاء حميمية بفريق العمل وتهاني متبادلة وربما تسمع بعض التعليقات المختصرة حول العرض وبضعة ملاحظات تلغرافية،في طريقنا للخروج أوقفتنا صرخات عالية (حريقة/حريقة/حر) ،توقفت في جزء من الثانية التفت للداخل لأجد قطاعا طوليا كاملا أقصي يمين القاعة مشتعلا وفي أرجاء القاعة البعض يتحرك باتجاه المنطقة التي تخرج منها النيران وآخرين مكانهم دون حركة وغيرهم يهرولون باتجاهي للخروج وفي الجزء الآخر من الثانية ذاتها النيران تزحف باتجاهي لم تمهلني الخروج دونها،كان التفكير وقتها أمرا صعبا للغاية ،بعد معاناة وتحرك هنا وهناك داخل بهو قصر ثقافة بني سويف بحثا عن منفذ للخروج بخلاف باب القصر الذي وجدناه مغلقا وقتها لسبب لا أعرفه حتى الآن، خرجت للشارع وبرفقتي نيران سبقتنا جميعا في الخروج إلي نفس الشارع بعد أن أتت علي أكثرنا دون أن تمنحهم نفس فرصة الخروج!
سردت لك ما رأيته وكنت مشاركا فيه دون نقل عن آخرين لأقول لك : هل يمكنك أن تنفي معي التهمة الآن عن"الشمعة" المفتري عليها في محرقة مسرح قصر ثقافة بني سويف؟!
قالوا في تقاريرهم أن الشمعة اشتبكت مع الخامات الورقية لديكور العرض لتصنع النيران التي تسببت في الكارثة ،وكيف للشمعة أن تفعلها رغم الفاصل الزمني الكبير بين لحظة انتهاء العرض وصولا إلي لحظات طويلة للتصفيق والتهاني والمباركات انطفأت خلالها كل الشموع بعد أن أكلت نفسها بالنيران وسالت دون رجعة،وكيف للشمعة أن تنفي عن نفسها التهمة وقد احترقت هي الأخرى ومعها زملاء ألصقوا بهم التهمة لأنهم وفي لحظتها فارقونا ولن يمنحوا أبدا فرصة الدفاع عن أرواحهم ،ولكنها عادة النظام الذي أحترف لعبة إغلاق الملفات وإلصاق التهم بضحايا أحرقتهم نيران فساده، إضافة إلي قائمة أسماء من الأبرياء( صغار الموظفين) عليهم قضاء مدة وصلت لثلاث سنوات بسجونه العفنة في تهمة لم يفعلوها ليظل كبار العملاء من رجاله في أمان مطلق حتى وقتنا هذا دون بذل القليل من الجهد لإخبارنا بحقيقة ما يعرفه عن كوارث يصنعها بنفسه ليصبح دائما كالحكاء الذي يعرف وحده من أين يأتي إلينا بحكاياته المثيرة !
نعم أقصد ما ارمي إليه بإشاراتي هذه….المحرقة بفعل فاعل …..احترقت القاعة بكل من فيها في يوم الاثنين5 سبتمبر2005وانتهي الأمر_هكذا أغلق الملف_ ولكن عليك أن تلاحظ أن الحادث كان قبل يومين من انتخابات الرئاسة الذي وافق وقتها الأربعاء 7/9/2005،إنها أول انتخابات حرة نزيهة بحسب وصف النظام الفائت وقتها لانتخاب مبارك رئيسا جديدا ولفترة أخري من وسط مرشحين آخرين غيره ، ربما كان المشهد في حاجة لحدث يخلق ضجيجا إعلاميا يجذب مانيشتات الصحف وعناوين أخبار القنوات التليفزيونية ليبعد الأنظار وقتها عن أشياء أخري تدار في الخفاء ،لعبة احترفها نظام فاسد فعلها مرات ومرات دون أن يلتفت لأعداد ضحاياه التي فقدت في قطار الصعيد وعبارة الموت وكنسية القديسين وغيرها من كوارث يحترف صناعتها وبعدها تصدر قرارات ساذجة لصرف تعويضات للضحايا ،انه النظام "طيب القلب" لا يتركنا أبدأ ضحية الوقوع في حفرة سبق وحفرها بنفسه لفئة من شعبه!
