الداخلية تنظيم دورات تدريبية للكوادر الأمنية الأفريقية بمركز بحوث الشرطة (فيديو)    افتتاح مسجد النصر بنجع هيكل بإدفو بعد تجديده ب600 ألف جنيه    667 ألف ناخب يتوجهون غدا لصناديق الاقتراع بالدائرة الثالثة بالفيوم    حصاد 2025، وزارة التخطيط تستعرض تطور تنفيذ البرنامج القطري مع منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية    نائب وزير الإسكان يتفقد مصنعًا للمنتجات المرتبطة بأنظمة تحلية مياه البحر بمحافظة دمياط    منتجو ومصدرو " الحاصلات البستانية" يعلن عن خطة طموحة لدعم صغار المزارعين    عاجل | "الاتصالات" و"التموين" تطلقان 9 خدمات حصريًا عبر منصة "مصر الرقمية"    التحالف العربي: البحرية السعودية أكملت انتشارها ببحر العرب    رئيس المجلس الانتقالي الجنوبي يصدر توجيهات مباشرة بإغلاق حركة الطيران في مطار عدن    زيلينسكي: سلسلة اجتماعات مطلع يناير لمناقشة جهود السلام    أمم أفريقيا 2025.. مكافآت خيالية في بنين لتحقيق الفوز على الفراعنة    حسام عزب حكم فيديو مساعد لمباراة جنوب أفريقيا والكاميرون    سقوط بلطجي أشهر سلاحًا وهدد البائعين بالبحيرة| فيديو    رفع مياه الأمطار واستمرار الاستعداد للتقلبات الجوية بكفر الشيخ    عمرو يوسف يضع اللمسات النهائية لبدء تصوير "شقو 2"    95% نسبة الإنجاز.. الحكومة تكشف موعد افتتاح «حدائق الفسطاط»    وقاية من الفتن: فضل قراءة سورة الكهف يوم الجمعه    تفاصيل الاجتماع الدوري لمجلس مستشفيات جامعة القاهرة لشهر ديسمبر 2025    عميد قصر العيني: لا صحة لما يتردد بشأن إلغاء الدبلومات المهنية داخل الكلية    رئيس هيئة البترول يجرى زيارة غير مخططة لمنطقة أنابيب البترول بالتبين    العثور على فيكتوريا ابنة تومى لى جونز ميتة فى فندق بسان فرانسيسكو    ارتفاع فى اسعار الفراخ اليوم الجمعه 2يناير 2026 فى المنيا    ضبط 100 طن من الملح الخام مجهول المصدر بقويسنا فى المنوفية    حامد حمدان ينتظم في تدريبات بيراميدز غدًا والإعلان بعد وصول الاستغناء    الرعاية الصحية: إجراء 2600 جراحة قلب مفتوح بمحافظات المرحلة الأولى للتأمين الشامل    اتفاقية تعاون بين بنك المعرفة والمجلس العربي للاختصاصات الصحية لدعم التحول الرقمي في التدريب الطبي    بسيوني: استمرار صلاح ومرموش داخل الملعب ضرورة فنية للمنتخب    سمير كمونة يكشف توقعاته للفائز بكأس أمم أفريقيا 2025    ماذا قالت الصحف الإسبانية عن حمزة عبد الكريم؟.. موهبة برشلونة المستقبلية    مراسل القاهرة الإخبارية: الاحتلال يستهدف مناطق جديدة جنوب لبنان    سلسلة غارات إسرائيلية على جنوب لبنان    موعد فتح باب الترشح على رئاسة حزب الوفد    قرار جمهوري مهم ورسائل قوية من السيسي لحاملي الدكتوراه من دعاة الأوقاف    "النجار" يوجه رؤساء الأحياء والمراكز بتوفير أماكن لإقامة شلاتر لتحصين وتعقيم الكلاب الضالة    صندوق مكافحة الإدمان يواصل تنفيذ البرامج التوعوية خلال 2025.. تنفيذ أنشطة في 8000 مدرسة و51 جامعة و1113 مركز شباب للتحذير من تعاطي المخدرات    «الصحة» تبحث مع قطاع المعاهد الأزهرية تعزيز صحة الطلاب    مواقيت الصلاه اليوم الجمعه 2يناير 2026 فى المنيا    القبض على المتهم بالتحرش بطالبة أجنبية في الجمالية    مواعيد مباريات اليوم الجمعة 2- 1- 2026 والقنوات الناقلة    فيلم الملحد يحقق 2 مليون جنيه في يومين عرض    رئيس وزراء بولندا: مستعدون لتقديم العلاج الطبى لضحايا انفجار سويسرا    استعدادات مكثفة في مساجد المنيا لاستقبال المصلين صلاة الجمعة اليوم 2يناير 2026 فى المنيا    أنجلينا جولى.. صور تبرز الجانب الإنسانى لنجمة هوليود فى مخيمات اللاجئين    كاف يخطر الأهلى بمواعيد مباريات الفريق فى دور المجموعات بدورى الأبطال    الرئيس الصيني يستعد لاستقبال نظيره الكوري الجنوبية في زيارة رسمية الأحد    السيطرة على حريق فى أحد مطاعم المحلة بالغربية    الجيش الإسرائيلي ينشر لواء من الحريديم جنوب سوريا    سعر الدولار أمام الجنيه اليوم الجمعة 2 يناير 2026    45 دقيقة متوسط تأخيرات القطارات على خط «طنطا - دمياط».. الجمعة 2 يناير    معتز التوني يشعل السوشيال: حاتم صلاح يرفع أي مشهد ويخطف الأنظار    التعيين في «النواب».. صلاحية دستورية لاستكمال التمثيل النيابي    المجلس القومي للأشخاص ذوي الإعاقة يؤسس مركزًا إعلاميًا جديدًا    علي الحجار يكشف أسرار اللحظات الأخيرة ل«عمار الشريعي»: استنشقنا رائحة طيبة في قبره    المنظمة العالمية لخريجي الأزهر تعلن حصادها داخلياً وخارجياً في 2025    القبض على صاحب المطعم و3 من العاملين به في واقعة تسمم 25 شخصاً بالشرقية    اكتساح في الصالات ومجلس جديد في حصاد الأهلي خلال 2025    وكيل الأزهر يعتمد نتيجة المرحلة الأولية من مسابقة حفظ القرآن الكريم    ما آداب التصوير فى الحرم؟..وزارة الحج السعودية تجيب    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



رسائل القصة في «رسائل الرمال» للمغربي عبد الواحد كفيح
نشر في صوت البلد يوم 12 - 06 - 2016

تصدر هذه المجموعة للقاص عبد الواحد كفيح، بعد مجموعتين قصصيتين «أنفاس مستقطعة» و"رقصة زوربا»، إضافة إلى رواية بعنوان «روائح مقاهي المكسيك».
في كل هذه الأعمال يواصل الكاتب مشروعه السردي الذي يطبعه تجذير القص في الثقافة الشعبية بمكوناتها الحكائية الشفوية وتعبيراتها الدارجة وقيمها المختلفة ونماذجها البشرية البسيطة. هذه المكونات بقدر ما تمنح الحياة للثقافة الشعبية داخل النص المكتوب، بقدر ما يستمد النص ذاته حياته منها.
