ترقب إعلان نتائج أعمال الشركات بالبورصة خلال الربع الأول لكشف تداعيات الحرب على الأرباح    عاجل- الرئيس السيسي يؤكد تعزيز التعاون التعليمي مع اليابان خلال استقباله رئيس جامعة هيروشيما    عاجل- الحكومة تقر استمرار العمل عن بُعد يوم الأحد خلال مايو 2026.. خطوة لتخفيف الزحام وتحسين بيئة العمل    عاجل- رئيس الوزراء: الدولة تعمل على توطين الصناعات وزيادة الاستثمارات لتحقيق نمو اقتصادي مستدام    محافظ الفيوم يتفقد أعمال توريد القمح المحلي بصوامع شركة مطاحن مصر الوسطى.. صور    الحكومة تعدل قواعد الترخيص بالانتفاع بأراضي مشروعات إنتاج الطاقة الكهربائية    الجيش اللبناني يعلن مقتل جندي وشقيقه باستهداف إسرائيلي    استمرار نظام العمل عن بُعد يوم الأحد من كل أسبوع خلال مايو    وزير الرياضة ومحافظ شمال سيناء يشهدان لقاءً حواريًا مع القيادات الشبابية    بعد ملحمة باريس وبايرن.. أبرز المباريات الأكثر غزارة تهديفية في تاريخ دوري أبطال أوروبا    الإسماعيلي يطلب إلغاء الهبوط لموسم استثنائي جديد    القانون يحدد عقوبات رادعة لناشري فيديوهات خادشة للحياء.. تعرف عليها    نهاية مأساوية.. مصرع شخص إثر سقوطه من أعلى عقار بمدينة نصر    غدًا.. ماستر كلاس مع المخرج يسري نصر الله بمهرجان الإسكندرية للفيلم القصير    ضبط طبيب مزيف يدير عيادة غير مرخصة بكفر الشيخ    مجلس الزمالك يقعد اجتماعًا اليوم برئاسة حسين لبيب    وفاة والد حمدي الميرغني    الكشف على 1082 مواطنًا بقافلة طبية مجانية فى قرية بدران بالإسماعيلية    وزير التخطيط: تراجع معدل البطالة خلال عام 2025 ليسجل 6.3%    عثمان ديمبيلي يكشف سر الفوز على بايرن ميونخ في دوري الأبطال    خبر في الجول - ثلاثي منتخب مصر يتواجد في السفارة الأمريكية لاستخراج تأشيرة الدخول    كرة اليد، مواجهات قوية اليوم في نصف نهائي كأس مصر    رئيس جامعة بني سويف يجتمع بإدارة الأمن الإداري استعدادًا لامتحانات الفصل الدراسي الثاني    راحة طويلة، جدول الإجازات الرسمية في مايو 2026    انهيار تاريخي للعملة الإيرانية، الريال يسجل أدنى مستوياته أمام الدولار    حبس المتهم بسرقة سيارة بالدقي    الطقس غدا.. ارتفاع بالحرارة نهاراً وشبورة كثيفة والعظمى بالقاهرة 29 درجة    محافظ الإسماعيلية يعتمد جداول امتحانات الفصل الثاني للعام الدراسي 2025/ 2026    جامعة القناة تطلق برامج تدريبية متكاملة لتعزيز وعي المجتمع والتنمية المستدامة    شراكة استراتيجية بين جامعة الإسكندرية وMicrosoft لتطوير مهارات الطلاب الرقمية    وزير الدفاع يشهد تنفيذ المرحلة الرئيسية للمشروع التكتيكى بجنود (بدر 2026) بالذخيرة الحية.. صور    طريقة عمل العجة لفطار بسيط سريع التحضير    موعد ميلاد هلال ذو الحجة ووقفة عرفات وعيد الأضحى المبارك 2026    دعابة وكلمات دافئة ..كيف نجح الملك تشارلز فى خطابه التاريخى أمام الكونجرس؟    