ذكرت ذلك وقتها دون فائدة ،لم يمنحوني حق الشهادة رغم كوني شاهد عيان وضمن قائمة المصابين في المحرقة ،سبع سنوات أكرر نفس الرواية في كل عام نحيي فيه ذكري من رحلوا دون جدوى!!
لذلك أكرر"المحرقة بفعل فاعل" ….مشاهد ركيكة أخرجها نظام فاسد مابين بيانات أصدرها عدد من المثقفين والفنانين أدانوا فيها النظام واتهموه بالإهمال وطالبوه بإقالة وزير الثقافة فاروق حسني ،يتبعها مشهد تمثيلي رائع للوزير الفنان معلنا تقدمه باستقالته للرئيس بالفعل، الذي رفضها بدوره مؤكدا استمرار الوزير في منصبه وكأن المحرقة حدث في وزارة ثقافة أخري غير التي يديرها، وسط بيانات أخري وقع عليها البعض ممن وقعوا علي بيان طلب الإقالة ينادون الوزير بضرورة العدول عن استقالته…أي سخف هذا،وقفات احتجاجية في الميادين والشوارع وآخرين وهم قلة سرعان ما انكشفت شكلوا جماعات حققت لنفسها مكاسب خاصة تبتعد عن الحدث وضحاياه تماما ،وكلها تصرفات واردة ، دون بذل مزيدا من الجهد للبحث عن الفاعل المتسبب في المحرقة!!
لم يكن احتراق القاعة في بني سويف نهاية المطاف لنا جميعا،الفاعل مازال يتحرك بالحدث للأسوأ،خروجنا للشارع كان بمثابة خطوة ليست بالأخيرة لننجو بأجسادنا من المحرقة،حدثت الكارثة ولكنها لم تصل إلي مشهد أخير كنا ننتظره،تأخرت سيارات الإطفاء ،وبطبيعة الحال أكتشف الجميع أن طفايات الحريق الموجودة بالمكان لا تعمل وغير صالحة ،خرج من خرج ،ورحل في الحال من لم يتمكن من الخروج،في الشارع تحرك لإنقاذنا أصدقاء لنا كانوا ينتظرون في الخارج لأنهم لم يتمكنوا مشاركتنا في حضور المشهد الأخير للمهرجان التذكاري ولكنهم شاهدوه وسط حالة ذهول لم تمكنهم من استيعاب ما يحدث ،ولأن سيارات الإسعاف هي الأخرى _كالعادة تصل متأخرة_تحرك البعض منا سيرا وجريا علي الأقدام برفقة الأصدقاء حتى مستشفي بني سويف ليكمل الفاعل مهمته هناك حيث الإهمال وعدم القدرة علي التعامل مع كارثة بهذا الحجم ،وفي المقابل يرتفع عدد المتوفين نتيجة أخطاء طبية لا أظن انه تمت محاسبتهم عليها حتى الآن، الجميع في عنابر غير صالحة آدميا علاقتها الوحيدة بقسم الحروق اللافتة التي تشير لذلك علي مدخل العنابر،حقن تخدير للجميع حتى تختفي أصوات صرخات الألم استعدادا لزيارة ينتظرونها من قبل وزير الصحة وقتها عوض تاج الدين الذي جاء وسط عدد من كاميرات التلفاز ليطمئن الجميع في منازلهم أنه ومن قلب الحدث أننا جميعا بخير وانه لا توجد أزمات ولا كوارث ،وللحق صدقت الرجل وأعجبت كثيرا بأدائه الصادق المتقن،لا أعرف إن كانت نقابة الممثلين منحته شرف عضويتها حتى الآن أم لا،إن لم تفعل عليها المسارعة في ذلك،نعاني كثيرا نحن صنف المخرجين في البحث عن هذا النوع من الممثلين التلقائيين وها هي المحرقة قد دلتنا علي فاعل آخر،أقصد ممثلا موهوبا.
