عندما تدق الساعة السابعة والنصف من مساء يوم السبت 14 نوفمبر لابد أن تكون قد حانت لحظة الثورة وساعة الثوار هذه الكلمات ليست مقتبسة من بيان لأحد الأحزاب الثورية أو الحركات السرية، وإنما هو وصف جريدة الفرسان الرياضة المصرية للمباراة التي تجري اليوم بين مصر والجزائر11/9 مضيفة أن كرة القدم هي كل شيء ل80 مليون مصري علي اختلاف ميولهم وهي حزب الأغلبية. وفي نفس الاتجاه سارت جريدة الأهلي التي وصفت المباراة بأنها موقعة الجزائر 11/2 وجريدة القمة التي وصفت يوم 14 نوفمبر بأنه فيه نكون أو لا نكون.. مقاتلو مصر جاهزون لدك الجزائر11/9. ولم يتوقف الأمر عند الصحف بل تطور بشكل حاد علي شبكة الإنترنت فقامت مجموعات من الشباب المصري والجزائري بتبادل الاتهامات والوعد الأكيد بهزيمة الطرف الآخر واستخدام سائر فنون العالم الافتراضي مثل الأغاني ومقاطع من الأفلام والصور الموحية، فعلي سبيل المثال استخدمت مجموعة مصرية مقطعا من فيلم يظهر فيه الزعيم الألماني هتلر يتحدث عن هزيمته ورد الشباب الجزائري بمقطع من فيلم القلب الشجاع لميل جيبسون. وهذا التوجه الذي نجده في كثير من التعليقات في الصفحات الرياضية من الجرائد والمجلات في مصر والجزائر أو في المواقع والمدونات علي شبكة الإنترنت يدفعنا إلي التساؤل: لماذا ؟ ماهي الأسباب التي تؤدي بنا إلي تحويل مباراة رياضية يحتمل فيها الفوز والخسارة إلي معركة أو موقعة حربية ؟ وما الذي يجعلنا نربط بين نتائج مباراة رياضية وانتصار الشعب أوالأمة ؟ ولماذا كرة القدم بالذات ؟ والحقيقة أنه توجد مفارقة صارخة بين قيم الرياضة في معناها الصحيح التي تقوم علي تقبل الفوز والخسارة باعتبارهما احتمالين متوقعين في آية منافسة رياضية وبين روح التعصب والتشدد التي تشهدها الملاعب الرياضية في شتي أنحاء العالم. فهذه السلوكيات ليست ظاهرة مصرية أو عربية وحسب وهي ليست ظاهرة مقصورة علي المباريات التي تتم بين فرق تنتمي إلي دول مختلفة. ففي مصر يندر أن يلعب فريق النادي الأهلي في مدينة الإسماعيلية دون حدوث شغب وعنف، وفي أكثر من مناسبة تدخلت الشرطة الجزائرية لوقف أعمال العنف والتخريب بين مؤيدي ومشجعي الأندية الجزائرية. ونفس الشيء نجده لدي جمهور بعض الدول الأوروبية وبالذات بريطانيا. ما هو السبب إذن ؟ قد يكون السبب هو أن التشجيع في الملاعب أصبح مناسبة للتنفيس عن مشاعر الصراع والعنف والعدوانية الموجودة في داخل النفس الإنسانية، وقد يكون وسيلة للتصريف عن شحنة الغضب والسخط الاجتماعي التي تعاني منها بعض الطبقات والفئات والتي لاتستطيع التعبير عنها خارج الملاعب، وقد يكون آلية للتعبير عن الانتماء والتوحد مع شيء تحبه وترتبط به في عالم يزداد فيه شعور الإنسان بالاغتراب والعزلة الاجتماعية، وقد يكون هو هيمنة عقلية إتباع الآخرين إلي الوراء، ففي لحظات الانفعال الجماعي أو الجماهيري عادة ما يتراجع العقل والتفكير وتتقدم المشاعر والانفعالات الحادة والأحاسيس التي تنطلق دون وعي أو سيطرة من الإنسان عليها، وفي هذه اللحظات يتصرف الإنسان بطريقة نمطية مشابهة لسلوك الآخرين المحيطين به دون أن يكون لديه قرار فردي بانتهاج هذا السلوك. وقد يكون التفسير أحدها أو بعضها أو كلها. والسؤال الثاني هو لماذا كرة القدم ؟ لماذا تنفرد هذه اللعبة دون غيرها من اللعبات الرياضية- علي مستوي العالم- بإثارة هذه الحالة من الانفعال والتعصب؟ وأيضا تتعدد الأسباب والتفسيرات.. ربما لأن كرة القدم تعبير عن نشاط جماعي عنيف يستمر لمدة 90 دقيقة علي الأقل ويثير الانبهار والاعجاب.. وربما لأنها رياضة تجمع بين القوة البدنية والمهارة الفردية والعمل الجماعي.. فحجم الملعب وسرعة الجري فيه يجعل لاعب كرة القدم مثالا ونموذجا للقوة والرجولة.. ثم إن إحراز الهدف لا يمكن أن يتحقق بجهد فردي للاعب واحد وإنما عادة يأتي نتيجة تضافر عمل جماعي من ناحية ومهارة فردية من ناحية أخري... وقد تعرضت شخصيا للكثير من المواقف الحرجة في الفترة التي شغلت فيها منصب وزير الشباب، وأذكر أنني مرة سلمت كأس بطولة دوري أندية أبطال إفريقيا إلي نادي أنيمبا النيجيري في مدينة الإسماعيلية امام استاد خال تماما من الجمهور، وفي حراسة الشرطة بعد أن انتاب أغلب الحاضرين ثورة عارمة من الغضب ضد سلوك الحكم المتواطئ مع الفريق النيجيري، وأفصح هذا الغضب عن نفسه في كافة مظاهر العنف والتحطيم، ويومها ظللت أكثر من ساعتين حتي تمكنت الشرطة من إخراج سيارتي وتركت ورائي السيد علاء مبارك الذي اصر علي أن أغادر المكان أولا. وأذكر أيضا كيف حاصر المشجعون في أكثر من دولة عربية مغاربية الفريق المصري في الملعب، وهم ينهالون عليه بالقاء الحجارة والزجاجات الفارغة وكل ما يقع يدهم عليه، وأذكر أنه في بعض المواقف تطلب الأمر تدخلا رئاسيا لضبط الموقف. والذاكرة حافلة بالقصص والخبرات غير السارة المرتبطة بأحداث الملاعب وسلوكيات التعصب والعدوان فيها، ولكن الحق أولي أن يتبع ولا يصح إلا الصحيح.. والصحيح أن اية مباراة وأيا كانت مناسبتها تبقي مباراة رياضية وحسب ومن حق كل طرف فيها أن يسعي للفوز وإذا ما تحقق الانتصار فهو ليس فوزا لأمة أو وطن بل لفريق رياضي وإذا حدثت خسارة فليس فيها انتقاص من شأن الأمة أو الوطن. والخطأ الذي يرتكبه بعضنا هو ايجاد جو مبالغ فيه من الحماس والانفعال وتوقع الانتصار مما يضع ضغوطا عصبية ونفسية هائلة علي لاعبينا كما يجعل الشعور بالمرارة حادا إذا لم تتحقق التوقعات. وقلوبنا جميعا مع منتخبنا القومي اليوم. * نقلاً عن جريدة "الأهرام" المصرية