ترقب جماهيري ل«الفرنساوي».. موعد عرض الحلقتين 3 و4 يشعل السوشيال ميديا    إشادة دولية بعد حصوله على بطولة أفريقيا للمصارعة.. عبد الله حسونة يروى كواليس التتويج    1 مايو.. مصمم الاستعراضات الإسباني إدواردو باييخو يقدم عرضه الشهير «اللغة الأم» على مسرح السامر    فيديو «علقة طنطا» يشعل السوشيال ميديا.. والأمن يلقى القبض على المتهمين    لم ترتد تاجا.. رسالة خفية فى مجوهرات كاميلا للملكة إليزابيث بالبيت الأبيض    أول ظهور للحاكم العسكري في مالي بعد هجمات دامية.. ويؤكد: الوضع تحت السيطرة    الدولار يسجل 445.39 جنيها للشراء في بنك السودان المركزي    مسؤول أممي: اتفاق وقف إطلاق النار في غزة يشهد تدهورًا مطردًا    نائبة تتقدم باقتراح برغبة لاعتماد برنامج للتوعية بمخاطر الألعاب الإلكترونية    رئيسة القومي للطفولة تطالب بإعداد برنامج تأهيلي للمقبلين على الزواج    خدمة اجتماعية بني سويف تنظم معرضها الخيري السنوي للملابس لدعم دور الرعاية الاجتماعية    "المعهد القومي للأورام": جراحات متقدمة وخطط علاج شاملة للسرطان وفق نوع ومرحلة الورم    وفاة مختار نوح.. تحديد موعد ومكان العزاء غدًا بمصر الجديدة    صحة غزة: المستشفيات استقبلت خلال ال24 ساعة الماضية 5 شهداء و7 إصابات    «سيناء.. ارض السلام» في احتفالية ثقافية بقصر ثقافة أسيوط بمناسبة ذكرى تحرير سيناء    قصر العينى يشهد اجتماعا علميا مصريا فرنسيا موسعاً لتعزيز الأبحاث المشتركة    بعد غياب طويل.. شيرين عبد الوهاب تعود لجمهورها بحفل في الساحل الشمالي    9 مصابين في حادث انفجار شعلة غاز ببني سويف    مختار جمعة: قوة الردع المصرية صمام الأمان للسلام.. والجيش يحمي ولا يعتدي    خبيئة الكرنك.. الدماطي يكشف قصة ال17 ألف تمثال التي غيرت خريطة الآثار المصرية    استشاري يكشف علامات تحسن مستوى السكر وأعراض ارتفاعه والتفرقة بينهما    بالكعبة وملابس الإحرام.. تلاميذ ابتدائي يجسدون مناسك الحج بفناء المدرسة في بني سويف    خالد الجندي يوضح علامات أولياء الله الصالحين    هل تُجزئ النوافل عن فوائت الصلوات المفروضة؟ ومتى يسقط ترتيبها؟.. الأزهر يجيب    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



الهجرة إلى كردستان
نشر في أخبار مصر يوم 09 - 11 - 2007

الحديث عن المعتقدات الدينية في إقليم كردستان العراق، يشبه السير في حديقة واسعة مليئة بنوع واحد من الزهور ولكنها تحتضن بين جنباتها أصنافا نادرة من الورود تجعل منها حديقة فريدة. إن أغلب سكان كردستان هم من المسلمين السنة بنسبة تزيد عن 95%، هذه النسبة تجعل البعض يراها بقعة مغلقة عقائدياً، فيما الاقتراب يجعلك ترى مشهداً مغايراً. فالإسلام هنا يحمل سمات الوسطية المنفتحة والحاضنة للآخر، وحركات الصوفية تجذب مئات الآلاف من الانصار والمريديين، وهناك أيضاً المسيحيون الذين يقطنون المكان منذ الفي عام من أبناء الأشورييين والكلدانيين المحتفظين بتراث ثقافي ولغة سريانية تعود إلى أكثر من 4 آلاف سنة، وإذا اقتربت أكثر ستجد نفسك تغوص في عقيدة ''الإيزيديين'' الغريبة والمثيرة للجدل بما تحمله من اتهامات بعبادة الشيطان، وتسير إلى جانب النهر الصغير فترى ''الصابئة'' وقد حطوا رحالهم من جنوب العراق هنا في الشمال بحثاً عن ملاذ آمن، ونهر يقيمون بجانبه طقوسهم الدينية.
