الرئيس السيسي يستقبل مصطفى مدبولي لإجراء تعديل على تشكيل الحكومة    تفاصيل الجولة المفاجئة لوزير التعليم بمدارس البحيرة    وظيفة ملحق دبلوماسي بالخارجية.. الموعد والأوراق المطلوبة    باستثمارات 800 مليون جنيه.. وضع حجر الأساس ل"كمباوند لايف سيتي" بمدينة قنا الجديدة    «العشري»: معرض أهلاً رمضان منصة سنوية لتوفير السلع بأسعار مخفضة    البورصة تواصل ارتفاعها بمنتصف التعاملات والتداولات تلامس 4 مليارات جنيه خلال ساعتين    «إي اف چي هيرميس» تنجح في إتمام الطرح العام الأولي لشركة «جورميه إيجيبت»    وزير خارجية السنغال: نتفق مع مصر في جميع القضايا    وزير الخارجية: اتصالات يومية مع واشنطن وإيران لمنع التصعيد وانزلاق المنطقة إلى الحرب    كييف تعلن إسقاط 110 طائرات مسيرة روسية خلال الليل    ترتيب هدافي الدوري المصري قبل مؤجلات الأهلي والزمالك    هل يتم إلغاء الدوري بسبب ضغط المباريات.. اتحاد الكرة يوضح    ضبط 4 متهمين بتبييض 85 مليون جنيه من تجارة المخدرات    النيابة تنتدب المعمل الجنائى لمعاينة موقع حريق شقة سكنية فى بنها    تحول جذري في حالة الطقس خلال الأيام القادمة| عودة قوية لفصل الشتاء    السودان يستأنف رحلات قطار عطبرة – الخرطوم    ضبط 118 ألف مخالفة وسقوط 64 سائقاً فى فخ المخدرات    مكتبة مصر العامة بأسوان تحصد المركز الأول فى ماراثون "أقرأ"    في ذكرى ميلادها.. نعيمة وصفي فنانة صنعت مجدًا بين المسرح والسينما    «الصحة» تعلن تنفيذ البرنامج التدريبي المتقدم في أمراض الكُلى    العامل الرئيسي لسرطان المعدة وطريقة تشخيصه    تراجع سعر الريال السعودي في بداية تعاملات اليوم 10 فبراير    موعد مباراة اتحاد جدة والغرافة القطري في دوري أبطال آسيا والقناة الناقلة    كابيلو: صلاح لا يزال يصنع الفارق.. وهذا هو الفريق الأقرب لقلبي    رفع 2040 طن من القمامة وتحرير 100محضر تمونى متنوع بكفر الشيخ    لنشر الوعي وتوفير فرصة عمل.. محافظ أسيوط يسلم مشروع مكتبة متنقلة لأحد شباب الخريجين    استعدادا لرمضان، تخصيص 36 مسجدا للاعتكاف و309 مساجد لصلاة التهجد بأسيوط    بقاء "السيادية" واستقرار "الخدمية".. مصادر ل"أهل مصر" تكشف قائمة الوزراء المستمرين في التشكيل الجديد    "عاتبه على رفع صوت الأغاني"، إحالة عاطل للجنايات بتهمة إشعال النار في جاره بعين شمس    مصرع 2 وإصابة 3 آخرين فى انقلاب سوزوكى بالشرقية    عاجل| خروج الدفعة السابعة من العائدين الفلسطينيين من مصر إلى قطاع غزة    المكتب الإعلامي الحكومي بغزة: الاحتلال خرق اتفاق وقف إطلاق النار 1620 مرة    مؤسسة فاروق حسني للفنون تمنح جائزة الاستحقاق الكبرى للفنان يحيى الفخراني    الإفتاء توضح حكم الإفطار أول أيام رمضان بسبب السفر    تعزيز التعاون الاقتصادي والتضامن العربي يتصدران نتائج زيارة السيسي للإمارات (فيديو وصور)    بعد مفاوضات جماعية ناجحة.. وزير العمل ينهي إضراب عمال شركة جيد تكستايل إيجيبت بالعاشر من رمضان    جامعة قناة السويس تطلق قافلة للإصحاح البيئي بقرية أبو سلطان بفايد    الصحة تعلن تنفيذ البرنامج التدريبى المتقدم فى أمراض الكُلى    اسكواش - أمينة عرفي وكريم عبد الجواد يتأهلان لنصف نهائي ويندي سيتي    بعثة المصري تصل مطار القاهرة الدولي    بتوقيت المنيا.... اعرف مواعيد صلاتك بدقه اليوم