عالمَ القصصي الأديب "فراس عبد العزيز عالِم" كما يتجلى في مجموعته الأخيرة "المشبك الخشبي" قد يثير استغرابا في ذهن القارىء..ففيه شعرية ملموسة وقوة سرد ووصف واضح وكثير من "غير العادي". إلا أن الكاتب يبدو فيه كأنه يقيد نفسه فيربطها بالغريب المحدود ويركز على لحظات يصعب أن تنطلق إلى نطاق إنساني واسع مع أنه كثيرا ما يوحي لقارئه أنه يعد بالنطاق الإنساني. وبرغم الغوص في النفس هنا وعمق الفكر هناك فهدفه يبدو أقرب إلى الإدهاش بل إثارة الاستغراب. ويعكس هذا العالم ما يبدو أجواء من أفلام الغرابة والرعب والدم التي تصل إلى حد ما يصفه البعض بالشذوذ وما يستعير له آخرون في تلطف غير مقصود وهو تعبير أفلام "الترسو" الأمريكية. والترسو هنا يختلف عن مفهوم الترسو المصري القديم إذ إنه يأتي بمعنى هبوط يصل إلى درجة ربما أثارت القرف والغثيان بينما تدعي العمق. ويملك الكاتب السعودي (فراس عبد العزيز عالِم) كما يملك بعض الكتّاب الآخرين إطلالة النص الشعري في جزء كبير من مؤلفاتهم في صورة "صاحب الدار" الأصلي..والقيم الروائية السردية أقرب إلى صورة الضيف وإن جاء هذا الضيف في شكل يثير الإعجاب في أوقات محدودة. ومع الروائي (فراس عالِم)تشعر بأسف أحيانا لأن موهبته ترضى بإثارة الإدهاش أو غيره مع أن الكاتب يغوص أحيانا في النفس البشرية بعمق ، إلا أن غوصه ينصب على رؤية محدودة جدا إلى درجة أنه يتلهى به عن التوصل إلى رؤية أكثر إتساعا أو ذات شمول من نوع ما. واشتملت المجموعة على 19 عنوانا في 123 صفحة متوسطة القطع وصدرت عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر. وبعد الإهداء يكتب فراس قصة تحت عنوان "حيث لا يراني أحد" تقرأها كأنك تقرأ شعرا فإنه هنا شعر "خالص" إلى حد بعيد وليس سردا شعريا ، فالكاتب هنا أكثر إنسانية وشمولية منه في كثير من القصص. ولعله الكاتب في هذه "المقدمة" سجل نظرة إلى الحياة والوجود تتسم بالعمق وبالتعبير الموحي لكنه في القصص لم ينفذ إلى الحياة والوجود بل اكتفى بتناول صوّر ومشاهد منهما ضيقة ومحدودة. ومن أبرز ما يتسم به أسلوب الكاتب هو عدم اهتمامه بالشخصيات القصصية فهي عنده ليست شخصيات حية بالفعل تنمو وتتحرك إنما شخصيات "غائبة" وباهتة أحيانا. وجل ما يفعله الكاتب أنه "يختزلها" في حدث محدود ليتحول العمل القصصي عنده إلى مشهد بعيد عن أي صفة "بانورامية". ومما يعبر عن ذلك فنجد الكاتب لا يعطيها أسماء عادية بل يرمز إليها بالحرف الأول من كل اسم ، في الحرف الواحد في الغالب باستثناء الحالات النادرة وهى غياب الحرف واجتزاءه أي من نوع "طاقية إخفاء". وفي قصة "الخارق" مراوحة بين الواقعي والغرائبي ، أي انتقال من جهاز التلفزيون إلى عالم غرائبي يخلقه ما يعرضه وتفاعلنا الواعي وغير الواعي مع ما يعرض ، ويتحول "الخارق" من شيء يعرض إلى شيء في الذهن وفي الواقع. ويحول عالم الطفولة هذا الكائن "الخارق" إلى حبيس ينام في تابوت "عندنا" ، وفي رواية " شارب كث" جدلية بين واقع ووهم ثم يتحول الواقع بعدها إلى مزيج من الاثنين. في "البحث عن القلق" نجد أنفسنا في عالم مصغر ومختصر جدا عن عالم نجيب محفوظ في "الشحاذ" البطل في عيادة الطبيب. وكما تحول الثوري السابق إلى حياة الهدوء او إلى "تقاعد ثوري" قسري عند محفوظ نجد الطبيب هنا يقول لمريضه "في الحقيقة انت لا تعاني من مرض عضوي ..انت بحاجة إلى التجديد في حياتك..إلى شيء من الإثارة..شيء من القلق." واستخدم الكاتب في رواية"العابرون" حالات أقرب إلى الحالات شبحية لكن قد يشفع بالأمر أن الكاتب يفعل ذلك للسعي وراء امور "فكرية". ولعل قصة "رنين" أقرب ما في المجموعة إلى النضج والغور في النفس البشرية بتعاطف ومحبة إنها قصة جيدة تقول الكثير. أما قصة "عاشقة" فقد تكون أوضح مثل غيرها في المجموعة التي تضم أفلام الرعب ومصاصي الدماء والشذوذ فهيّ تثير القرف وبشكل شديد الكلفة على القارىء. (رويترز)