إن الخوض في تنويعات العقائد الدينية في كردستان، مهمة محفوفة بالمخاطر، لعل أخطرها هو أن تغوص قدماك في مناطق يعتقد الكثيرون أنها من المحرمات، ولكننا قررنا أن نخوض التجربة ولنا شرف المحاولة ونرفض أن ينكر احد حقنا في أن نخطئ أحياناً..
''نحن نعود في العراق إلى عصور الاضطهاد التاريخي للمسيحيين، ولكن في إقليم كردستان بالنسبة لي الوضع أفضل من كندا وأميركا''، هكذا تحدث الأب صبري المقدسي راعي كنيسة ''مار يوسف'' الكلدانية في أربيل. راسماً صورة لأوضاع أقلية ظلت تشكل نبضة قوية في جسد العراق الحي، لكنها اليوم تعيش وسط نيران الحرب ''الشيطانية'' بين المتشددين، لتجد نفسها خارج الخريطة، منتظرة اليوم الذي يتحول فيه ''مسيحيو العراق'' إلى مجرد ذكرى تاريخية!.
كان عدد المسيحيين العراقيين في 1987 نحو مليون وربع المليون نسمة، وفي 2003 تقلص عددهم إلى نحو 850 ألفاً، أما اليوم في 2007 فلا يزيدون - وفقاً للتقديرات غير الرسمية - عن 550 ألفاً بينهم نحو 200 ألف في إقليم كردستان العراق يتمركزون في عنكاوة، وزاخو وشقلاوة، والسليمانية، ودهوك.
كرم زائد !
بينما يتجه المسيحيون العراقيون في الأغلب إلى الهجرة إلى خارج بلاد الرافدين، تجد قسماً منهم يرحل صوب إقليم كردستان، خاصة هؤلاء الذين لم تتوافر لهم الإمكانات المادية للسفر إلى الخارج.
ويشير الأب صبري المقدسي إلى أن ''حكومة إقليم كردستان ترحب بالنازحين المسيحيين، وتساعدهم مادياً عبر مكاتب توزيع المساعدات، ويتم صرف الرواتب لأهالي النازحين''. ووفقاً لمصدر في مكتب مساعدات النازحين، فإن كل أسرة من النازحين المسيحيين يُصرف لها مبلغ 100 دولار شهرياً.
ويؤكد راعي كنيسة ''مار يوسف'' أن ''وزير المالية في حكومة إقليم كردستان سركيس مهتم للغاية بقضية النازحين المسيحيين، ويحاول توفير كل السبل من أجل تهيئة الظروف المناسبة لهم''.
ويشير العديد من المثقفين المسيحيين إلى المساحة الواسعة التي يتمتع بها المسيحيون من حرية رأي، وتعبير وإمكانات في إقليم كردستان، وهناك عشرات الكنائس، وجمعية للثقافة الكلدانية وممثلون للمسيحيين الأكراد في البرلمان العراقي و 5 نواب في برلمان إقليم كردستان، و3 وزراء في حكومة الإقليم. وهناك عدة أحزاب مسيحية منها الحزب الديمقراطي الكلداني، والحركة الديمقراطية الأشورية.
ويقول لنا عبد القادر محمد ''45 عاماً'' إن ''حكومة الإقليم اهتمت بالفعل بشكل مبالغ فيه بالترحيب بالمسيحيين على حساب السنّة أو الشيعة، فالمسيحي عندما يأتي من بغداد أو الموصل تنتهي إجراءته أسرع كثيراً من الآخرين، وتوفر له معاملة خاصة''. ويرجع عبد القادر ذلك إلى سببين، الأول: هو ذكاء المسؤولين الأكراد الذين رأوا أن توفير التسهيلات للنازحين المسيحيين يحسن كثيراً من الصورة عالمياً، حيث تهتم وسائل الإعلام الغربية بنقل صورة الحياة الهادئة للمسيحيين في الإقليم، بالإضافة إلى استقدام أموال المنظمات الدولية للمساعدات الإنسانية التي تهتم بشكل واضح بالأمور المتعلقة بالمسيحيين.