الثلاثاء 10فبراير 2026    الإفتاء: يجوز شرعًا تقاضي عمولة على نقل الأموال باتفاق الطرفين    خلافات مالية تشعل اجتماع الوفد، مشادة حادة بين قياديين وقرارات حاسمة لإعادة الانضباط    النيابة العامة تأمر باحتجاز متهم بالتحرش داخل أتوبيس نقل عام بالمقطم    مباحثات مصرية - فرنسية لتعزيز العلاقات الاقتصادية المشتركة بين البلدين    تعرف على مباريات الجولة الثانية بالدور قبل النهائي لدوري السوبر الممتاز للطائرة    وزارة الصحة تستعرض "المرصد الوطني للإدمان" أمام وفد دولي رفيع    أحمد جمال : ذهبت لطلب يد فرح الموجي.. ووالدها قال لي «بنتي لسه صغيرة على الجواز»    ممدوح عيد يشكر وزير الشباب والرياضة واتحاد الكرة بعد حادث لاعبي بيراميدز    «رأس الأفعى» يشعل سباق رمضان 2026.. دراما واقعية تكشف أخطر الصراعات في الظل    شيري عادل: شخصيتي مختلفة تمامًا في «فن الحرب»    إيثان هوك يحوّل لحظة تكريمه إلى احتفال عائلي نادر على السجادة الحمراء    أدعية الفجر المأثورة.. كنوز من القرآن والسنة لبداية يوم مبارك    مصرع 5 أشخاص في تحطم مروحية جنوب ليبيا    ترامب: سنبدأ مفاوضات فورية مع كندا حول القضايا الثنائية    حين تلتقي القلوب بالخير.. رمضان موسم الصفاء والمودة    دخول الفتيات مجانًا.. ضبط المتهم بالاستعداد لحفل تحت مسمى «جزيرة إبستن»    برلماني يحذر: الألعاب الإلكترونية والمراهنات الرقمية تهدد سلوك النشء    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



محمد سعيد محفوظ يكتب :حرب اليوتيوب!
نشر في الدستور الأصلي يوم 28 - 05 - 2010

كل عام ويوتيوب بخير.. الأسبوع الماضي احتفل بعيد ميلاده الخامس، فخوراً بالمعارك التي خاضها، والوزارات التي أسقطها، والأنظمة التي كشف عوراتها.. غيّر هذا الموقع الإلكتروني من وجه العالم، جعل من مشاهدة مقاطع الفيديو العفوية والمدروسة طقساً يومياً لدي ملياري مستخدم للإنترنت، تزداد معرفتهم بأسرار مجتمعاتهم يوماً بعد يوم، وتتضاعف بفضل ذلك قدرتهم علي المقاومة والتغيير..
في عيد ميلاده نقول له من أعماق قلوبنا: شكراً! فلولاه لما شاهدنا عصا الشرطة في مؤخرة عماد الكبير سائق سرفيس بولاق الدكرور، وإلا لادعت وزارة الداخلية أنه يفتري عليها وخرجت من القضية كالشعرة من العجين! ولولاه لما شاهدنا صدام حسين يتقدم بثبات لحبل المشنقة ثم يتلو نصف الشهادة ويموت، وإلا لزعم خصومه أنه توسل إليهم وقبل أقدامهم وطلب منهم الصفح والمغفرة.. ولولا اليوتيوب لما شاهدنا كمائن المقاومة العراقية تقتلع الدبابات الأمريكية، بحيث لا يجرؤ جورج بوش وأعوانه بعدها علي الإنكار... اختصر يوتيوب المسافات، عبر الحدود وتجاوز الخطوط الحمراء، جعلنا نتسلل إلي غزة عبر أنفاق التهريب، ونتفاعل بهمجية مع تعصب بعض الجزائريين في مباريات كرة القدم، ونشمئز من التنكيل بجثة قاتل مصري في قرية لبنانية.. تحدي يوتيوب النظام الإيراني وفضح قمعه لمعارضيه في الانتخابات الرئاسية، وألقي في نفوس الأمريكيين الرعب من رسائل بن لادن، وحطم قيود الرقابة علي أتباع الديانات المغمورة والميول السلوكية المنبوذة.. رأينا وجوه المعارضين في بلداننا لأول مرة، واستمعنا إلي أصواتهم وأفكارهم بدون مونتاج أو مؤثرات.. لقد وجدت الأنظمة السياسية المستبدة نفسها في مأزق.. فلم يعد في عصر اليوتيوب شيء اسمه المجهول!
