الأكاديمية العسكرية تحتفل بتخريج الدورة الرابعة من المعينين بالهيئات القضائية    غدًا.. إعلان نتائج 49 مقعدًا ب27 دائرة    الأكاديمية العسكرية تفتح باب التسجيل فى برامج الدراسات العليا للتخصصات الطبية    وزارة الصناعة تنفي وجود أي حساب رسمي للفريق كامل الوزير على مواقع التواصل الاجتماعي    استقرار فى أسعار الحديد والأسمنت اليوم الخميس 8 يناير 2026    الجلالة.. تستهدف خدمة مليون مواطن    جنوب سيناء.. 14 محطة تحل مشكلة ندرة المياه    أول أسبوع في 2026.. إيجي إكس 30 يتماسك فوق 41 ألف نقطة والأسهم الصغيرة تتراجع    مجلس الشيوخ الأمريكي يوافق على منع ترامب من أي عمل عسكري في فنزويلا دون تفويض الكونجرس    الهلال يفوز على الحزم ويحتفظ بصدارة الدوري السعودي    رونالدو أساسيًا.. تشكيل النصر أمام القادسية في الدوري السعودي    عقوبات الجولة الخامسة من كأس عاصمة مصر    مصدر أمنى ينفى شائعات إضراب نزلاء مراكز الإصلاح والتأهيل عن الطعام    وفاة هلي الرحباني الأبن الأصغر للفنانة فيروز    الأغذية العالمي: 45% من سكان السودان يواجهون الجوع الحاد    الصحة: الخط الساخن «105» استقبل 41 ألف اتصال خلال 2025    فريق طبي ينجح في استئصال كيس دموي بالطحال بمستشفى زايد التخصصي    حملات العلاج الحر بالدقهلية تضبط منتحلة صفة طبيب وترصد مخالفات في مراكز علاج الإدمان    انطلاق حفل توزيع جوائز ساويرس الثقافية بالجامعة الأمريكية    فيلم السادة الأفضل يحقق 78 مليون جنيه منذ عرضه    السيطرة على حريق بشقة سكنية فى سوهاج دون إصابات    غلق كلي بشارع 26 يوليو لمدة 3 أيام لتنفيذ أعمال مونوريل وادي النيل – 6 أكتوبر    استعدادًا لشهر رمضان، طريقة عمل الطحينة في البيت للتوفير في الميزانية    خالد الجندي يحذر: لا تخلطوا بين الغضب وكظم الغيظ والحِلم    ريهام حجاج محجبة في مسلسل توابع    محمد منير يواصل البروفات التحضيرية لحفلته مع ويجز في دبي    بث مباشر.. قمة نارية بين أرسنال وليفربول في الدوري الإنجليزي.. الموعد والقناة الناقلة وموقف الفريقين    بعد سحب عبوات حليب الأطفال من مصر وعدة دول.. ماذا يحدث مع شركة نستله العالمية؟    أزمة جديدة في الزمالك.. أحمد سليمان يرفض حضور اجتما الإدارة    محافظ قنا يكرم فريق منظومة الشكاوى بعد تحقيق استجابة كاملة بنسبة 100%    سانتفيت مدرب مالي: تنتظرنا معركة شرسة أمام أقوى فرق ربع نهائي أمم أفريقيا    محافظ قنا يعتمد حركة تنقلات جديدة لرؤساء الوحدات المحلية القروية    التعليم تضع اجراءات صارمة لتأمين امتحانات الشهادة الاعدادية 2026    وزارة العمل تُعلن فرص عمل جديدة برواتب مجزية بمشروع الضبعة النووية    وكيل صحة أسيوط يعقد اجتماعا لبحث احتياجات عيادات تنظيم الأسرة من المستلزمات الطبية    اليمن.. تصعيد عسكري والجنوب يراهن على وحدة الصف    عاجل- الاحتلال الإسرائيلي يعتقل صحفيين في قرية الشباب ونابلس.. توتر وتصعيد على الأرض    تخصيص قطعتي أرض لتوفيق أوضاع عمارات إسكان اجتماعي بمحافظة جنوب سيناء    إيكيتيكي ينافس