تلك البرودة فى عربة المترو التى تحركت من المعادى فى السادسة والنصف صباحا، جلست فوق احد المقاعد، ثبتت ذراعيى فوق قدماى ووضعت رأسى بينهما محاولا النوم والهروب بعقلى من التذكر، كنت اشعر ببرودة قارسة خلافا لما هى عليه حالة الجو التى سجلها هاتفى المحمول، الهواء الخارج من المروحة العلوية بعربة المترو كان أشبه برياح عاصفة تخترق ملابسى ثم جسدى انتهاء بعظامي. أنزلت أكمام القميص، وأغلقت زراره العلوي، ورفعت ياقته كى تغطى رقبتى حتى صرت أشبه بمعتوه.
انه المترو آلأول القادم من حلوان، لهذا انطلق مسرعا ومحدثا صريرا مدويا فوق القضبان، لكنى كنت اشعر به بطيئا ومتباطئا فوق صدري..9 عربات كانت تمر فوق ضلوعى تجر فى مؤخرتها شريطا من الذكريات لم استطع الهروب منه بمحاولة النوم الفاشلة تلك. قبل ركوبى كنت سائرا فى شارع 9، الذى خلا من المارة فى تلك الساعة المبكرة، لم التق احد سوى ذكريات يقظة، وبائع فول وسايس جراج قد أستيقظوا لتوهم تقريبا.
أصوات الحمام ورائحة الجو نفسها، الطريق النظيف والحدائق المعتنى بها جيدا، أشجارا شائخة تتحدى الزمن، وكافيهات حديثة مغلقة بالتبادل مع مداخل العمارات والفيلات التى يتدلى فوق أسوارها ورود ملونة (ابيض وبنفسجي). هنا كانت البداية والنهاية لتلك القصة، هنا زارتنى لأول مرة فى بيتي، هنا قراءت لها ما كتبته، هنا كنا نتسوق لشراء مستلزمات البيت من الطعام والبقالة والخضروات ووسائل النظافة..هنا وفى احد البيوت كنت اعد باجتهاد لها وجبة للغداء او العشاء، وكنا نجتهد سويا فى تنظيف بيتى المليء بالأتربة عادة.
هنا سرت ببدلة انيقة وغالية الثمن، سامعا صدى اقدامى بين الحدائق ليلا وانا مسرعا الى السيارة خشية ان أتأخر عن موعد الخطبة... هنا بكيت وتألمت وتمدت فوق فراشى انتظر الموت فى استسلام وانا اشعر به يخترق جسدى ببطء، هنا أمسكت بشريط من الأسبرين محاولا ابتلاعه متحديا رغبتى فى التقيوء..هنا سرت سكيرا وتبولت فى ملابسى وانا ابكى والعنها فى الهاتف لأنها تركتني..هنا سرت مترنحا أقاوم السقوط بينما اريد الوصول الى اقرب مستشفى أقاوم الما يمزق عضلات صدري..هنا اخفيت كل هذا ولم اصرح به لأحد ولا لها الا بعد سنوات من انتهاء تلك العلاقة..اللعنة على ذاكرة لها وللشوارع وللأشياء وللرائحة وللأصوات والألوان وصوت خطواتي..اللعنة على تلك البرودة."