قصة مولد هذا الموقع الجسور لا يميزها شيء، قد تحدث لي ولك كل يوم عشرات المرات.. تصور نفسك مع أصدقائك في حفل عشاء، تقرعون الكؤوس لا سمح الله وتتناولون الطعام وتلتقطون صور الفيديو للذكري.. في نهاية الأمسية تلحّون في حصول كل منكم علي نسخته من هذه اللقطات المطوّلة، وتوفيرها لبقية الأصدقاء الذين لم يتمكنوا من الحضور.. تتبادلون الرأي في الكيفية المثلي لتنفيذ ذلك، لكن تجدون في الأمر صعوبة.. فإذا كان دأبكم في مجال التكنولوجيا محدوداً مثلي فسوف تتغاضون سريعاً عن هذا الأمل، وتعِدون أنفسكم بتكرار المناسبة قريباً في ظل إمكانات أوفر وأسهل.. لكن ذلك لم يكن رد فعل تشاد هيرلي وستيف تشن وجاويد كريم بعد أن تناولوا عشاءهم في سان فرانسيسكو.. لقد عكفوا بإصرار علي ابتكار وسيلة لتبادل ملفات الفيديو فيما بينهم، فكان «يوتيوب» في ليلة من ليالي شهر مايو عام 2005 تطورت الفكرة إلي موقع مفتوح، جذب إليه الملايين في أشهر قليلة، مما أغري جوجل بشرائه من الشبان الثلاثة بعد نحو عام بمبلغ مليار ونصف المليار دولار!
في عام 2009 كان يوتيوب قد حظي بالصدارة في عالم الإنترنت، لذا عوّل عليه باراك أوباما في حملته الرئاسية، فدعا مؤيديه إلي بث خطبه ومؤتمراته الانتخابية ورسائل التأييد له علي الموقع الشعبي، كي يشاهدها ملايين الناخبين في شتي أنحاء الولايات المتحدة.. لقد تحول يوتيوب إلي ساحة معركة لم يدفع فيها السود والفقراء والمستضعفون قرشاً واحداً من أجل التغيير.. وفي النهاية نالوه، ودخل الناشط الحقوقي الأسود إلي البيت الأبيض من بوابة اليوتيوب، مما شجع الأغلبية الصامتة في كثير من دول العالم ومنها مصر علي السير في نفس الطريق..
كان المناخ العام في مصر حتي قبل مولد يوتيوب بسنوات قد هيأ لظهور نشطاء الإنترنت، هؤلاء الذين أفرزهم الفقر مع تدهور الأوضاع المعيشية، والكبت السياسي مع احتكار الدولة للإعلام التقليدي، وعدم الرضا عن مواقف النظام الخارجية مع احتدام الصراع بين العرب والقوي الكبري في العالم.. كان عصر الأحزاب قد انتهي، وبعض قياداتها شارفت هي الأخري علي الثمانين، ولم يعد الإعلام ينقل عنها سوي أخبار الصراعات الداخلية والاجتماعات الروتينية فيما بينها للتنسيق من أجل تغيير لم يتوصل أحد لتعريفه.. تقاعد جمهور هذه الأحزاب بعد أن تحطمت أحلامه علي صخرة الكهولة السياسية في مصر، لتخلو الساحة أمام جيل جديد ساعدته الثورة المعلوماتية وما يسمي بالجيل الثاني من الإنترنت ذي الخواص التفاعلية علي أن يبدع أدوات جديدة للتغيير.. بدأت بالمدونات، مروراً باليوتيوب، وانتهاء بالفيس بوك وتويتر أشهر موقعين للتواصل الاجتماعي الآن علي الإطلاق..
كان التحدي الأكبر أمام هؤلا النشطاء هو مقارعة آلة الإعلام العتيقة التي تسيّرها الدولة وتغسل بها الأدمغة، خاصة مع استفحال الأمية والفقر.. الإعلام التقليدي يتحدث عن بلد مستقر وشعب راضٍ وحكومة نموذجية، بينما لا يجد أكثر من عشرين مليون مواطن قوت يومه وفقاً لأكثر الإحصاءات تفاؤلاً.. وجد معظم هؤلاء النشطاء ضالتهم في موقع يوتيوب، فكلفوا أنفسهم عبء توثيق الفقر والانتهاكات في كل مكان وبثها فوراً علي الموقع، لإحراج الحكومة وإرغامها علي الاستجابة لمطالب الإصلاح والتغيير، لكن هذا الجهد ظل متواضعاً..