والسبب الثاني - وفقاً لعبد القادر- هو وجود وزراء مسيحيين في مراكز مهمة في حكومة الإقليم، وفي مقدمتهم وزير المالية سركيس الذي يعرف أن قوته قادمة من رضا التجمع المسيحي عنه، وبالتالي يسخر جزءاً مهماً من عمله لتوفير أفضل الأوضاع للنازحين المسيحيين.
ويعلل وزير حقوق الإنسان ''المسيحي'' في حكومة إقليم كردستان جورج منصور هذا الوضع بأن المسيحيين لا تثار تجاههم مخاوف أمنية على خلاف القادمين الآخرين، ويشدد على أن الجميع يتم التعامل معهم وفق قواعد واحدة، وأنه لا تفرقة لصالح المسيحيين. بغض النظر عن الأسباب، فإن كردستان أصبحت حضناً دافئاً للمسيحيين العراقيين.
ولكن هذا لا يعني على الإطلاق أن كردستان مثلت جنة للمسيحيين، فنسمع تذمرات كثيرة بين النازحين المسيحيين، حنا بولس ''36 عاماً'' يقول إنه ''بالرغم مما تقدمه حكومة إقليم كردستان والكنيسة، إلا أن ظروفنا المالية لا تسمح لنا باستئجار مسكن''. ويشير إلى أن الكثيرين اضطروا إلى السكن في مقابر عنكاوة.ويشير ''متي عماد، 33 عاماً'' إلى أن مبلغ 100 دولار شهرياً لا يكفي حتى الحصول على الطعام اليومي، وفرص الحصول على عمل هنا في أربيل ''شبه معدومة''. ويقول عمانويل ''38 عاماً'' إنه تصور أنه قادم إلى الجنة، فوجد الأمن والاستقرار، لكنه لم يجد لقمة العيش.
ويبدو أن الكنيسة هنا تلعب دوراً بديلاً عن حكومة الإقليم في توفير الخدمات ''المتميزة'' للنازحين المسيحيين. ويقول الأب صبري المقدسي إن ''الكنيسة فتحت دورة لتعليم اللغة الكردية للقادمين من الوسط والجنوب''. ويشير إلى أن تعلم اللغة الكردية مهم للغاية للحصول على عمل في إقليم كردستان، ويشدد على أن كثيراً من المسيحيين يتجهون إلى الهجرة إلى الخارج بعد وصولهم أربيل بسبب عدم إلمامهم باللغة الكردية.
في المقابل، فإن ارتفاع أعداد النازحين المسيحيين بدأ بعد وقت يثير نوعاً من التذمر ''غير المعلن'' وسط المسيحيين الأكراد في مملكتهم ''عنكاوة''، وذلك بسبب ما يحمله القادمون الجدد من أعباء وارتفاع أسعار السكن وغلاء المعيشة، حيث هاجرت أكثر من 1600 عائلة مسيحية من بغداد إلى عنكاوة، ليرتفع عدد السكان في هذه المدينة الصغيرة غرب أربيل من 10 آلاف نسمة في عام 2003 إلى نحو 25 ألفاً في .2007
الإرهاب المجنون
وتشير الصحفية الكلدانية ''جنان بولص'' إلى منشور ''إرهابي'' وُزع في حي الدورة ببغداد، اشترط فيه على المسيحيين اعتناق الإسلام أو دفع الجزية أو الخروج من منازلهم''. وتقول إن الميليشيات احتلت منازل المسيحيين في الدورة، بينما الحكومة العراقية عاجزة عن الوقوف في مواجهتهم. وتضيف أن في بعض الحالات برز ''تعاون بين بعض رجال الشرطة العراقية والإرهابيين في تهديد المسيحيين ببغداد''. وتدق ''جنان'' جرساً بأن ''بغداد تفرغ من مسيحييها في عملية منظمة تتم على قدم وساق''.