نجوم مانشستر سيتي على جائزة لاعب الشهر في الدوري الإنجليزي    العراق يعرب عن قلقه من التطورات الأخيرة في حلب    ورش مهرجان المسرح العربي بالإسماعيلية تسلط الضوء على فن تشكيل الصورة البصرية    ضبط طالب بالإسماعيلية لإدارته صفحة لبيع الأسلحة البيضاء عبر الإنترنت    تقديرا لدورهن في بناء الأجيال.. تضامن قنا يعلن مسابقة الأم المثالية 2026    وزيرة التنمية المحلية تعلن إطلاق مبادرة «أنا متعلم مدى الحياة»    لجنة انتخابات الوفد تستقبل طلبات الترشح لرئاسة الحزب لليوم الأخير    خبر في الجول - المصري يتمم اتفاقه بتجديد عقد محمود حمدي    «التنمية المحلية» تعلن تشغيل 4 مجازر جديدة لسكان 3 محافظات    "تغيّر المناخ" يحذر من شتاء أشد برودة وتقلبات حادة تؤثر على المحاصيل والمواطنين    ضبط شخص بحوزته بندقية آلية لإطلاقه النار احتفالا بفوز مرشح انتخابى فى الدلنجات    وزير الخارجية يؤكد دعم مصر الكامل لبوركينا فاسو في مكافحة الإرهاب    أكثر من مليون أسرة في أوكرانيا أصبحت بلا تدفئة ولا مياه    اسعار المكرونه اليوم الخميس 8يناير 2026 فى محال المنيا    دار الإفتاء تحدد آخر وقت لصلاة العشاء: الاختيار والجواز والضرورة    الهلال يواجه الحزم في الدوري السعودي.. البث المباشر وتفاصيل المباراة والقنوات الناقلة    المستشار حامد شعبان سليم يكتب عن : و يا لها من رفقة!?    مواقيت الصلاه اليوم الخميس 8يناير 2026 فى المنيا    رئيس كولومبيا: أطلعت ترامب على جهود مصادرة المخدرات في البلاد    ما حكم أرباح الوديعة البنكية والإنفاق منها على البيت؟ أمين الفتوى يجيب    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



" الموت في ساراييفو" ... مئة عام من الكراهية
نشر في صوت البلد يوم 13 - 03 - 2016

يبدأ الفيلم الروائي الطويل «الموت في ساراييفو» بمذيعة تلفزيونية – جميلة ذات حضور قوي – وهي تُعيد سرد تفاصيل حادث اغتيال الأرشيدوق النمسوي فرانز فرديناند هو وزوجته عام 1914 برصاصتين على يد المراهق الصربي «غافريللو برنسيب». وهو ينتهي بمقتل أحد أحفاد القاتل والذي يحمل أيضاً اسم غافريللو برصاصة واحدة يطلقها عليه رجل أمن بوسني في الذكرى المئوية للاغتيال. وما بين البداية والنهاية وعلى مدار 85 دقيقة من الزمن السينمائي يظل المتلقي حابس الأنفاس في «فندق أوروبا» بالعاصمة البوسنية ساراييفو ليعيش نحو ثلاث ساعات فقط هي الزمن الدرامي الفعلي للفيلم الذي أخرجه المبدع البوسني دانيس تانوفيتش والذي كتب له السيناريو بنفسه عن نص مسرحي للفرنسي برنار هنري ليفي. والفيلم فاز بجائزتين في «البرليناله» السادسة والستين هما: جائزة لجنة التحكيم الخاصة، وجائزة اتحاد النقاد الدولي «الفيبريسي»، ليُعيد للأذهان مجدداً فوز فيلمه المهم إنسانياً وسينمائياً «فصل من حياة جامع خرده» بالجائزة الكبرى في البرليناله عام 2013، ومن قبل فوز فيلمه No man's land 2001 بجوائز دولية عدة منها جائزة أحسن سيناريو في المهرجان الكاني، ثم سيزار الفرنسية، والأوسكار والغولدن غلوب لأفضل فيلم أجنبي.