في هذا الخضم عاد البرادعي إلي مصر، مسبوقاً بتصريحاته العفوية عن ترشحه للرئاسة إذا جري تعديل الدستور، حشد نشطاء الإنترنت الرأي العام الإلكتروني للالتفاف حوله، وبين عشية وضحاها صار الموظف الدولي زعيماً ورمزاً.. وانتقلت عدوي تأييده كالنار في الهشيم علي اليوتيوب وغيره من المواقع التفاعلية كالفيس بوك وتويتر..
وجد أقطاب النظام والمعارضة أنفسهم في حرج.. وكان عليهم لمواكبة هذه المسيرة الإلكترونية المندفعة أن يبحثوا لأنفسهم عن موطئ قدم في الفضاء الرقمي.. وفي أوقات متقاربة دخل الجميع الفيس بوك، أسهل طريق للتواصل مع المصريين البالغ عددهم علي هذا الموقع الضخم ثلاثة ملايين، علي رأسهم نشطاء الإنترنت، الذين نظموا من خلاله إضراب السادس من أبريل، وحملات مقاطعة السلع الأمريكية والدنماركية... علي أمل تطويعهم واستقطابهم.. لكن لا الحزب الوطني ولا أحزاب المعارضة استطاعت أن تحشد عليه سوي مناصريها التقليديين، الذين يتقاضون منها أجوراً علي الأرجح لتعمير صفحاتها الشاغرة علي الفيس بوك..
لحظة كتابة هذا المقال، يكاد الحزب الوطني أن يكون أكثر الأحزاب شعبية علي هذا الموقع، حيث تضم صفحته الرئيسية 1119 شخصاً، إلي جانب ثمانمائة وستة آخرين علي صفحات متفرقة منه تؤيد الحزب في المحافظات المختلفة، أي أن الإجمالي يقترب من الألفين.. الحزب العربي الناصري يتألف جمهوره علي الفيس بوك من 1381 فرداً علي الفيس بوك.. حزب الوفد ترك مهمة تأسيس حضوره علي الفيس بوك لصبي صغير السن كما يبدو من صورته أنشأ صفحة خصصها لما وصفه بأقوي حزب معارض في مصر، بينما لا نجد علي قائمتها سوي سبعة وستين عضواً فقط.. اعتقد حزب الوفد أنه قد يجذب مزيداً من الأعضاء إذا أنشأ صفحة باللغة الإنجليزية، لكن خاب ظنه، حيث لم ينضم إليها أحد علي الإطلاق! فأنشأ صفحة أخري مماثلة بالإنجليزية، ليظل عدد المعجبين صفراً! وأخيراً أنشأ صفحة ثالثة بالإنجليزية باسم حزب الوفد الجديد، فانضم إليها شخص واحد فقط! بينما تضم صفحة حزب التجمع علي الفيس بوك أربعمائة وسبعين عضواً..
حزب الغد، المرشح الأقوي لاستغلال وتوظيف الفيس بوك بحكم اسمه علي الأقل لديه صفحتان فقط علي الموقع، إحداهما باسم شباب حزب الغد تضم ثلاثة وأربعين عضواً، أما الصفحة الثانية فهي لحزب الغد في البحيرة، وعلي قائمتها مائة وتسعة وسبعون عضواً فقط.. الطريف أن الصفحة الرئيسية للحزب ترشح وصلات لثلاث صفحات أخري تعكس ميولاً ملتبسة لدي القائمين علي هذه الصفحة: منبر الجزيرة (قد يُفهم ذلك في ضوء تغطيات قناة الجزيرة المتواصلة لأخبار زعيم الحزب أيمن نور)، صفحة معجبي الإعلامي وائل الإبراشي (لا أدري لماذا زميلي وائل بالتحديد)، وصفحة ثالثة بعنوان (اجعل صفحة النبي رقم واحد علي الفيس بوك.. انشرها بقدر حبك للنبي).. وكنت أتوقع أن أجد هذا الرابط علي صفحة للإخوان المسلمين مثلاً، لا علي صفحة حزب الغد الليبرالي، ذي التوجهات العلمانية، والذي يقول إنه يمثل كل الأطياف!