ويحكي الشاب ''رويد. ل. 22 عاماً'' أن ''أخواته (البنات) فُرض عليهن الحجاب في الجامعة ببغداد، وأصبحت عائلته تعيش يومياً الخوف من القتل أو الخطف''. ويشير إلى أن المسيحيين في بغداد ينتقلون من الكرخ إلى الرصافة، حيث يقول إن ''الميليشيات الشيعية لا تقتل، لكنها تمارس فقط مضايقات ضد المسيحيين''.
ويقول ''زيد . ن. 25 عاماً'': ''إن مناطق الدورة، والسيدية، وحي العدل، والبياع، والنعيرية، والكرادة، والمعلمين حدثت فيها عمليات قتل بحق المسيحيين مما اضطرهم للرحيل إلى إقليم كردستان أو الفرار إلى خارج العراق''.
ونشرت منظمة ''أبواب مفتوحة'' غير الحكومية الدولية في تقرير لها أن ''أكثر من ألف أسرة في بغداد تم تهديدها من قبل الميليشيات المتشددة لرفضها اعتناق الإسلام، ودفع الجزية، وتزويج بناتها من مسلمين''.ويوضح ''رويد'' أن التهديات بواسطت المنشورات كانت تلصق على أبواب المسيحيين. ويقول ''طارق. ح.'' إن ''الإرهابيين وضعوا عبوات ناسفة أمام منزلي بعد تهديدي؛ فاضطرت إلى ترك بيتي في الدورة والمجيء إلى هنا .
ويقول مدير جمعية الثقافة الكلدانية في أربيل بولس شمعون ''ابن خالتي قتل في بغداد قرب دبابة أميركية، ولم يجرؤ أحد عل الدفاع عنه أو حتى سحب جثته''.
وتؤكد ''جنان'' أن خطر تفريغ العراق من المسيحيين ستكون له تداعيات أخطر من المتوقع، حيث تصبح الساحة فارغة للتعصب والتطرف من الشيعة والسنة على السواء، وتنهي حالة التعددية الدينية وغناها الثقافي للعراق، وتضيف ''جنان'' أن المسيحيين على امتداد تاريخ بلاد الرافدين كانوا عنصراً مهماً في الحكومات بسبب كفاءاتهم التجارية والعلمية، حيث كان وزير المالية دائماً مسيحياً.
مملكة عنكاوة
''عنكاوة'' مدينة جميلة جداً، فبعد مسافة من الأحياء القديمة والعشوائية، يتغير المشهد تجد نفسك فجأة في قطعة من الغرب الأوربي، بها بيوت صغيرة نظيفة، وشوارع ممهدة ومضاءة، وأشخاص يرتدون أزياء تبرز طابعهم الاجتماعي والثقافي، فالبنات يرتدين ملابس أكثر تحرراً، وتظهر محال الخمور على مسافات قصيرة. وهنا تطالع صور القديسيين المسيحيين بكثافة والصلبان تتقاطع مع المنازل، وفي مركز المدينة الكنيسة التاريخية وعلى بعد أمتار الكنيسة الكبيرة ''مار يوسف''.إنها عنكاوة، مدينة المسيحيين أو ''مملكتهم'' في إقليم كردستان العراق، مدينة صغيرة لا تبعد أكثر من 5 كيلومترات من قلعة أربيل التاريخية.
في هذه المنطقة يعيش الكلدان منذ آلاف السنين، وبعد اعتناقهم المسيحية في القرن الأول الميلادي استمروا في السكن بهذه المنطقة التي تتميز بخصوبة أراضيها، وتحولوا في القرن الماضي إلى التعليم، حيث أصبح أغلب السكان من الأطباء والمهندسين والتقنيين، إنها حيز بلا ''أميين''. ومع التغيرات الأخيرة أصبحت مركزاً تجارياً مزدهراً. ويتركز بها أغلب مقرات المنظمات الدولية العاملة في إقليم كردستان العراق.