الفندق الرمز
انطلاقاً من وحدة الزمان والمكان يتخذ المخرج من الفندق معادلاً رمزياً قوياً لساراييفو حيث يتواجد به كل أطياف الشعب ورموزه. ففي موقع الاستقبال نرى الموظفين وبخاصة مساعدة المدير بأناقتها وكبريائها وقوة شخصيتها، أثناء استقبال النزلاء، لكن هذا المظهر يخفي وراءه مشاكل اقتصادية واجتماعية سرعان ما تكشفها علاقة المساعدة بأمها خديجة العاملة في غرفة الغسيل، وكذلك الشاب المسالم الذي ارتبطت به وكان عاطلاً، فأوجدت له عملاً بالمطبخ، ثم مدير الفندق عمر الغارق في أمجاد الماضي العريق للمكان الذي يُديره، والذي زاره وأقام فيه أشهر نجوم السياسة والسينما العالمية، ومع ذلك لا يتورع عن الإتيان بتصرفات لا تليق به، ومنها أنه يحمل بنفسه حقائب ضيفه الكاتب والمفكر المرموق وثيق الصلة برئيس الدولة الذي وصل للتو ليُلقي خطبة يدعو فيها الجميع للتصالح والتسامح أثناء الاحتفال الذي سيقام مساءً بمناسبة الذكرى المئوية للاغتيال والذي ستحضره وسائل الإعلام من مختلف دول العالم لتغطية مشاركة الوفود الأوروبية وكبار رجال السياسة. بينما في المطبخ وغرفة الغسيل يُواصل العمال وضع اللمسات الأخيرة للإضراب ويقررون أن تقودهم خديجة بعد اختفاء رئيس الإضراب وذلك أثناء الاحتفال الضخم ليعرف العالم بأنهم لم يتقاضوا مرتباتهم منذ شهرين.
أما في القبو فيشتعل الملهى الليلي بحربين أخريين إحداهما حرب باردة على رأس مائدة القمار التي تتراكم عليها الأموال ويُشارك فيها مدير البنك الذي يرفض تمديد القرض لعمر حتى لا يعلن الفندق إفلاسه ويُغلق أبوابه، وكذلك مدير الملهى الذي اشترى مجموعة من أجمل راقصات أوروبا الشرقية لتقديم رقصات «التعرّي» والذي يسعى الى قمع الإضراب بشتى طرق العنف والاختطاف.
أما على السطح المفتوح على الأفق فتواصل المذيعة تصوير برنامجها مع ضيوفها من الباحثين والمؤرخين عن آثار حادث اغتيال ولي عهد النمسا والذي كان السبب في اندلاع الحرب العالمية الأولى، وكيف صارت الدولة بعد مرور أكثر من مئة عام من تفجر ذلك الصراع ونظرة العالم إليها. ومن بين هؤلاء الضيوف شاب صربي يحمل اسم «غافريللو» ما إن يبدأ حديثه حتى تُهاجمه المذيعة وتقاطعه باستمرار متسائلة بعنف عن دلالة أن يحمل اسم الشخص القائم بالاغتيال؟ ومن هنا تتمادى الآراء في تعارضها وتصارعها، فبينما ترى المذيعة وضيوفها الآخرون أن غافريللو برنسيب كان مجرماً، تماماً كما يراه كثير من مسلمي البوسنة لأنه كان سبباً في اضطهادهم، يعتبره الصربيون بطلاً قومياً لأنه أنهى الاحتلال النمسوي المجري ليوغسلافيا! وهنا يسألها غافريللو وهو يجمع أشياءه لينصرف: «وهل كان محمد مهمد باشيك مجرماً أم بطلاً قومياً؟» فالتاريخ يقول إن المجموعة التي كانت مكلفة باغتيال ولي عهد النمسا كانوا مسيحيين من الصرب، لكن أحدهم كان مسلماً من البوسنة هو محمد مهمد باشيك، وهو المخطط الأول لعملية الاغتيال!
