8 يناير 2026.. الدولار يتراجع 10 قروش في بداية التعاملات.. ويسجل 47.25 جنيه    8 يناير 2026.. أسعار الخضروات والفاكهة بسوق العبور للجملة اليوم    جامعة القاهرة: انطلاق معسكر بناة المستقبل    اسعار المكرونه اليوم الخميس 8يناير 2026 فى محال المنيا    محافظ قنا: استكمال أعمال رصف الطريق الصحراوي الغربي لرفع كفاءة الطرق    ترامب: الإشراف الأمريكي على فنزويلا قد يستمر لسنوات    محمد عبدالجليل يكشف مفاتيح فوز مصر على كوت ديفوار    أمطار غزيرة ونشاط رياح قوي.. الأرصاد تحذر من التقلبات الجوية غدا    إخماد حريق نشب داخل شقة سكنية في العمرانية    مصرع سائق في حادث مروع بطريق القاهرة أسيوط الغربي    فيلم كولونيا يبدأ سباق شباك التذاكر من المركز الثامن    منظومة الشكاوى الحكومية تستقبل 179 ألف استغاثة وطلب واستفسار    تفوق مذهل للميرنجي، أرقام مباريات ريال مدريد وأتلتيكو في جميع المسابقات    الهلال يلتقي الحزم للحفاظ على صدارة الدوري السعودي    بدء ثاني جلسات محاكمة المتهمين بالتسبب في وفاة السباح يوسف محمد    معتمد جمال: لم أتردد في قبول مهمة تدريب الزمالك.. واللاعبون مظلومون    اسعار الاسمنت اليوم الخميس 8يناير 2026 فى المنيا    وزير التعليم العالي يستقبل رئيس جامعة ولفرهامبتون لبحث سبل التعاون الأكاديمي المشترك    بدء تشغيل 4 مجازر في 3 محافظات بتكلفة 129 مليون جنيه    لطلاب نظام البكالوريا.. شكل ورقة امتحانات الثانوية العامة    إصابة 3 مواطنين فى مشاجرة لخلافات على قطعة أرض بحوض 18 بالأقصر    "مودة" ينظم المعسكر التدريبي الأول لتأهيل كوادر حضانات مراكز تنمية الأسرة    المستشار حامد شعبان سليم يكتب عن : و يا لها من رفقة!?    دار الإفتاء تحدد آخر وقت لصلاة العشاء: الاختيار والجواز والضرورة    أسباب الشعور ببعض الاضطرابات بعد عمر ال 35    تفاصيل التشغيل التجريبى لمحور صلاح سالم البديل لكوبرى السيدة عائشة.. صور    البابا: الرئيس رسخ تقليدًا وطنيًا بزيارة الكاتدرائية عبر فيه عن مصر الأصيلة وقيادتها الحكيمة    القومي للطفولة والأمومة يتقدم ببلاغ بعد استضافة طفلين في برنامج للمواعدة    تضامن قنا تعلن شروط وفئات مسابقة الأم المثالية لعام 2026    قبرص تتولى رئاسة الاتحاد الأوروبي وسط تحديات الحرب والهجرة والتوسيع    حكام مباريات يوم الجمعة في الجولة 16 لدوري الكرة النسائية    الفلبين تجلى آلافا خشية ثوران بركانى بعد زلزال عنيف    مواقيت الصلاه اليوم الخميس 8يناير 2026 فى المنيا    حالة الطقس في الكويت اليوم الخميس 8 يناير 2026    فوائد الترمس الحلو ودوره في دعم استقرار سكر الدم    تحذير دولي وسحب احترازي: تفاصيل أزمة حليب الأطفال من «نستله» وتوضيح الجهات الرسمية في مصر    لبنان.. انهيار مبنى سكني في طرابلس    وزير الثقافة ينعى المفكر والفيلسوف الكبير الدكتور مراد وهبة    اليمن.. قرارات رئاسية تطال محافظ عدن وعددا من القيادات العسكرية البارزة    رمضان 2026.. رياض الخولي وسامي مغاوري على قنوات «المتحدة»    حرب المخدرات على طاولة الحوار بين كولومبيا وترامب    واشنطن تفرض إشرافًا صارمًا على إيرادات النفط الفنزويلي    ريهام سعيد تثير الجدل بمنشور عن أزمة لقاء الخميسي    