أصبح التحرش هو قضية الموسم في الولاياتالمتحدة فلا شيء يشغل الشعب الأمريكي في هذا الوقت مثل هذه القضية التيتمس الاخلاق بصفة عامة.. ولا توجد جريدة لا تنقل في صفحتها الأولي حلقة جديدة من مسلسل التحرش الذي تحول إلي وباء والخبر الأول في جميع نشرات الأخبار بكافة محطات التلفزيون والإذاعة يكون دائماً عن فضائح جديدة.. وأما أخبار المشاكل الدولية ومواجهة التطرف وحتي احتمالات اندلاع حروب مدمرة في بعض الدول فهي مجرد أخبار. وقد أصبح التحرش الجنسي بؤرة الاهتمام منذ فضيحة هارفي وينستين أشهر شخصية في عالم السينما الامريكية حيث بدأت الفضيحة بقيام ممثلة ناشئة بإعلان تحرشه بها وبعد أن نشر الخبر بالصفحة الاولي بجريدة النيويورك تايمز كان الأمر بمثابة الكشف عن كنز علي بابا حيث بادرت شخصيات متميزة في هوليوود بالكشف عن مواقف مخجلة تعرضن لها من قبل هذا الرجل الذي يحدد نفوذه مصير جوائز الأوسكار العالمية. والغريب أن عددا من الشخصيات النسائية ذكرت أن تصرفات هذا الرجل المشينة سر معروف منذ أكثر من عشرين عاماً... وكان من بين الشخصيات السينمائية المعروفة الممثلة العالمية ميريل ستريب التي اوضحت انها كانت ايضاً من ضحاياه ولكن الأغرب أن هذه النجمة التي تنشط حالياً في مجال حماية حقوق المرأة ظلت صامتة لسنوات طويلة أو قبلت بهذه المعاملة الدنيئة لتستمر في عملها وأعتقد كما يري الكثيرون أن خطيئتها لا تقل عن جرم هذا الرجل. ويجدر بالاشارة هنا أن هارفي تبرع بمبلغ عشرة آلاف دولار وهو أقصي مبلغ يمكن لفرد أن يتبرع به لصندوق الدفاع عن الرئيس السابق كلينتون في القضية التي رفعت ضده من قبل موظفة عملت معه بولاية اركنساس عندما كان حاكماً للولاية حيث تعرضت لتحرش جنسي من جانبه ولكنها أقدمت علي رفع قضية تعويض عندما افتضح أمر علاقته في البيت الابيض بمونيكا لوينسكي. وقد تعرضت هيلاري كلينتون في الشهر الماضي لنقد شديد عندما ظلت صامته دون تعليق علي جرائم هارفي علي الرغم من انها ترفع لواء الدفاع عن المرأة وجاء تعليقها مقتضبا عندما أشار تقرير إلي أن عزوفها عن ادانة الرجل ربما كان نتيجة أنه يقلب الماضي عليها ويذكرها بفضيحة الرئيس السابق حيث كان الأهالي يرفضون السماح لأطفالهم بالجلوس امام شاشة التليفزيون لمشاهدة اعترافات الرئيس التي كانت بمثابة فيلم فاضح. وإذا كان هارفي وينستين قد طرد من رئاسة الشركة التي يديرها فقد اصرت زوجته علي طلب الطلاق وهو يعالج حالياً في مصحة لتأهيله نفسياً. ولم يعد هارفي وحده فقد اقر الممثل المعروف كيفين وسبيسي الحاصل علي جائزتي اوسكار بأنه اعتدي علي شاب قاصر وأنه كان يمارس الفحشاء مع بعض المعجبات وقد ألغي حفل افتتاح فيلم جديد له كما ألغيت العديد من العقود التي وقعها لتقديم مسلسلات جديدة. ولم يعد مسلسل الفضائح مقصوراً علي النجوم فقد امتد ليشمل تاريخ عدد من الشخصيات البارزة وقد كان من المؤسف أن يلوث تاريخ الرئيس السابق الأب جورج بوش الذي يبلغ حالياً 93 عاماً برواية لفتاة شابة ادعت أنه لمسها بصورة غير لائقة عندما تقدمت لأخذ صورة تذكارية معه في البيت الأبيض... ولم ينج الساحر المشهور ديفيد بلاين من قضية تحرش رفعت ضده من قبل عارضة ازياء ادعت أنه اغتصبها في باريس منذ ثلاثين عاماً. وقد نال المجتمع السياسي أكبر نصيب من الاتهام بالتحرش الجنسي عندما بدأت حملة شعواء ضد روي مور المرشح الجمهوري عن ولاية ألاباما للفوز بعضوية مجلس الشيوخ الامريكي حيث اعلنت خمس سيدات تباعاً وعلي مدي اسبوع أن روي مور قد تحرش بهن منذ اربعين عاماً. وقد نفي روي ما ورد من اقوال نشرت في الصفحة الأولي بجريدة الواشنطن بوست ونقلتها كافة وسائل الاعلام الامريكية. ويبلغ روي سبعين عاماً وقد عمل لفترة طويلة كعضو بالمحكمة العليا في الولاية حيث أنه قاض يتمتع بشعبية واسعة نظراً لآرائه المحافظة إذ انه يعتبر الشذوذ الجنسي نوعا من الحيوانية يعاقبه الله وأن كل ما يجري من كوارث وجرائم في الولاياتالمتحدة سببه ابتعاد الشعب عن التمسك بعبادة الخالق. وقد أعلن روي أن الحملة ضده من تدبير وتنظيم الحزب الديمقراطي والجماعة السياسية المسيطرة علي الحكم في واشنطن.. وقد انتهت العملية بفوز روي للترشح ونظراً لأن كافة المواقف التي جرت منذ اربعين عاماً تناولت فتيات دون العشرين فقد تم تصعيد الحملة وطالب اقطاب الحزب الجمهوري بالكونجرس روي بالتخلي عن ترشيح نفسه حتي يمكن أن يرشح بديل عنه وحتي لا يخسر الحزب مقعداً في مجلس الشيوخ يقوض من قدرته علي السيطرة عند التصويت.. ولكن القاضي روي مصمم علي المضي حتي النهاية حيث إنه واثق من مساندة شعب الولاية له عند اجراء الانتخابات يوم 12 ديسمبر القادم وبالتالي لم يعد أمام رجال الكونجرس اي طريقة لاقصاء هذا القاضي بصورة قانونية ما سيتطلب طرده من الكونجرس بعد انتخابه نظراً لأنه سيصبح شخصا غير لائق اخلاقياً. وجاء ذلك وسط اصرار سكان الولاية علي مساندة روي. كما وردت تقارير تتهم جريدة الواشنطن بوست بتقديم رشاوي مالية لسيدة حتي تدعي أنها كانت من ضحاياه.. وفي مواجهة هذا المناخ الشائك قام مجلس النواب الامريكي بعقد جلسة استماع صاخبة بغرض اصدار قانون يضمن حماية العاملين بالكونجرس من التحرش الجنسي داخل الكونجرس وذلك نظراً لوجود عدد من الشباب خاصة الفتيات المتدربات اللاتي يسعين للحصول علي مناصب والترقي.. وقد قام عدد كبير من اهالي لوس انجلوس بتنظيم مظاهرة ضخمة للتنديد بالتحرش الجنسي وارتدي الجميع تي شيرت كتب عليه »وأنا ايضاً» وهو شعار المظاهرة.. وكان المشاركون من الاناث والذكور.. وأعتقد أن أي مشاهد للمظاهرة لابد أن يناله احساس بالذهول والخوف من انتشار التحرش في دولة الحريات...!