أثناء تنقل المونتاج بين هذه الأماكن كانت الكاميرا تُمنح الفرصة لكي تتسلل عبر الممرات المختلفة للفندق المتداخلة والمتشابكة، بإضاءتها المتنوعة القوية الساطعة في موقع تدريب كورال الأطفال استعداداً للحفل، والصفراء في الممرات بين غرف التخزين أو تلك المؤدية إلى الكاراج لنرى كواليس العنف المُبرح المتخذ ضد قائد الإضراب، ثم ضد لمياء وأمها خديجة، ثم إلى دورات المياه كوسيلة للهروب أو الحصار والمُلاحقة، وغرفة المراقبة لنرى موظف الأمن يتعاطى جرعات من الكوكايين وهو يراقب الكاتب الشهير الذي وضعوا له كاميرا في جناحه من طريق الخطأ فأتاح لنا فرصة تتبعه – وإن برؤية ضبابية - وهو يراجع محاضرته التي يسخر فيها من الإعلام، ومن أصحاب المواقف الدعائية البعيدة من أرض الواقع الذي يعايشه المتلقي جيداً عبر موظفي الفندق ورواده وحالتهم المتردية الغارقة في الفساد.

حوار غير متكافئ
كذلك يُؤدي عنف المذيعة إلى أن تسحب النقاش من الإضاءة النهارية القوية المصحوبة بالشمس الساطعة إلى إضاءة الممرات، فبعد أن منحت الوقت لضيفيها البوسنيين ليتحدثا ويطرحا آراءهما من دون مقاطعة، لم تفعل الشيء نفسه مع الصربي، لكن ذكاء المخرج جعلها تلاحق غافريللو الذي آثر الانسحاب بدلاً من الاستمرار في حوار غير متكافئ، وأثناء تلك المطاردة على السطوح وبين طرقات المبنى يستمر الحوار الجريء من كلا الطرفين الذي يكشف كيف أنه بعد انتهاء عقود من الحرب الأهلية والقومية لا تزال الحرب في الداخل، نتيجة التعصب والرؤية الأحادية وعدم الرغبة في التصالح الصادق، هنا أيضاً يتحدث غافريللو عن فساد رجال السياسة الكبار الذين يتلاعبون بمصير الشعوب ولا يهمهم تحقيق السلام في شكل فعلي، مُؤكداً قناعته بأن العالم في حاجة الى اغتيال أحد هؤلاء الساسة. لكن المذيعة تجيبه بأن الاغتيال لن يغير شيئاً اليوم ولن تقوم بسببه حرب عالمية أخرى.
هنا يشعر المتلقي في بعض اللحظات بأن هذا العنف بين المذيعة وضيفها يخبئ وراءه عاطفة قوية، وانجذاباً من كلا الطرفين. هذا ما توضحه النظرات والإيماءات الجسدية الكاشفة، وكأن الصورة تهمس بحديث عن نداء القلوب القادر وحده على التحرر من أعباء الماضي وتجاوز الخلافات والصراعات العرقية والدينية، لكن الخيانة أيضاً قادرة بالقوة نفسها على تقويض تلك القوة السحرية، ففي لحظة ما عندما يكتشف جافريللو أن المرأة التي أصبحت وكأنها حبيبته، كانت تُسجل - خِلسة - الحوار الدائر بينهما على جهاز كاسيت صغير، لا يتورع على أن يُشهر المسدس بقوة خاطفة في وجهها كأنها عدو خطير حتى يرغمها على تسليمه هذا التسجيل، وذلك قبل أن يتم قتله في مشهد لاحق مؤلم ومفاجئ وصادم يجعل المتلقي يتذكر ملامحه ويصدق إنسانيته ويتجاوب مع انفعاله بينما تتوارى من فوق تلافيف الذاكرة ملامح الباحثين والمؤرخين السابقين الذين ملأوا الشاشة ضجيجاً.