''نحن محسودون في كردستان''، هكذا قال لي مثقف مسيحي كردي ''ا.ن'' في حوار خاص، فمدينة عنكاوة الجميلة والغنية، تحولت إلى مركز للأموال والمنظمات الدولية. والكلام مازال على لسان (أ.ن) ''ربما ساهم وزير المالية سركيس في هذا الحسد الذي قد يتحول إلى حقد بسبب اهتمامه الزائد بعنكاوة''. ويشير إلى ''الاهتمام المبالغ فيه بإضاءة وتزيين عنكاوة'' .
وتشير ''جنان بولص'' إلى أن إضاءة عنكاوة بينما المناطق حولها غير مضاءة، وتوافر الخدمات كافة بها، بينما لا يحدث المثل في المناطق الأخرى قد ''يثير علينا الجيران فينقلبوا ضدنا''.
ويؤكد الأب صبري المقدسي ''أن المسيحيين يعيشون في إقليم كردستان في أمان تام، ولديهم فرصة ذهبية'' فهل يقتنصونها، لعل هذا السؤال يطرح بقوة اليوم بين مسيحيي كردستان العراق.
اللغة السريانية.. وحلم الحكم الذاتي
تظهر أمامك في عنكاوة ملصقات ومجلات مكتوبة بلغة غريبة، عرفت من مرافق ''انو'' إنها اللغة السريانية، التي عادت إلى الظهور بعد حصول إقلم كردستان على الحكم الذاتي في بداية التسعينات، وتنتشر بين الكلدان المسيحيين اليوم تعلم هذه اللغة القديمة، حيث توجد حالياً 17 مدرسة تدرس اللغة السريانية ومدرسة واحدة تدرس موادها كافة بالسريانية. وبينما الجيل الجديد بدأ يتعلم اللغة السريانية كتابة وقراءة، فإن الجيل القديم يجد صعوبة في الكتابة بالسريانية بسبب فرض اللغة الكردية في التعليم، وتشير ''جنان بولص'' إلى أن الثقافة السريانية ازدهرت في العصر العباسي.
عندما سألنا ''جنان بولص'' عن الحديث الدائم في مجالس الكلدان المسيحيين أجابت دون أن تفكر ''الحكم الذاتي''. وخلال السنوات الأخيرة بدأ الكلدان والأشوريون والسريانيون في الطموح نحو حكماً ذاتياً، وقدمت بالفعل مجموعة مشتركة للأحزاب الكلدانية والآشورية والسريانية مقترحات إلى لجنة إعداد مسودة دستور إقليم كردستان العام الماضي يطالبون فيها بمنح المسيحيين حكماً ذاتياً وإلحاق منطقة سهل نينوى بالإقليم الكردي.
وتضمنت مطالب الأحزاب المسيحية ''الحزب الوطني الأشوري، ومنظمة ملدواشور للحزب الشيوعي الكردستاني، والمنبر الديمقراطي وجمعية الثقافة الكلدانية وحزب بيتنهرين الديمقراطي الأشوري'' باعتماد تسمية شاملة لهم هي ''الشعب الكلداني الأشوري السرياني''، بدلاً من ''الكلدان والأشوريين والسريان''، بالإضافة إلى جعل أول أبريل رأس السنة القومية الكلدانية الأشورية عطلة رسمية في إقليم كردستان العراق.
ويرى المسيحيون في شمال العراق أن مستقبلهم سيكون أفضل لو التحقوا جميعاً بإقليم كردستان العراق.
ويشير أعضاء الجمعية الثقافية الكلدانية في أربيل إلى أن ''مطالبة المسيحيين بالحكم الذاتي وكيان ذاتي لهم لا يعني أبداً الانسلاخ عن العراق، ويشددون على أن المسيحيين لم يفكروا في أي انشقاق أو انسلاخ عبر تاريخم في بلاد الرافدين''.