عمل القصة في مجموعة "رسائل الرمال"
تبطئ السرد: أول ما يثير الانتباه في كثير من قصص المجموعة هو استراتيجة تبطئ السرد، بواسطة إبدالات متنوعة أهمها الوصف. في قصة «من قتل الجثة في ثلاجة الموتى» يعمد السرد إلى التخفيف من حدة تتابع الأحداث بوصف مشاعر السارد وأحواله الداخلية، وهو في الغرفة، أمام ثلاجة الموتى. من جهة ثانية، يلجأ السرد إلى تنويع الضمائر، من ضمير المتكلم إلى ضمير الغائب. وهو تنويع ينتج حكايتين متوازيتين، لكنه يؤدي إلى نوع من التراكم التكراري، إلى حد ما. إن الذي يجري كبح تدفقه في الحقيقة- هو سيولة الحكي بمقوماته الشفوية وخطابه الشعبي، الذي يعمل السرد على «أسلبته». من أهم ملامح هذا الخطاب هو توجه السارد المباشر إلى القارئ «لا أحد منكم سيصدق قصتي ولو أقسمت برأس أمي وكل عظام جدتي». هذه التدخلات المباشرة تعيد إلى الذهن صورة (الحكواتي في الحلقة الشعبية) أكثر من صورتها في الإرث السردي المكتوب. يتجلى الملمح الثاني في رصف الجمل الوصفية التي تصف حالة واحدة. في بداية قصة «من قتل الجثة» تصل هذه الحالة إلى اثنتي عشرة جملة، إنها خاصية الخطاب الشفوي الذي يسعى إلى تكرار المعنى نفسه، وإن بجمل متنوعة، سعيا إلى ترسيخ هذا المعنى وتجنبا لنسيانه وموته. توظيف الخطاب الشفوي بأبعاده الثقافية لا يتم بطريقة إحالية، بل يتم بطريقة عضوية، ينتمي فيها هذا الخطاب بتنوعاته إلى نسيج الخطاب السردي. إلى جانب الوصف، يوظف السرد تقنية الاسترجاع لتبطئ تتابع الأحداث.
في قصة «فوبيا الكلاب» يستعيد السارد قصصا من الطفولة، تؤطرها القصة الأم، هذا الاسترجاع وظيفته الكشف عن حلقات السببية التي أدت ببطل القصة إلى حالة الخوف أو (الخواف) في الحاضر (فوبيا). في المقام الثاني يتيح هذا الاسترجاع للماضي الطفولي المقارنة بين الماضي والحاضر، لتصل القصة في حدثها الختامي إلى مفارقة مشحونة بالسخرية المريرة. يفضل بطل القصة «وجع الكلاب» الذي كان يستعمله مشعوذ شعبي لقلع الأضراس على خطف راتبه الشهري من طبيب أسنان معاصر. إنه الخوف نفسه الذي يتكون ويتلون مع الوقت ويتكيف بكيمياء المقهورين، بتلك الإرادات والخيارات المهزومة.
الأسلوب الثالث نجده في قصة «في أقل من دقيقة». العنوان وحده يوحي بكثافة اللحظة وتمددها الأفقي، في إشارة المرور تحاول سائقة إغواء سائق. كانت المرأة تبحث عن ذاتها في مرآة الرجل، وتذهب إلى حد تخيل (خميل المضاجع). السرد الأفقي يملأ اللحظة بحركية أخرى من الخيالات والاستيهامات والإغراءات والحركات الدقيقة؛ إنها أفعال الرغبة.
2- التناص: تحفل المجموعة بالنصوص والعلامات والرموز التي تتناص مع النصوص القصصية، سواء من التراث السردي العربي أو من التراث العالمي. وتتناص القصص بصفة خاصة مع المحكي الشفوي في الكثير من مقوماته، ناهيك عن التوظيف العضوي لبعض مقوماته الأخرى. في قصة «من قتل الجثة…» نستعيد صدى رواية غسان كنفاني «رجال في الشمس»، خاصة في نهايتها. وفي قصة «أصدقائي الخالدون» يستحضر السارد رموزا وأسماء مؤسسة في تاريخ الأدب العربي والعالمي: دون كيشوت، عنترة، حي بن يقظان، همنغواي… ثيمة القصة الأساسية هي أن السارد سليل هذه الشخصيات. وفي القصة يجري تنسيب الزمان والجغرافيا ليصبح الانتماء إلى عالم آخر مشترك هو عالم الأدب.