ترتيب هدافي الدوري الإنجليزي بعد مباريات الأربعاء    بعد أزمة بغداد، وائل جسار يتألق في مهرجان الفسطاط الشتوي بحضور كامل العدد (فيديو)    الإعلام الأمني.. شريك أساسي في حماية الوطن وبناء الوعي المجتمعي    رئيس المجلس الأوروبي: الاتحاد يدعم جرينلاند والدنمارك ولن يقبل بانتهاك القانون الدولي    شركة النفط الفنزويلية: محادثات مع إدارة ترامب لتخفيف انتقائي للعقوبات    ليندسي جراهام: ترامب يوافق على مشروع قانون العقوبات على روسيا    محمد زهران بعد خسارته: الناس زعلانة فى المطرية لأنى كنت هخدمهم وأجيب حقهم    مدرب بورنموث: لسوء الحظ سيمينيو خاض آخر مباراة معنا    البابا لاون الرابع عشر يفتتح الكونسيستوار الاستثنائي بالفاتيكان    محافظ سوهاج ومدير الأمن يختتمان الجولة بتهنئة الأخوة الأقباط بعيد الميلاد    كيف تصدى القانون لجريمة التحرش في وسائل النقل؟.. القانون يجيب    البيت الأبيض يعلن إعادة ضبط شاملة للسياسة الغذائية الفيدرالية لتعزيز الصحة العامة والوقاية    الصحة: الخدمة في مراكز علاج الإدمان الحكومية المرخصة مجانية.. وبيانات المرضى سرية    هل تصح صلاة المغرب بين أذان وإقامة العشاء؟.. أمين الفتوى يُجيب    ما حكم أرباح الوديعة البنكية والإنفاق منها على البيت؟ أمين الفتوى يجيب    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



إعادة انتاج التاريخ إبداعيا قد يغفل هوية الابتكار والتميز
نشر في صوت البلد يوم 21 - 12 - 2017

في الزمن القديم كان الراوي يسرد حكاياته على جمهور المستمعين وبالقرب منهم نار مشتعلة.. فإذا لم تعجبهم الحكايات ألقوا بالراوي في النار.. حكاية قديمة قد تكون مختلفة ضمن الحكايات والأساطير، والخرافات الشعبية التي توارثتها الأجيال الإنسانية وصارت إرثاً لها تحمل خصائصها في محيط الزمان والمكان الذي أنتج تلك الموروثات.
لكن الحكاية تكشف عن عمقها التاريخي.. فقد عرف الإنسان البدائي الحكاية.. وصار ما يعرف بالأدب الشفاهي، الذي يردده الناس بشكل مشاعي، وقد عرف التاريخ العربي العديد من هذه الحكايات.. التي عبرت عن أحزان وأفراح وهموم ذلك الإنسان عبر حقب تاريخية متعاقبة.. مواوييل من الفرح المغتصب من شقاء لا ينتهي.. إذن فالفنون ركزت على تاريخ إنساني خاص، وكتاب التاريخ قدموا رؤية عامة شملت علاقة الإنسان بالمكان في زمن محدد، ووضح الفرق منذ البداية بين الراوي والمؤرخ، وقد عرفنا الجبرتي، ابن إياس، ومن بعدهما عبد الرحمن الرافعي، كما عرفنا العديد من الروائيين الذين استلهموا التاريخ في أعمالهم الروائية.
كشف د. رفعت السعيد في كتابه "كتابات في التاريخ" عن الفرق بين المؤرخ والأديب.. فالأول ينقل التاريخ بحيادية كاملة وأمانة تقتضي منه ألا يحذف أية أحداث أو يهمش شخصيات ولا يلقي عليها الضوء ويستبعد رؤيته الخاصة أو مزاجه الشخصي حتى يتسنى رواية التاريخ كما حدث، أما الأديب فربما يستلهم شخصية ما أثرت في حقبة تاريخية، لكنه يضيف أو يغير من الأحداث وطبيعة الشخصية نفسها بما يتلاءم وعمله الأدبي، لذلك فالمؤرخ يدرك التاريخ إدراكاً كاملاً بينما يظل المبدع إدراكه للتاريخ ناقصاً.. حيث مسافة الإبداع شرط لانتمائها، يبدعه سواء كان رواية أو قصة أو مسرحية إلى الإبداع ذاته.