وفيما تغيب الأحزاب الخمسة عشر الباقية تقريباً عن ساحة الفيس بوك، يقترب عدد مؤيدي الجمعية الوطنية للتغيير برئاسة الدكتور محمد البرادعي من خلال صفحاتها الثلاث من العشرين ألفاً.. ومن اللافت أنها حظيت بهذا الرقم الذي يفوق إجمالي مؤيدي الأحزاب العريقة الأخري علي الفيس بوك في ثلاثة أشهر فقط..
في المقابل لم تنتبه بعد رموزنا السياسية لتأثير اليوتيوب، رغم أنه أقوي هذه المواقع التفاعلية وأوسعها انتشاراً.. يردد «زعماؤنا» عبارات إنشائية عن مجتمع المعلوماتية والفضاء المفتوح وتزويد المدارس بالحواسب الآلية، لكن أتحداك أن تجد لوزيرين في الحكومة بريداً إلكترونياً أو حساباً علي أي من المواقع التفاعلية.. ولو وُجد ذلك لكان باقتراح وإشراف السكرتير أو المستشار الإعلامي من باب الفشخرة أو مسايرة الموضة.. في سفارتنا بإحدي الدول العربية قابلتُ مسئولة في المكتب الإعلامي لا تعرف الفرق بين الإيميل والموقع الإلكتروني! وعندما شرحت لها الفرق، سألتني بغباء منقطع النظير هل عليها أن تكتبه بأحرف «كابيتال» ولا «صمول»!! فما بالك بتوظيف اليوتيوب سياسياً وشعبياً؟ يكفي الحكومة إعلامها التقليدي الذي يدار علي مزاجها بينما يموله الشعب من الضرائب والجبايات.. فليهنأوا بإعلامهم التقليدي هذا، ولكن عليك أنت أيها المصري الغلبان باليوتيوب.. انضم إلي نشطاء الإنترنت وأد واجبك في كشف الحقيقة.. كيف؟
في مصر عشرات الجحور المنسية.. أطفال تسبح في مياه المصارف، ونساء تبعن أعراضهن مقابل رغيف خبز، وعجائز يموتون علي الأرصفة مع الكلاب الضالة.. قبور تؤوي الأحياء والأموات، وأنفاق تأتي لنا بالسلاح والمخدرات، وأوكار تمارس فيها الرذيلة وتستوطن فيها الأمراض.. مصر ليست حي المهندسين أو الزمالك أو محطة الرمل، ولا هي شبرا أو الأنفوشي أو مدن الصعيد.. إنها القري التي لا يصل إليها القطار ولا المياه النظيفة.. قري ليس فيها شبر من الأسفلت ولا سقف من الحجر.. نُجوع يولد ويموت فيها البشر دون أن يسمع لهم صوت أو تتحقق لهم أمنية.. مصر فيها بلاوي يتغافل عنها الإعلام التقليدي، ولن ينصفها سوي اليوتيوب بعيونه المفتوحة ليل نهار.. ولا يحتاج كشف هذا المستور سوي لتسجيل لقطة بكاميرا هاتفك المحمول ورفعها ببساطة علي هذا الموقع الحر.. اذهب إلي أقرب منطقة مهمشة إليك، ابحث عن أفقر وأغلب سكانها، ستجده في انتظارك منذ سنوات.. وثّق مأساته بأصغر وأتفه كاميرا لديك.. ليس مطلوباً منك أن تكون مصوراً محترفاً.. المطلوب هو أن تنقل معاناة هذا البائس أو ذاك ممن نسيهم أو تناساهم إعلامنا التقليدي الرسمي والخاص.. إذا فعلتَ أنت ذلك، وكل من صادف انتهاكاً أو فساداً أو قصوراً، فسوف نري بلدنا علي حقيقته.. لن يجرؤ إعلام مأجور علي خداعنا بتجميل الواقع أو حجبه وإبراز بعض جوانبه دون أخري..