المفارقة
من وظائف المفارقة في بعض نصوص المجموعة:
الكشف عن التناقض التاريخي، إذ لا يبدو أن هناك فرقا بين الماضي والحاضر، ويظل الحرمان ملازما للإنسان البسيط بعيدا عن الشعارات والخطب، فبطل قصة «فوبيا الكلاب» تلازمه الفوبيا طيلة حياته. في الماضي يتملكه الخوف من (كلاب) المشعوذ الشعبي الذي يقتلع أضراس المرضى في حلقات الأسواق الأسبوعية. وكأن هذه العملية وتبعاتها هي مجرد فرجة… وفي الحاضر يجد البطل نفسه عاجزا عن دفع كلفة العلاج لطبيب عصري مسلح بالعلم. في كلتا الحالتين فهذا البطل هو ضحية للجهل والفقر معا.
الكف عن تناقضات اجتماعية وثقافية: في قصة «امسحوا العقارب» فئتان من الأطفال؛ الأولى لا تنجح في رسم صورة العقرب، لأنها تعيش في عالم بعيد عن العقارب والحشرات التي تتساكن مع الطبقات المسحوقة مثلها مثل بعض الحيوانات. أما الفئة الثانية فتنجح في رسم صورة العقرب إلى درجة (الحقيقة). وما هذه الحقيقة إلا الموت الذي ذهب ضحيته بعض من الأطفال بفعل لسعات العقارب. إنه اللسع الاجتماعي المردي والمهلك في أعمق صوره. في قصة «ليالي النكد» تحكي الأم لولدها عن الظروف المأساوية التي رافقت وضعها إياه. لكن الأم تكشف في النهاية أن حكيها هو مجرد عتاب، مجرد تخيل، كما أن نعته بالفأر طيلة مسار الحكاية، يعيد إلى الأذهان صورة الطريدة الهاربة دوما من خصم مهدد… لا تكتفي القصة بهذا المسار السطحي للأحداث، بل تنقل السرد إلى سؤال الوجود، ويتمثل في (هروب) الإنسان من القدر وبحثه الدائم عن لغز الحياة والموت.
ت- الرغبة: في بعض القصص تكشف الرغبة شيئا فشيئا عن غرائزها لتتمظهر في النهاية بكامل عريها وظلالها من السخرية، ضدا على مواقف الجد (التراجيدية) أو داخلها. في قصة «أقل من دقيقة» تولد الرغبة في مكان مشحون بالتوتر والانتظار وهو التوقف في أضواء المرور. هنا تطلق إحدى الشخصيتين العنان لرغباتها الدفينة عبر التخيل والاستيهام، فتتبع الرغبة طرقها وقوانينها الخاصة، ضدا على أو بمحاذاة قوانين السير العامة والرسمية. إن الرغبة في هذه القصة هي اللاقانون في مواجهة أو داخل أو مع القانون نفسه.. وفي قصة «حطام سلطانة البحر» نجد أن مواصفات شخصية سلطانة تكاد تكون أسطورية. في النهاية ترتد عليها الرغبة في توحشها وعريها، بعد أن تغتصب من طرف أحد أحفادها المنتشرين والذين تجهل جلهم، من فرط معاشرتها للقراصنة العابرين.
