يبدو أن رياح الانفصال والاستقلال العاتية تتحرك سريعًا من دولة إلى أخرى، فبعد أن عصفت بوحدة المجتمع الإسباني قبل أيام، وأشعلت نار الخلافات بداخله، لتجعله يمر بأسوأ أزمة سياسية منذ أربعة عقود، وعصفت من قبله بوحدة العراق، وأثارت جدلًا وصراعات داخلية وإقليمية هناك، عادت لتهب مجددًا على إيطاليا، الأمر الذي يهدد وحده القارة الأوروبية. انفصال جديد في أوروبا الجنوبية لم يكد العالم يستوعب صفعتي انفصال واستقلال إقليمي كردستان العراق وكتالونيا الإسباني، لتنظم منطقتا "لومبارديا" و"فينيتو" الإيطاليتان، أمس الأحد، استفتاء للمطالبة بمزيد من الحكم الذاتي، وهو الاستفتاء الذي تم تنظيمه بمبادرة من رئيس منطقة لومبارديا، روبرتو ماروني، ورئيس منطقة فينيتو، لوكا تسايا، اللذين ينتميان إلى حزب "رابطة الشمال" اليميني المتطرف. نتيجة الاستفتاء لم تكن مفاجأة للعديد من المتابعين، فاستطلاعات الرأي أشارت قبل الاستفتاء إلى تقدم كبير لمؤيدي تعزيز صلاحيات المنطقة، وهو ما حدث بالفعل، حيث ردّ الناخبون ب"نعم" على سؤال الاستفتاء حول "هل ترغبون في أشكال إضافية وشروط خاصة للحكم الذاتي لمنطقتيهما؟"، ليؤيدوا بذلك توسيع الحكم الذاتي، حيث أفادت لجنة الانتخابات في إقليم "فينيتو" بأن نسبة المشاركة في الاستفتاء تجاوزت 57%، وأن أكثر من 98% من المشاركين في الاستفتاء صوتوا لتوسيع الحكم الذاتي، وهو ما علق عليه رئيس منطقة فينيتو، لوكا دزايا، قائلًا: إنه انتصار لسكان فينيتو، وهو انتصار للوعي المدني وانتصار الناس الراغبين في أن يكونوا أسيادًا في بيتهم، ووصف الاستفتاء بالحدث التاريخي، ووعد ببدء إعداد عقد يمكن اقتراحه على السلطات المركزية، اليوم الاثنين، مشيرًا إلى أن النظام الإلكتروني الإقليمي لإجراء الاستفتاء تعرض أمس الأحد لهجمة قرصنة خطيرة. أما إقليم "لومبارديا" فقد أكد رئيس المنطقة، روبيرتو ماروني، أن 3 ملايين من سكان لومبارديا شاركوا في التصويت، أي ما يتجاوز 40% من السكان، وأن 95% من المشاركين في الاستفتاء صوتوا لتوسيع الحكم الذاتي، وأشار "ماروني" إلى أن لومبارديا حققت نتيجة تاريخية، إذ استخدم في هذا الاستفتاء لأول مرة نظام التصويت الإلكتروني الذي لا يمكن اختراقه، فيما قال زعيم حزب "رابطة الشمال"، ماتيو سالفيني، المُنظمة للاستفتاء: "أنا سعيد لمطالبة الآلاف وآمال الملايين من الناخبين في فينيتو ولومبارديا بسياسة ملموسة أكثر قربًا وفعالية وأقل بيروقراطية وهدرًا"، الأمر الذي يعني أن قيادة الإقليمين من المفترض أن تسلك الطريق الدستوري للحصول على امتيازات وموارد أكبر، وإعادة النظر في الفارق بين ما تحصل عليه الحكومة المركزية من ضرائب من الإقليم وما تعيده في صورة خدمات. أهمية المقاطعتين لإيطاليا يقع إقليم لومبارديا شمال غربي إيطاليا، يحده شمالًا سويسرا وشرقًا إقليما "ترينتينو ألتو أديجي" و"فينيتو" وجنوبًا إقليم "إميليا رومانيا"، وغربًا إقليم "بييمونتي"، ويبلغ عدد سكانه حوالي 10 ملايين نسمة، وتتميز عاصمة الإقليم "ميلانو" بكونها مركزًا اقتصاديًّا وتجاريًّا ضخمًا، وتعتبر ثاني أكبر المدن والتجمعات الحضرية في إيطاليا، كما أنها قادت ثورة التقدم الصناعي الإيطالي، وتشكل "ميلانو" مع مدينتي "تورينو" و"جنوة" المثلث الذي ترتكز عليه الصناعة الإيطالية. أما إقليم فينيتو فيقع شمال شرقي إيطاليا، ويحده من الغرب إقليم لومبارديا، ويتكون من سبع مقاطعات، ويبلغ عدد سكانه 4 ملايين و900 ألف نسمة، وتشتهر عاصمة الإقليم "فينيسيا" أو المشهورة ب"البندقية" بكونها مقصدًا سياحيًّا عالميًّا، الأمر الذي يجعل إقليمي "فينيتو" و"لومبارديا" اللذين يضمان نحو ربع سكان إيطاليا، من أغنى المناطق في الدولة، حيث يساهمان وحدهما ب30 في المائة من إجمالي الناتج المحلي، وهنا تجدر الإشارة إلى أن هاتين المقاطعتين تحوِّلان إلى الميزانية المركزية قدرًا أكبر من عوائدها المالية مما تحصل عليها على شكل إعانات، الأمر الذي أحدث سجالًا طويلًا بين الشمال الغني والجنوب الفقير حول توزيع الثروة. وتطمح كلتا المنطقتين إلى الحصول على مزيد من الموارد، من خلال استعادة حوالي رصيد الضرائب الراهن، وهو الفارق بين ما يدفعه السكان من ضرائب ورسوم وما يتلقونه من نفقات عامة، ويبلغ هذا الرصيد حوالي 45 مليار يورو لإقليم لومبارديا، و15.5 مليار يورو لإقليم البندقية، وترى كل من البندقية ولومبارديا أن روما تسيء استخدام هذه المبالغ التي يمكن الاستفادة منها بفاعلية أكبر عبر اتفاقات شراكة بين المناطق.