في النهاية، يقول الأب صبري المقدسي ''إننا عراقيون ثم كردستانيون، فنحن نحب بلادنا، ولا نحب كلمة أقلية، لقد عملنا كثيراً من أجل العراق، ومسيحيو كردستان من كلدان وأشوريين عملوا يداً بيد مع الأكراد لبناء الإقليم المزدهر اقتصادياً وبناء إقليم قدوة لعراق المستقبل.. لا يوجد فيه صراع مذهبي ولا ديني ولا قومي، بل صراع من أجل البناء والطموح للتقدم للأمام والازدهار''.
حماية الأغا
تعود العلاقة الوطيدة بين المسيحيين والأكراد إلى مئات السنين، حيث كان المسيحيون الذين يعمل أغلبهم في الزراعة يواجهون أحكاماً قاسية من السلطة المركزية، فيما كان الأغا في الشمال يقوم بالدفاع عنهم. ويشير باحث في الشؤون الدينية بكردستان إلى أن عائلة البارزاني كانت دائماً من العائلات التي تدافع عن المسيحيين في أوقات الشدة، مما خلق علاقة خاصة بين المسيحيين وهذه العائلة، ولا ينسى المسيحيون دفاع عائلة البارزاني عنهم خلال الحرب العالمية الأولي.
المسيحية في شمال العراق
أقام المسيحيون في العراق منذ بداية انتشار المسيحية، ويتركزون في شمال العراق، وأغلبهم من الكلدان والأشوريين والسريان من سكان منطقة نينوى. ومعظم المسيحيين من الكلدانيين يتبعون منذ القرن السادس عشر الكنيسة الكاثوليكية بعد أن انفصلوا عنها فترات طويلة بسبب انتشار بدعة ''النسطورية'' بينهم. ومن الأشوريين من ينتي للكنيسة السريانية الأرثوذكسية والكنيسة الكلدانية، بالإضافة إلى الطوائف البروتستانتية صغيرة العدد.
300 مسلم فقط!
هناك 300 مسلم فقط في عنكاوة من بين 25 ألف نسمة يعيشون في المنطقة، هؤلاء أغلبهم جاؤوا من الوسط والجنوب بعد 2003 وسكنوا بسبب ثروتهم هذه المنطقة الغنية. ويشير أحد سكان عنكاوة إلى أن المسلمين الذين قدموا إلى عنكاوة يعرفون خصوصيتها، فلا تجد من بين بناتهن من ترتدي الحجاب، ولا يطالبون ببناء مسجد في عنكاوة، فهنا لا يمكن بناء مسجد حفاظاً على خصوصية المكان، على حد وصفه.
أسطورة عشتار و تموز
يحتفل مسيحيو شمال العراق برأس السنة البابلية الأشورية في 1 أبريل ولمدة أسبوع، وهذا العام هو السنة 6757 وفقاً لتقويمهم الخاص. وولد هذا الاحتفال المسمي ب''عيد اكيتو'' من رحم أسطورة العلاقة بين عشتار وتموز.
ووفقاً للأسطورة، فإن ''عشتار'' إلهة الحب عند الأشوريين تزوجت من تموز إله الخصب، ونزلت عشتار إلى العالم السفلي وحجزت هناك، ولم يكترث بها تموز. وهنا طالبت عشتار من مجلس الآله معاقبة زوجها تموز، فقرر المجلس منحه الخلود النصفي. أي أن يبعث إلى الحياة 6 أشهر وينزل إله عالم الأموات 6 أشهر. وهكذا يُبعث تموز في الأول من أبريل ثم يعود إلى العالم السفلي في نهاية شهر سبتمبر.
ويمارس سكان قرى الكدواشورية حتى الآن زراعة حفنة من الحنطة والشعير في إناء قبل أبريل ووضعها في النافذة أوأمام الباب على أن تنبت قبل بداية العام الجديد. وتستمر الاحتفالات برأس السنة الأشورية نحو 12 يوماً عبر مواكب احتفالية.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.