رسائل القصة
القصة ك "لوغوس"
في قصة «شهرزاد» نقرأ نوعا من القلب لمسار الحكاية الأصلية. في هذه القصة تتولى شهرزاد الحكم بين الناس بالعدل، فيما يقضي شهريار يومه في النوم، منتظرا الليل لسماع الحكايا. وفي النهاية ينتحر شهريار بسبب جبروته وبطشه وكل الآلام التي سببها لشعبه. الحكاية في القصة هي سياسة وثورة خفية تقودها شهرزاد باسم المستعبدين والمظلومين. إنها، فضلا عن ذلك، ثورة ضد الذكورية المستفحلة. هكذا فشهريار هو الذي يموت،لأنه لم يحك الحكاية المناسبة، تلك الحكاية الحضارية التي قوامها العدل والمساواة… في قصة «علق القصة وغلق الباب»، يأوي شخص إلى غرفة فندق فيتخيل حكايات أشخاص عبروا من الغرفة نفسها؛ رجل أعمال، راقصة، هارب من العدالة، مريض… إن المكان- الغرفة هو سجل لقصص الناس وتجاربهم المتراوحة بين الحياة والموت. تكشف القصة عن عوالم تتجاوز السطح وتدفع بالمغامرة السردية إلى حدود التأويل الفلسفي. وفي قصة «ليالي النكد» تتجسد الفلسفة الشعبية ببساطتها وخطابها المستند إلى مناورات وطرق حكائية خاصة.إنها لا تخبرنا أبداعن هوية القط الذي يطارد الفأر؟
في مجموعة «رسائل الرمال» أكثر من رسالة تهم الثيمات والطرق السردية وحضور الثقافة الشعبية في مكوناتها الحكائية، داخل النص. لكل ذلك فالسرد في قصص المجموعة منفتح ومتعدد، خاصة أنه لا يقطع الصلة مع المكون الشفوي الذي يعد جزءا لا يتجزأ من الفسيفساء اللغوية والتواصل اليومي.
رسائل الرمال: مجموعة قصصية. عن منشورات ديهيا . نجمة الشرق- بركان. الطبعة الأولى 2015.
.......
٭ قاص وروائي/المغرب
تصدر هذه المجموعة للقاص عبد الواحد كفيح، بعد مجموعتين قصصيتين «أنفاس مستقطعة» و"رقصة زوربا»، إضافة إلى رواية بعنوان «روائح مقاهي المكسيك».
في كل هذه الأعمال يواصل الكاتب مشروعه السردي الذي يطبعه تجذير القص في الثقافة الشعبية بمكوناتها الحكائية الشفوية وتعبيراتها الدارجة وقيمها المختلفة ونماذجها البشرية البسيطة. هذه المكونات بقدر ما تمنح الحياة للثقافة الشعبية داخل النص المكتوب، بقدر ما يستمد النص ذاته حياته منها.
عمل القصة في مجموعة "رسائل الرمال"
تبطئ السرد: أول ما يثير الانتباه في كثير من قصص المجموعة هو استراتيجة تبطئ السرد، بواسطة إبدالات متنوعة أهمها الوصف. في قصة «من قتل الجثة في ثلاجة الموتى» يعمد السرد إلى التخفيف من حدة تتابع الأحداث بوصف مشاعر السارد وأحواله الداخلية، وهو في الغرفة، أمام ثلاجة الموتى. من جهة ثانية، يلجأ السرد إلى تنويع الضمائر، من ضمير المتكلم إلى ضمير الغائب. وهو تنويع ينتج حكايتين متوازيتين، لكنه يؤدي إلى نوع من التراكم التكراري، إلى حد ما. إن الذي يجري كبح تدفقه في الحقيقة- هو سيولة الحكي بمقوماته الشفوية وخطابه الشعبي، الذي يعمل السرد على «أسلبته». من أهم ملامح هذا الخطاب هو توجه السارد المباشر إلى القارئ «لا أحد منكم سيصدق قصتي ولو أقسمت برأس أمي وكل عظام جدتي». هذه التدخلات المباشرة تعيد إلى الذهن صورة (الحكواتي في الحلقة الشعبية) أكثر من صورتها في الإرث السردي المكتوب. يتجلى الملمح الثاني في رصف الجمل الوصفية التي تصف حالة واحدة. في بداية قصة «من قتل الجثة» تصل هذه الحالة إلى اثنتي عشرة جملة، إنها خاصية الخطاب الشفوي الذي يسعى إلى تكرار المعنى نفسه، وإن بجمل متنوعة، سعيا إلى ترسيخ هذا المعنى وتجنبا لنسيانه وموته. توظيف الخطاب الشفوي بأبعاده الثقافية لا يتم بطريقة إحالية، بل يتم بطريقة عضوية، ينتمي فيها هذا الخطاب بتنوعاته إلى نسيج الخطاب السردي. إلى جانب الوصف، يوظف السرد تقنية الاسترجاع لتبطئ تتابع الأحداث.