"محفوظ" والرواية التاريخية
كتب الروائي الكبير نجيب محفوظ ثلاثيته : عبث الأقدار، كفاح طيبة، رادوبيس، استهلم فيها التاريخ الفرعوني ليجسد البطولة وقوة الإنسان في مواجهة الظلم كإسقاط مباشر على واقع الاحتلال الإنجليزي لمصر قبل ثورة يوليو.. لكن الكاتب الكبير أدرك أن التاريخ القريب.. أو المعطيات الحاضرة حيث اللحظة التاريخية في سياقها الاجتماعي هي الأجدر بالتناول.. وذلك ما فعله في ثلاثيته الخالدة "بين القصرين" و"قصر الشوق" و"السكرية".
لكن: كيف نستدل من خلال أعمال أدبية تستمد مادتها من التاريخ على الحقيقة التاريخية؟
لقد قدم العديد من الكتاب معالجات أدبية لشخوص تاريخية .. في مسرحية ألفريد فرج "الزير سالم".. كيف يمكن أن تعرف حقيقة الزير سالم؟ تساؤلات عديدة.. عن هذه الشخصية التي تشابهت إلى حد كبير مع شخصية أوزوريس في التاريخ المصري القديم.. حكايته تتشابه مع حكاية أوزوريس وما فعله به أخوه "ست".. حتى حادثة القتل والنواح، وتقطيع الجثة.. وتطواف إيزيس لجمع أشلائه من جديد، إذن فالمبدع يدرك الأشياء علي نحو كما يراها ويحسها في الحقيقة الحياتية والمعرفية لديه.. حيث يقلب في منظور تاريخي وينتقد ما يريد، وربما يحور، ويستبدل كما أشرنا من قبل بهدف إثبات أن ما فعله هو إبداع خالص.. ليظل النص الأدبي مفتوح الدلالات.. منكشفاً على تأويل لا ينتهي، وتظل الحقيقة التاريخية غائبة .. وهنا يقول د.جابر عصفور : القول بأن التراث تجربة تاريخية في حاجة لإيضاح أكثر حتى لا يساء فهم المعنى ، وإذا كانت بعض مكونات الحاضر تنطوي بشكل أو بآخر علي عناصر ذلك الماضي البعيد فإنه من غير المعقول أبدا، وهذا ما أعنيه أن تكون مكونات واقعنا ليست إلا انعكاساً كاملاً لما كان عليه ماضينا بكل طبيعته وبكامل صورته.
إعادة إنتاج القديم
إن د. جابر عصفور يضيىء المشهد المعاصر بجميع جوانبه، فالمبدع لا يبتكر رموزاً جديدة تضاف إلي الرمز الموروث حيث يبدو النص الأدبي المعاصر في استلهامه للتاريخ، وكأنه يعيد إنتاج الرموز القديمة غير منتبه لحيوية الابتكار والخلق لرموز جديدة.. تشكل بدورها أصالتها وتأثيرها في وجدان المتلقي وتحقق أيضا الهدف التوظيفي الذي يرمي إليه الكاتب.
فالكتابة المعاصرة التي تستلهم التاريخ مازالت تكتب بذات الطريقة التي كتب بها جورجي زيدان رواياته التاريخية.. حيث وضع العمل الأدبي في مرتبة أدنى من "التاريخ" وانعدام التوازن لم يفد الاثنين معاً ؛ حيث تلك المنطقة المتأرجحة.. فلا صارت الرواية معنية بإنجاز عناصرها الجمالية.. ولا قدم التاريخ بأمانة تلزم القارئ بوجوب تصديق الأحداث.. لذلك جرت العادة لدي القارئ أن يضع الروايات التاريخية في مرتبة أقل من كتب التاريخ ؛ حيث يتم تحميلها العديد من المبالغات الصوفية، والوعظ والإرشاد المباشر .. وهذا لا يقبله القارئ إذن فالأمر كله في إطار المتخيل والإدراك الناقص للتاريخ.
وقد عبر د. يوسف إدريس عن رأيه في رواية "الزيني بركات" لجمال الغيطاني حين قال: "أنا أفضل رواية "الرفاعي" عن "الزيني بركات" لأن جمال الغيطاني ليس ابن إياس".