دائما ما أكرر أن الكارثة في بني سويف2005 لم تنته باحتراق القاعة ولم تتوقف دراما سبتمبر الشهيرة بخروجنا إلي الشارع ومنها إلي مستشفي بني سويف ،ولكن الكارثة تسير في تصاعدية مدهشة حتى وقتنا هذا داخل ما كنا نظن إنها مستشفيات للعلاج ، بسبب أخطاء طبية ومعاملات غير آدمية،حدث معي هذا في أحمد ماهر التعليمي بعد رحلة الانتقال بالأحياء من المصابين إلي مستشفيات القاهرة في اليوم التالي للحادث،في الطريق مات من مات وفي هذه المستشفيات فقدنا آخرين ،ناهيك عن طرائف مسلية لم أكن أبدا أصدقها لولا أنني عاصرتها بنفسي ،إليك بطرفة منها حدثت في صباح يوم الانتخابات الرئاسية وقتها ،قرروا فجأة نقلنا كمصابين في المحرقة نعالج لديهم في أحمد ماهر التعليمي بتوصية واهتمام كبيرين من الرئاسة ،إلي عنبر أكثر لياقة عن الذي احتوانا لعدد ساعات طوال ،استيقظ ضميرهم فجأة ،وبدورنا سعدنا لأننا سنهجر الحشرات الطائرة والزاحفة منها بعد ألفة دامت بيننا لوقت ،نقلنا بالفعل إلي العنبر الاقتصادي،أنتهي مشهد الهجرة المؤقت بزيارة طيبة للهانم كما كانوا يحبون أن يلقبونها ،إنها سيدة مصر وقتها سوزان مبارك حرم الرئيس،تركت الانتخابات وجاءت لتطمئن، الفاعل هنا كان ينقلنا لعنبر يليق بالزيارة ليس أكثر،تأكدنا من ذلك عندما انتهت الزيارة وعدنا إلي عنابرنا غير اللائقة بالزيارة مرة أخري،تعاملنا مع الأمر كما نتعامل مع الفواصل الإعلانية ليس أكثر، عليك أن تتذكر مرة أخري أن المحرقة مستمرة بفعل فاعل..!
الفاعل الحقيقي في سبتمبر2005 بدأ العمل قبلها بسنوات ،أغرق مواقعنا الثقافية بالمحافظات والمسارح الملحقة بها في حلقات متواصلة من الإهمال ، بنية متهالكة ،وقاعات غير صالحة،ووسائل تأمين لا تعرف طريقها إلي هذه المواقع،مكاتبات تذهب وتعود تستغيث طالبة النجدة لتطوير وتحديث المواقع حتى تصبح لائقة آدميا دون استجابة من المسئولين عن الثقافة في النظام الفائت الذين لم يهتموا سوي بأنشطة وفعاليات ومهرجانات دعائية تخدم مقاعدهم وطموحاتهم السياسية تضمن لهم الاحتفاظ بحقيبة مهامهم طوال هذه الحقبة الزمنية ، وسط تصريحات فجة من وزير ثقافة المحرقة قال فيها (ولماذا يذهب نقادا من أساتذة أكاديمية الفنون وغيرهم إلي مهرجان للهواة من أجل بضعة جنيهات ،ولماذا قبلوا مشاهدة عرض مسرحي داخل قاعة غير مؤهلة لذلك) دون أن يتذكر الوزير/الفاعل أنه وزير ما وصفها وقت الحادث بالخرابات ، رحل الأوفياء والمخلصين لمسرحنا في بني سويف واستمر كل من فعلوها لسنوات، حتى خروجهم الآمن دون أي ضجيج .