في قصة «فوبيا الكلاب» يستعيد السارد قصصا من الطفولة، تؤطرها القصة الأم، هذا الاسترجاع وظيفته الكشف عن حلقات السببية التي أدت ببطل القصة إلى حالة الخوف أو (الخواف) في الحاضر (فوبيا). في المقام الثاني يتيح هذا الاسترجاع للماضي الطفولي المقارنة بين الماضي والحاضر، لتصل القصة في حدثها الختامي إلى مفارقة مشحونة بالسخرية المريرة. يفضل بطل القصة «وجع الكلاب» الذي كان يستعمله مشعوذ شعبي لقلع الأضراس على خطف راتبه الشهري من طبيب أسنان معاصر. إنه الخوف نفسه الذي يتكون ويتلون مع الوقت ويتكيف بكيمياء المقهورين، بتلك الإرادات والخيارات المهزومة.
الأسلوب الثالث نجده في قصة «في أقل من دقيقة». العنوان وحده يوحي بكثافة اللحظة وتمددها الأفقي، في إشارة المرور تحاول سائقة إغواء سائق. كانت المرأة تبحث عن ذاتها في مرآة الرجل، وتذهب إلى حد تخيل (خميل المضاجع). السرد الأفقي يملأ اللحظة بحركية أخرى من الخيالات والاستيهامات والإغراءات والحركات الدقيقة؛ إنها أفعال الرغبة.
2- التناص: تحفل المجموعة بالنصوص والعلامات والرموز التي تتناص مع النصوص القصصية، سواء من التراث السردي العربي أو من التراث العالمي. وتتناص القصص بصفة خاصة مع المحكي الشفوي في الكثير من مقوماته، ناهيك عن التوظيف العضوي لبعض مقوماته الأخرى. في قصة «من قتل الجثة…» نستعيد صدى رواية غسان كنفاني «رجال في الشمس»، خاصة في نهايتها. وفي قصة «أصدقائي الخالدون» يستحضر السارد رموزا وأسماء مؤسسة في تاريخ الأدب العربي والعالمي: دون كيشوت، عنترة، حي بن يقظان، همنغواي… ثيمة القصة الأساسية هي أن السارد سليل هذه الشخصيات. وفي القصة يجري تنسيب الزمان والجغرافيا ليصبح الانتماء إلى عالم آخر مشترك هو عالم الأدب.
المفارقة
من وظائف المفارقة في بعض نصوص المجموعة:
الكشف عن التناقض التاريخي، إذ لا يبدو أن هناك فرقا بين الماضي والحاضر، ويظل الحرمان ملازما للإنسان البسيط بعيدا عن الشعارات والخطب، فبطل قصة «فوبيا الكلاب» تلازمه الفوبيا طيلة حياته. في الماضي يتملكه الخوف من (كلاب) المشعوذ الشعبي الذي يقتلع أضراس المرضى في حلقات الأسواق الأسبوعية. وكأن هذه العملية وتبعاتها هي مجرد فرجة… وفي الحاضر يجد البطل نفسه عاجزا عن دفع كلفة العلاج لطبيب عصري مسلح بالعلم. في كلتا الحالتين فهذا البطل هو ضحية للجهل والفقر معا.