بين زيدان والغيطاني
في إطار ذلك أين الحدود الفاصلة بين ما هو تاريخي، وما هو أدبي؟
لقد حاول جورجي زيدان إدراك التاريخ بالأدب، وحاول جمال الغيطاني أيضا إدراك التاريخ بالأدب، لكنها مسافة التطور لآليات الكتابة الروائية وتحديث أساليب الرد هي التي حققت لجمال الغيطاني في روايته التي استلهمها من التاريخ المصري الإسلامي.. قدراً من الفنية العالية، وإحكام البنية الروائية.
في رأي للناقد الراحل فاروق عبد القادر إن تاريخنا المعاصر أهم مشروعاتنا الروائية لذلك فهو يتوقف عند خمسة مشروعات روائية عربية يري أنها الأم خلال العشر سنوات الأخيرة.. من "خماسية" مدن الملح للسعودي عبد الرحمن منيف، رباعية "مدارات الشرق" للسوري نبيل سليمان، ثلاثية المصري جميل عطية إبراهيم عن ثورة يوليو، رباعية الخسوف لليبي إبراهيم الكوني.. وثلاثية التحولات للسوري خيري الذهبي.
ويصف "عبد القادر" هذه الأعمال بأنها تتناول فترة تاريخية قريبة حيث لا يفضل استخدام تعبير "الرواية التاريخية" في وصف هذه الأعمال حيث يعني ذلك أنها تتناول فترة انتهت ويقول إنها تتناول التاريخ الذي شكلت نتائج أحداثه واقعنا، ولا تزال القوي التي صنعته حية ومؤثرة وفاعلة في واقعنا الراهن.. وتنوعت الأعمال الخمسة في رصد فترات تاريخية في سوريا، ومصر، وليبيا، والسعودية.. وقد كانت هذه الأعمال موضوعاً لبحث طرحه الناقد في مؤتمر عقد في المغرب وضم العديد من النقاد والروائيين حيث كانت الورقة الرئيسية للمؤتمر "التجربة الإبداعية الجديدة في الوطن العربي".. فقد لاحظ فاروق عبد القادر أن هذه الأعمال هي المفتاح الحقيقي لكتابة رواية عربية عن واقع معاصر لأن كاتبها عايش أحداث ومجريات الأمور فيها، كما تفهم طبيعة اللحظات الحاضرة، والسياق الاجتماعي فيها.. وحركة الإنسان وعلاقاته داخل حيز مكاني وزماني.. لذلك تبتعد هذه الروايات عن المتخيل والمختلق، وتقترب من الواقعي، والحقيقي، حيث لم يعد النص الأدبي مكشوفاً وعارياً من الصحة في رصده التاريخي، لذلك فالاستيعاب الكامل للمرحلة التاريخية يحقق للروائي إدراكاً تاريخياً غير منقوص، ويضيف أيضا شخصيات جديدة وهذا ما جسده لنا الروائي الكبير نجيب محفوظ حيث قدم أحمد عبد الجواد، زيطة صانع العاهات وغيرها من الشخصيات التي أصبحت رموزاً جديدة لدي القارئ وحملت معها القدرة على تشكيل وجدانه وأثرت حياته لما فيها من تقارب إنساني وتاريخي أيضاً.
في الزمن القديم كان الراوي يسرد حكاياته على جمهور المستمعين وبالقرب منهم نار مشتعلة.. فإذا لم تعجبهم الحكايات ألقوا بالراوي في النار.. حكاية قديمة قد تكون مختلفة ضمن الحكايات والأساطير، والخرافات الشعبية التي توارثتها الأجيال الإنسانية وصارت إرثاً لها تحمل خصائصها في محيط الزمان والمكان الذي أنتج تلك الموروثات.
لكن الحكاية تكشف عن عمقها التاريخي.. فقد عرف الإنسان البدائي الحكاية.. وصار ما يعرف بالأدب الشفاهي، الذي يردده الناس بشكل مشاعي، وقد عرف التاريخ العربي العديد من هذه الحكايات.. التي عبرت عن أحزان وأفراح وهموم ذلك الإنسان عبر حقب تاريخية متعاقبة.. مواوييل من الفرح المغتصب من شقاء لا ينتهي.. إذن فالفنون ركزت على تاريخ إنساني خاص، وكتاب التاريخ قدموا رؤية عامة شملت علاقة الإنسان بالمكان في زمن محدد، ووضح الفرق منذ البداية بين الراوي والمؤرخ، وقد عرفنا الجبرتي، ابن إياس، ومن بعدهما عبد الرحمن الرافعي، كما عرفنا العديد من الروائيين الذين استلهموا التاريخ في أعمالهم الروائية.