عندما أنشأت حسابي علي يوتيوب خصص الكاتب الإماراتي المخضرم «علي عبيدا»ً مقاله الأسبوعي بصحيفة البيان لتهنئتي، والتعليق علي ظاهرة الإعلام البديل، وكيف صار لكل مواطن الحق في امتلاك قناته التليفزيونية وبث ما يراه مناسباً دون رقيب أو حسيب.. وفي بريطانيا يسمون مثل هذا الشخص بالمنتج المستهلك، أي الذي ينتج ما يستهلكه من مادة إعلامية، ومن ثم يتحكم في مواصفاتها ويستمتع بها.. وها أنذا أستكمل كتابة هذا المقال في القطار عائداً من مدينة بريستول البريطانية إلي لندن بعد أن شاركت في سيمبوزيوم دارت إحدي جلساته حول الفيلم الوثائقي الجمعي علي اليوتيوب، وهو الذي يتقاسم إخراجه عدد من الأفراد دون أن يتلاقوا إلا علي الإنترنت، وهذا هو مشروع رسالتي للدكتوراه.. يتباهي البريطانيون علي هذا النحو بتنقيح فكرة اليوتيوب واستثمارها وتأسيس العديد من الابتكارات عليها.. أما نحن فبعد خمس سنوات من إنشاء هذا الموقع العملاق، ما زلنا نُعرّف الناس به، ونحُضُّهم علي زيارته، وتزويده بمقاطع فيديو هادفة...
إن صوتك في الانتخابات أي انتخابات يجب أن ينبني علي حقائق لا يزيفها اليوتيوب، حقائق حول الواقع والمرشحين والناخبين.. فقبل أن تذهب إلي لجان الاقتراع توجه أولاً إلي يوتيوب، شاهد ما اغتنمه أقرانك من لقطات سرية تزيح النقاب عن وجه من بلادك لا تعرفه.. كيف تتنازل عن صوتك الثمين لشخص أو حزب أو نظام دون أن تفتش عن تاريخه؟ دون أن تعثر علي كل بقعة ولو دقيقة في ثوبه السياسي، وتتأمل فيها؟ في بلاد بره يفعلون ذلك.. ألم تسمع بحكاية جورج آلينحاكم فيرجينيا السابق الذي هزمه اليوتيوب بسبب «الماكاكا»؟
قبل أربع سنوات كان هذا السياسي الأمريكي العريق يخاطب عدداً قليلاً من أبناء دائرته في أحد التجمعات الانتخابية، وفي لحظة ما توجه بالحديث إلي أحدهم وكان أمريكياً من أصل هندي يدعي سيدارث، ويحمل في يده كاميرا صغيرة.. قال له جورج آلين بازدراء: أهلاً بالماكاكا في أمريكا!!.. لم يفهم أحد معني الماكاكا إلا سيدارث، فقد كانت ماكاكا هي إساءة بالغة في بعض مناطق شمال أفريقيا كما تبين فيما بعد تعني العبد الأسود، وقد تعلمها ألين فيما يبدو من أمه المنحدرة من أصل يهودي جزائري.. كانت كاميرا سيدارث في وضع التشغيل عندما انزلقت تلك الكلمة من لسان جورج آلين الفالت.. وما إن رفع سيدارث اللقطة علي يوتيوب برغبة منه في الانتقام، حتي شنت وسائل الإعلام حرباً ضروس علي جورج آلين، الذي انكشف وجهه العنصري أمام بقية ناخبيه، بعد أن شاهدوا المقطع المصور وأدركوا أنه ليس الشخص المناسب كي يمثلهم في البرلمان.. وهكذا انتهي مستقبله السياسي تماماً، ليرث مقعده في مجلس الشيوخ غريمه السيناتور جيم ويب... وهذا ما يفعله اليوتيوب في المجتمعات الواعية..
صدقني.. يوتيوب هو الذي ينفع مع هؤلاء!! هو البعبع الذي سيعمل له رجال السياسة عندنا ألف حساب.. هو الجُرسة التي يخشاها الفاسدون، ويتجنبها اللصوص النافذون.. ولكن كيف إلا إذا صار اليوتيوب سلوكاً وثقافة؟ إن يوتيوب هو أضعف الإيمان لتغيير المنكر وما أكثره في بلادنا.. هو التحرك الصامت لمن يكره الفساد ويخشي بطشه.. يوتيوب هو الذي يفتح ذراعيه بشجاعة لحقائقنا.. يبثها للعالم باسمه وعلي مسئوليته، فهل تستطيع حكومتنا أن تعتقل يوتيوب وتدخل العصا في مؤخرته؟!
رأيي لا يعبر بالضرورة عن رأي أي مؤسسة عملت أو أعمل معها.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.