ما إن تأتى سيرة نور الشريف حتى يتذكر الناس أنه أدى شخصية مبارك قبل ثلاث سنوات فى المسلسل الإذاعى «سيرة ومسيرة».. نور يؤكد أنه لم يكن يجرؤ أن يقول لا، ويضيف أنه كان على استعداد لتقديمها فى مسلسل تليفزيونى، لكن مبارك هو الذى رفض.. لم يكتف نور بهذا القدر فهو يعلن أن أداءه دور مبارك لا يختلف عن أى شخصية درامية أخرى ليس بالضرورة أن يكون مقتنعا بأفكارها! هل حقا لم يكن نور يستطيع أن يعتذر بلباقة عن الدور.. الفنان الذى يغنى أو يمثل لمبارك بمقدوره أن يقول لا، لكنه ينبغى أن يعلم أيضا أن عليه أن يدفع الفاتورة.
لا أتصور أن الأمر سوف يصل بالضرورة إلى الاعتقال، لكن هناك سلاح التعتيم الإعلامى.. لو اتسعت دائرة الرؤية وامتدت إلى العالم العربى سوف تجد أن الفنان السورى مثلا لا يجرؤ على إعلان موقف معادٍ ضد الأسد إلا إذا كان فى نفس الوقت يترقب دخوله المعتقل.. فى مصر الرفض يساوى أن يصبح تحت مرمى الدولة، ضرائب تفتش فى دفاتره، ورقابة تتابعه، وأجهزة أمن تتصيده.. الدولة تملك أسلحة إلا أن الفنان أيضا ينسى أحيانا أنه يملك حماية جماهيرية، ولن يستطيع الحاكم أن يمسح فى لحظة تاريخه.
فى الماضى كانت الدولة إذا غضبت على فنان تستطيع أن تمنع عنه الماء والهواء، يكفى أن تُصدر أوامر بمنع نشر صوره أو الإشارة إلى اسمه فى أجهزة الإعلام، لكن مع انتشار الفضائيات لم يعد هذا ممكنا. الأنظمة القمعية لها الآن الإعلام الأرضى فقط، لكن الفضاء فى ظل أكثر من 700 فضائية ناطقة بالعربية لا يستطيع أحد إحكام السيطرة عليها.
نور الشريف واجه هو وبوسى فى عام 91 شيئا من هذا من خلال مؤسسة «أخبار اليوم»، عندما عاقبه الكاتب الصحفى إبراهيم سعدة بسبب بطولته وإنتاجه فيلم «ناجى العلى»، اعتبرها سعدة معركة شخصية، وكل إصدارات مؤسسة «أخبار اليوم» وضعت نور فى القائمة السوداء، وامتد العقاب أيضا إلى بوسى التى لم تشارك فى الفيلم لمجرد أنها كانت زوجته، ولم تتأثر نجومية نور الشريف، لأن هناك جرائد أخرى أفردت له على المقابل مساحات موازية.. الزمن تغير وكان نور الشريف يستطيع أن يعتذر عن المسلسل الإذاعى، وينسحب فى هدوء، خصوصا أنه يعلم أن تقديم شخصية مثل حسنى مبارك وزوجته وابنيه فى هذا المسلسل الإذاعى كان الغرض الوحيد منه هو تلميع مبارك والتمهيد لتوريث الحكم لجمال، وبالتأكيد نور لم يكن مغيبا، ويعلم ويرى كل ذلك.
نور ليس هو فقط الذى نافق، أغلب النجوم خصوصا من جيل نور مواقفهم تتشابه ولا أصدق ما يعلنونه الآن بأنهم كانت لديهم مواقف معارضة.. عادل إمام كان الأعلى صوتا فى مبايعة مبارك وابنه، لكنى لا أنسى مثلا فى أحد لقاءات مبارك مع الفنانين طلب محمد صبحى الكلمة، وقال أنا بعتب عليك يا ريس، فأنا كنت أعد الجزء السادس من «سنبل»، الذى يتناول بطالة الشباب، لكنك وضعت حلا لتلك المشكلة، ووضعتنى أنا فى مشكلة لأنى اضطررت إلى إلغاء تصوير هذا الجزء.. ولا يمكن أن نتخيل الفنانين الذين التقوا مبارك قبل خلعه ببضعة أشهر سوى أنهم مثل ما هو متوقع فى هذه الأحوال قد واصلوا ترديد أغنيات النفاق.
أعرف بالطبع أن الفنان لا يدخل فى خصومة مع الحاكم.. من الممكن أن أتفهم ذلك، لكن ليس من المنطقى أن يغنى أو يمثل ويشيد ويقدم حياته فى عمل فنى، ثم يعلن أنه لم ينافق ولم يحصل على الثمن.
العلاقة مع الحاكم والخضوع له نجدها وقد صارت هى «التيمة» الرئيسية التى يرددها أغلب النجوم الآن وبتنويعات متعددة، وتقرؤها عبر تلك الإجابات التى تتكرر، مثل: لماذا الخوف من التيار الإسلامى؟ أو لو طلب الإخوان أن أقدم مسلسلا من إنتاجهم لن أفكر مرتين، بل سأوافق وبلا شروط أو أنهم صوتوا فى الانتخابات لصالح حزب الحرية والعدالة، ولا أتصورهم بعيدين الآن عن مبايعة كل المواقف التى يتبناها المجلس الأعلى للقوات المسلحة.. نور الشريف ليس وحده، أغلبهم كانوا مثله على استعداد لتقديم «سيرة ومسيرة»!