كشف د. رفعت السعيد في كتابه "كتابات في التاريخ" عن الفرق بين المؤرخ والأديب.. فالأول ينقل التاريخ بحيادية كاملة وأمانة تقتضي منه ألا يحذف أية أحداث أو يهمش شخصيات ولا يلقي عليها الضوء ويستبعد رؤيته الخاصة أو مزاجه الشخصي حتى يتسنى رواية التاريخ كما حدث، أما الأديب فربما يستلهم شخصية ما أثرت في حقبة تاريخية، لكنه يضيف أو يغير من الأحداث وطبيعة الشخصية نفسها بما يتلاءم وعمله الأدبي، لذلك فالمؤرخ يدرك التاريخ إدراكاً كاملاً بينما يظل المبدع إدراكه للتاريخ ناقصاً.. حيث مسافة الإبداع شرط لانتمائها، يبدعه سواء كان رواية أو قصة أو مسرحية إلى الإبداع ذاته.
"محفوظ" والرواية التاريخية
كتب الروائي الكبير نجيب محفوظ ثلاثيته : عبث الأقدار، كفاح طيبة، رادوبيس، استهلم فيها التاريخ الفرعوني ليجسد البطولة وقوة الإنسان في مواجهة الظلم كإسقاط مباشر على واقع الاحتلال الإنجليزي لمصر قبل ثورة يوليو.. لكن الكاتب الكبير أدرك أن التاريخ القريب.. أو المعطيات الحاضرة حيث اللحظة التاريخية في سياقها الاجتماعي هي الأجدر بالتناول.. وذلك ما فعله في ثلاثيته الخالدة "بين القصرين" و"قصر الشوق" و"السكرية".
لكن: كيف نستدل من خلال أعمال أدبية تستمد مادتها من التاريخ على الحقيقة التاريخية؟
لقد قدم العديد من الكتاب معالجات أدبية لشخوص تاريخية .. في مسرحية ألفريد فرج "الزير سالم".. كيف يمكن أن تعرف حقيقة الزير سالم؟ تساؤلات عديدة.. عن هذه الشخصية التي تشابهت إلى حد كبير مع شخصية أوزوريس في التاريخ المصري القديم.. حكايته تتشابه مع حكاية أوزوريس وما فعله به أخوه "ست".. حتى حادثة القتل والنواح، وتقطيع الجثة.. وتطواف إيزيس لجمع أشلائه من جديد، إذن فالمبدع يدرك الأشياء علي نحو كما يراها ويحسها في الحقيقة الحياتية والمعرفية لديه.. حيث يقلب في منظور تاريخي وينتقد ما يريد، وربما يحور، ويستبدل كما أشرنا من قبل بهدف إثبات أن ما فعله هو إبداع خالص.. ليظل النص الأدبي مفتوح الدلالات.. منكشفاً على تأويل لا ينتهي، وتظل الحقيقة التاريخية غائبة .. وهنا يقول د.جابر عصفور : القول بأن التراث تجربة تاريخية في حاجة لإيضاح أكثر حتى لا يساء فهم المعنى ، وإذا كانت بعض مكونات الحاضر تنطوي بشكل أو بآخر علي عناصر ذلك الماضي البعيد فإنه من غير المعقول أبدا، وهذا ما أعنيه أن تكون مكونات واقعنا ليست إلا انعكاساً كاملاً لما كان عليه ماضينا بكل طبيعته وبكامل صورته.
إعادة إنتاج القديم
إن د. جابر عصفور يضيىء المشهد المعاصر بجميع جوانبه، فالمبدع لا يبتكر رموزاً جديدة تضاف إلي الرمز الموروث حيث يبدو النص الأدبي المعاصر في استلهامه للتاريخ، وكأنه يعيد إنتاج الرموز القديمة غير منتبه لحيوية الابتكار والخلق لرموز جديدة.. تشكل بدورها أصالتها وتأثيرها في وجدان المتلقي وتحقق أيضا الهدف التوظيفي الذي يرمي إليه الكاتب.