بعد سنوات سبع مرت علي المحرقة ألا يستحق 50 من شهداء مسرحنا المصري أن نعيد من أجلهم التحقيق مع "الفاعل"ومحاسبته،الفاعل هنا ليس فردا ولكنه نظام كامل عمل من أجل تدمير حركتنا المسرحية بأوجه مختلفة تعددت والهدف منها واحد،اصطنعوا الأزمة ، وأغلقوا بعدها مسارح الأقاليم بحجة افتقادها لشروط الدفاع المدني والأمن الصناعي ،وتفننوا في سبل عرقلة حركة مسرح ضحي من أجلها رموز نعتز بهم،الذين رحلوا في بني سويف 2005، كانوا يعملون بصدق من أجل حركة مسرح مصري في الأقاليم بعيدا عن أضواء القاهرة وإعلامها الجاذب لأنهم كانوا علي يقين أن الهواة في الأقاليم هم قلب المسرح المصري ،اللهم إلا جهود فردية بذلها المخلص د.أحمد نوار_الذي كلف برئاسة الهيئة عقب المحرقة في 2005_لاستعادة الروح في جسد ترهل بمعاونة الناقد د.محمود نسيم _مدير مسرح الأقاليم وقتها_ ورغم المأزق تجاوزا المرحلة ليعود الحراك في مسرح كاد أن يقتل ولكنها فترة نقاهة لم تدم طويلا وربما لم تروق "للفاعل" ،سرعان ما أجهض كل ما فعلاه بمعاونة من تبقي من المسرحيين._
الفاعل يعمل بشكل تصاعدي نحو تقليص ميزانيات فرق الأقاليم المسرحية وتخفيض عدد الفرق العاملة في الإنتاج، ووصل الأمر أحيانا إلي إهمال مسرح الدولة المحترف والعبث بدور العرض التي يقدم عليها عروضه بما يعرقل حركة نهوضه ،وليس هناك ما يمنع الدفع بالبعض إلي العمل بالمسرح المستقل بعد الترويج لضرورته وأهمية دعم الدولة له وتوفير مسارح لاستيعاب إنتاجه ،ثم يتم التخلي عنه دون سابق إنذار ولا يجد العاملين به مفرا من اللجوء إلي تمويل مؤسسات أجنبية للحصول علي دعمها المالي لتقديم مشروعات تتوافق وسياسة عمل المؤسسات الداعمة ، كل هذا يحدث و"الفاعل" ما زال "فاعلا"…..يمكنك أن تفسر الأمر علي أنني من المروجين لنظرية المؤامرة،لكنني فقط ومعي كتائب من المسرحيين ننتظر أن نرد الدين لكل من افتقدناهم بالرحيل في المحرقة لنحقق حلمهم وسعيهم من أجل استمرار المسرح الجاد دون التخلي عن"تركة" نعمل من أجل عدم التخلي عنها ، نعتذر لهم كلما فقدنا بناية مسرحية ،هدمت ،أو أغلقت ،أو ربما تحولت إلي معمار تجاري حديث ولكنها لم تعد مسرحا….!!
ليس كافيا أبدا أن يكون المكسب الوحيد الذي تحقق من أجلهم ،وبمطلب من أعضاء لجنة أسر وضحايا المحرقة،أن يصبح 5سبتمبر سنويا هو يوم المسرح المصري ، بعد قرار د.عماد أبو غازي وزير الثقافة السابق في احتفالية ذكر المحرقة في عام 2011 ،و الذي تم الاحتفال به في جميع مسارح مصر مساء الأربعاء الفائت.
من الملح أن تهتم الدولة وهي تبدأ عهدها الجديد بالبحث في مسببات الحادث ،والعمل علي استكمال علاج عدد من مصابين المحرقة مازالوا يعالجون حتى الآن علي نفقتهم الخاصة بعد أن رفعت جميع المؤسسات أيديها عنهم ، ألا يحق لنا أن نطلب من مؤسسات وزارة الثقافة ما كررناه مرارا بضرورة إطلاق أسماء شهداء المحرقة علي قاعات أنشطتها ومسارحهم وطبع أعمالهم والمساعدة في توثيقها،ليس كافيا أن نجتمع كل عام لنقول"لن ننساكم"…نود أن نكون نحن أيضا "فاعلا" ليس من أجل محرقة جديدة ،ولكن من أجل "رقي مسرحنا المصري " …الذي يجب ألا يكون مفعولا به مرة أخري…..!!!
ملحوظة أخيرة:
طوال 7 سنوات مضت،طلب مني مرارا أن أكتب شهادتي عن محرقة قصر ثقافة بني سويف،ولكنني لم أفعل،ولا أعرف سببا أو دافعا جعلني أفعلها هذه المرة،ولكنها ربما (الكتابة بفعل فاعل (
عادل حسان
القاهرة في سبتمبر2012


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.