علي الرغم من أني لست من جيل ثورة 23 يوليو ولم أعاصر أحداثها، إلا إنني أشعر بالفخر والاعتزاز بضباط مصر الأحرار بزعامة اللواء محمد نجيب وقيادة البكباشي جمال عبد الناصر، الذين استطاعوا بكل حنكة وفطنة أن يغيروا مجري التاريخ المصري وأن يسيطروا علي زمام الأمور وجعلوا من مصر جمهورية بدلاً من مملكة التي بدأها 'الخديوي محمد علي' إلي أن انتهت في عصر 'الخديوي فاروق' بالتنازل عن العرش ومغادرة البلاد. وعلي الرغم من مرور أثنان وستون عاماً علي هذه الثورة المجيدة التي قام بها الجيش المصري بمساندة ومُباركة الشعب المصري، الذي دائماً وأبداً يمثلان ملحمة تاريخية علي مر العصور، إلا إنني أشعر بهذه اللحظات الجميلة التي استعادة فيها مصر كرامتها وعزتها. إلا أن في ثورة 23 يوليو استنفر الجيش المصري بقيادة الضباط الأحرار ضد الطاغية، لأنه استشعر بالمهانة لأسباب كثيرة منها دخول الفقراء فقط لأداء الخدمة العسكرية وهذا الاستنفار ليس هروباً من أداء الواجب، ولكن لأنه كان لا يعمم علي الطبقات الغنية لأنهم كانوا يدفعون البديلة مقابل إعفائهم من الخدمة العسكرية، ولم يقتصر علي هذا فقط ولكن كان التعليم يقتصر علي الطبقات الغنية وسيطرة رأس المال علي الحكم. قد تتشابه أسباب ثورة 23 يوليو 1952م بأسباب ثورة 25 يناير 2011م، وثورة 30 يونية 2013م، وكان من ضمن أهدافهم هو الثورة علي الظلم والفساد والاستعباد وتحقيق العدالة الاجتماعية، حيث اتسعت الفجوة بين طبقات المجتمع، ويدور محور التشابه أيضاً علي التحام كلاً من الجيش والشعب لضرب أعظم مثال في الوطنية وحب الوطن وإعطاء أروع نظرة للعالم كله وللأمة العربية والشرق الأوسط من المحيط إلي الخليج علي مدي الارتباط القوي بين الجيش والشعب المصري وعلي مدي التحامها ببعض، حيث قامت ثورة الجيش المصري في ثورة 23 يوليو بمباركة وتأييد الشعب، وقام الشعب بثورتي 25 يناير، و30 يونيو بمباركة وتأييد الجيش، كما يوجد تشابه آخر بين ثورتي 23 يوليو وثورة 30 يونية في أسباب قيامها في الصراع الدموي بين الإخوان المسلمين وبعض الفصائل، فقبل قيام ثورة 23 يوليو كان هناك صراع دموي بين الإخوان المسلمين وحكومة النقراشي وعبد الهادي، أما من ضمن أسباب قيام ثورة 30 يونية 2013م هو تخبط الإخوان المسلمين في معظم مؤسسات الدولة، واستخدامهم العنف والتعسف في جميع قراراتهم. لكن تنفرد ثورة 23 يوليو في أسباب قيامها علي تورط الملك فاروق في حرب فلسطين دون الاستعداد إليها مما أدي إلي الهزيمة، وأيضاً عدم إصدار مجلس الأمن قرار لصالح مصر لجلاء القوات البريطانية عن الأراضي المصرية، وتقليص حجم وحدات الجيش وإرساله إلي السودان بحجة المساهمة في إخماد ثورة المهدي، وإغلاق المدارس الحربية والبحرية. لكن ما ميز ثورة 23 يوليو عن باقي الثورات أنها كانت ثورة بيضاء لم يراق فيها نقطة دماء واحدة، كما أن هذه الحركة التي قام بها الضباط الأحرار كانت لا تنتمي لأي حزب أو فصيل سياسي واحد، بل كانوا من جميع التيارات السياسية. هذا ولأن الجيش دائماً الذي يضم جموع المصريين أغنيائهم وفقراءهم، يدخل فيه جميع أبناء الوطن، ولأنه دائماً يشعر بمدي المسئولية تجاه وطنه من أجل أعلاء مجده ورفع رايته إلي عنان السماء، ولأنهم خير أجناد الأرض يستشعرون دائماً بمدي المعاناة التي يعانيها جموع الشعب المصري، ومن أجل هذا دائماً تجد هناك ملحمة غير طبيعية بين قوي الجيش والشعب المصري ينبض قلبهما علي لحن واحد هو لحن حب الوطن. وأخيراً اللهم أحفظ مصر، شعباً وجيشاً، وقيادة.