فالكتابة المعاصرة التي تستلهم التاريخ مازالت تكتب بذات الطريقة التي كتب بها جورجي زيدان رواياته التاريخية.. حيث وضع العمل الأدبي في مرتبة أدنى من "التاريخ" وانعدام التوازن لم يفد الاثنين معاً ؛ حيث تلك المنطقة المتأرجحة.. فلا صارت الرواية معنية بإنجاز عناصرها الجمالية.. ولا قدم التاريخ بأمانة تلزم القارئ بوجوب تصديق الأحداث.. لذلك جرت العادة لدي القارئ أن يضع الروايات التاريخية في مرتبة أقل من كتب التاريخ ؛ حيث يتم تحميلها العديد من المبالغات الصوفية، والوعظ والإرشاد المباشر .. وهذا لا يقبله القارئ إذن فالأمر كله في إطار المتخيل والإدراك الناقص للتاريخ.
وقد عبر د. يوسف إدريس عن رأيه في رواية "الزيني بركات" لجمال الغيطاني حين قال: "أنا أفضل رواية "الرفاعي" عن "الزيني بركات" لأن جمال الغيطاني ليس ابن إياس".
بين زيدان والغيطاني
في إطار ذلك أين الحدود الفاصلة بين ما هو تاريخي، وما هو أدبي؟
لقد حاول جورجي زيدان إدراك التاريخ بالأدب، وحاول جمال الغيطاني أيضا إدراك التاريخ بالأدب، لكنها مسافة التطور لآليات الكتابة الروائية وتحديث أساليب الرد هي التي حققت لجمال الغيطاني في روايته التي استلهمها من التاريخ المصري الإسلامي.. قدراً من الفنية العالية، وإحكام البنية الروائية.
في رأي للناقد الراحل فاروق عبد القادر إن تاريخنا المعاصر أهم مشروعاتنا الروائية لذلك فهو يتوقف عند خمسة مشروعات روائية عربية يري أنها الأم خلال العشر سنوات الأخيرة.. من "خماسية" مدن الملح للسعودي عبد الرحمن منيف، رباعية "مدارات الشرق" للسوري نبيل سليمان، ثلاثية المصري جميل عطية إبراهيم عن ثورة يوليو، رباعية الخسوف لليبي إبراهيم الكوني.. وثلاثية التحولات للسوري خيري الذهبي.
ويصف "عبد القادر" هذه الأعمال بأنها تتناول فترة تاريخية قريبة حيث لا يفضل استخدام تعبير "الرواية التاريخية" في وصف هذه الأعمال حيث يعني ذلك أنها تتناول فترة انتهت ويقول إنها تتناول التاريخ الذي شكلت نتائج أحداثه واقعنا، ولا تزال القوي التي صنعته حية ومؤثرة وفاعلة في واقعنا الراهن.. وتنوعت الأعمال الخمسة في رصد فترات تاريخية في سوريا، ومصر، وليبيا، والسعودية.. وقد كانت هذه الأعمال موضوعاً لبحث طرحه الناقد في مؤتمر عقد في المغرب وضم العديد من النقاد والروائيين حيث كانت الورقة الرئيسية للمؤتمر "التجربة الإبداعية الجديدة في الوطن العربي".. فقد لاحظ فاروق عبد القادر أن هذه الأعمال هي المفتاح الحقيقي لكتابة رواية عربية عن واقع معاصر لأن كاتبها عايش أحداث ومجريات الأمور فيها، كما تفهم طبيعة اللحظات الحاضرة، والسياق الاجتماعي فيها.. وحركة الإنسان وعلاقاته داخل حيز مكاني وزماني.. لذلك تبتعد هذه الروايات عن المتخيل والمختلق، وتقترب من الواقعي، والحقيقي، حيث لم يعد النص الأدبي مكشوفاً وعارياً من الصحة في رصده التاريخي، لذلك فالاستيعاب الكامل للمرحلة التاريخية يحقق للروائي إدراكاً تاريخياً غير منقوص، ويضيف أيضا شخصيات جديدة وهذا ما جسده لنا الروائي الكبير نجيب محفوظ حيث قدم أحمد عبد الجواد، زيطة صانع العاهات وغيرها من الشخصيات التي أصبحت رموزاً جديدة لدي القارئ وحملت معها القدرة على تشكيل وجدانه وأثرت حياته لما فيها من تقارب إنساني وتاريخي أيضاً.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.