الكف عن تناقضات اجتماعية وثقافية: في قصة «امسحوا العقارب» فئتان من الأطفال؛ الأولى لا تنجح في رسم صورة العقرب، لأنها تعيش في عالم بعيد عن العقارب والحشرات التي تتساكن مع الطبقات المسحوقة مثلها مثل بعض الحيوانات. أما الفئة الثانية فتنجح في رسم صورة العقرب إلى درجة (الحقيقة). وما هذه الحقيقة إلا الموت الذي ذهب ضحيته بعض من الأطفال بفعل لسعات العقارب. إنه اللسع الاجتماعي المردي والمهلك في أعمق صوره. في قصة «ليالي النكد» تحكي الأم لولدها عن الظروف المأساوية التي رافقت وضعها إياه. لكن الأم تكشف في النهاية أن حكيها هو مجرد عتاب، مجرد تخيل، كما أن نعته بالفأر طيلة مسار الحكاية، يعيد إلى الأذهان صورة الطريدة الهاربة دوما من خصم مهدد… لا تكتفي القصة بهذا المسار السطحي للأحداث، بل تنقل السرد إلى سؤال الوجود، ويتمثل في (هروب) الإنسان من القدر وبحثه الدائم عن لغز الحياة والموت.
ت- الرغبة: في بعض القصص تكشف الرغبة شيئا فشيئا عن غرائزها لتتمظهر في النهاية بكامل عريها وظلالها من السخرية، ضدا على مواقف الجد (التراجيدية) أو داخلها. في قصة «أقل من دقيقة» تولد الرغبة في مكان مشحون بالتوتر والانتظار وهو التوقف في أضواء المرور. هنا تطلق إحدى الشخصيتين العنان لرغباتها الدفينة عبر التخيل والاستيهام، فتتبع الرغبة طرقها وقوانينها الخاصة، ضدا على أو بمحاذاة قوانين السير العامة والرسمية. إن الرغبة في هذه القصة هي اللاقانون في مواجهة أو داخل أو مع القانون نفسه.. وفي قصة «حطام سلطانة البحر» نجد أن مواصفات شخصية سلطانة تكاد تكون أسطورية. في النهاية ترتد عليها الرغبة في توحشها وعريها، بعد أن تغتصب من طرف أحد أحفادها المنتشرين والذين تجهل جلهم، من فرط معاشرتها للقراصنة العابرين.
رسائل القصة
القصة ك "لوغوس"
في قصة «شهرزاد» نقرأ نوعا من القلب لمسار الحكاية الأصلية. في هذه القصة تتولى شهرزاد الحكم بين الناس بالعدل، فيما يقضي شهريار يومه في النوم، منتظرا الليل لسماع الحكايا. وفي النهاية ينتحر شهريار بسبب جبروته وبطشه وكل الآلام التي سببها لشعبه. الحكاية في القصة هي سياسة وثورة خفية تقودها شهرزاد باسم المستعبدين والمظلومين. إنها، فضلا عن ذلك، ثورة ضد الذكورية المستفحلة. هكذا فشهريار هو الذي يموت،لأنه لم يحك الحكاية المناسبة، تلك الحكاية الحضارية التي قوامها العدل والمساواة… في قصة «علق القصة وغلق الباب»، يأوي شخص إلى غرفة فندق فيتخيل حكايات أشخاص عبروا من الغرفة نفسها؛ رجل أعمال، راقصة، هارب من العدالة، مريض… إن المكان- الغرفة هو سجل لقصص الناس وتجاربهم المتراوحة بين الحياة والموت. تكشف القصة عن عوالم تتجاوز السطح وتدفع بالمغامرة السردية إلى حدود التأويل الفلسفي. وفي قصة «ليالي النكد» تتجسد الفلسفة الشعبية ببساطتها وخطابها المستند إلى مناورات وطرق حكائية خاصة.إنها لا تخبرنا أبداعن هوية القط الذي يطارد الفأر؟
في مجموعة «رسائل الرمال» أكثر من رسالة تهم الثيمات والطرق السردية وحضور الثقافة الشعبية في مكوناتها الحكائية، داخل النص. لكل ذلك فالسرد في قصص المجموعة منفتح ومتعدد، خاصة أنه لا يقطع الصلة مع المكون الشفوي الذي يعد جزءا لا يتجزأ من الفسيفساء اللغوية والتواصل اليومي.
رسائل الرمال: مجموعة قصصية. عن منشورات ديهيا . نجمة الشرق- بركان. الطبعة الأولى 2015.
.......
٭ قاص وروائي/المغرب


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.