«قاتلت في الحرب لمدة أربع سنوات، وشاهدت موت ثلاثة من رفاقي، ولكن الحرب كانت أرحم من واقع اليوم». إنها كلمات بطل تانوفيتش في شريطه الروائي السابق «فصل من حياة جامع خردة» المقتبس عن قصة حقيقية وهو المعنى ذاته الذي يتم التأكيد عليه في أحدث أعماله «الموت في ساراييفو»، فهو ليس فقط شريطاً عن الحرب المعلنة الواضحة ونتائجها المتراكمة عبر عشرات السنين، لكنه أيضاً عن حروب أخرى لا تزال قائمة – على المستوى السياسي والاقتصادي والثقافي - وإن كانت غير معلنة لكنها كامنة تنتظر أبسط شرارة لإشعالها مجدداً، رغم الشعارات المزيفة في شأن السلام والاستقرار والتصالح بين القوميات هناك.
يبدأ الفيلم الروائي الطويل «الموت في ساراييفو» بمذيعة تلفزيونية – جميلة ذات حضور قوي – وهي تُعيد سرد تفاصيل حادث اغتيال الأرشيدوق النمسوي فرانز فرديناند هو وزوجته عام 1914 برصاصتين على يد المراهق الصربي «غافريللو برنسيب». وهو ينتهي بمقتل أحد أحفاد القاتل والذي يحمل أيضاً اسم غافريللو برصاصة واحدة يطلقها عليه رجل أمن بوسني في الذكرى المئوية للاغتيال. وما بين البداية والنهاية وعلى مدار 85 دقيقة من الزمن السينمائي يظل المتلقي حابس الأنفاس في «فندق أوروبا» بالعاصمة البوسنية ساراييفو ليعيش نحو ثلاث ساعات فقط هي الزمن الدرامي الفعلي للفيلم الذي أخرجه المبدع البوسني دانيس تانوفيتش والذي كتب له السيناريو بنفسه عن نص مسرحي للفرنسي برنار هنري ليفي. والفيلم فاز بجائزتين في «البرليناله» السادسة والستين هما: جائزة لجنة التحكيم الخاصة، وجائزة اتحاد النقاد الدولي «الفيبريسي»، ليُعيد للأذهان مجدداً فوز فيلمه المهم إنسانياً وسينمائياً «فصل من حياة جامع خرده» بالجائزة الكبرى في البرليناله عام 2013، ومن قبل فوز فيلمه No man's land 2001 بجوائز دولية عدة منها جائزة أحسن سيناريو في المهرجان الكاني، ثم سيزار الفرنسية، والأوسكار والغولدن غلوب لأفضل فيلم أجنبي.
الفندق الرمز
انطلاقاً من وحدة الزمان والمكان يتخذ المخرج من الفندق معادلاً رمزياً قوياً لساراييفو حيث يتواجد به كل أطياف الشعب ورموزه. ففي موقع الاستقبال نرى الموظفين وبخاصة مساعدة المدير بأناقتها وكبريائها وقوة شخصيتها، أثناء استقبال النزلاء، لكن هذا المظهر يخفي وراءه مشاكل اقتصادية واجتماعية سرعان ما تكشفها علاقة المساعدة بأمها خديجة العاملة في غرفة الغسيل، وكذلك الشاب المسالم الذي ارتبطت به وكان عاطلاً، فأوجدت له عملاً بالمطبخ، ثم مدير الفندق عمر الغارق في أمجاد الماضي العريق للمكان الذي يُديره، والذي زاره وأقام فيه أشهر نجوم السياسة والسينما العالمية، ومع ذلك لا يتورع عن الإتيان بتصرفات لا تليق به، ومنها أنه يحمل بنفسه حقائب ضيفه الكاتب والمفكر المرموق وثيق الصلة برئيس الدولة الذي وصل للتو ليُلقي خطبة يدعو فيها الجميع للتصالح والتسامح أثناء الاحتفال الذي سيقام مساءً بمناسبة الذكرى المئوية للاغتيال والذي ستحضره وسائل الإعلام من مختلف دول العالم لتغطية مشاركة الوفود الأوروبية وكبار رجال السياسة. بينما في المطبخ وغرفة الغسيل يُواصل العمال وضع اللمسات الأخيرة للإضراب ويقررون أن تقودهم خديجة بعد اختفاء رئيس الإضراب وذلك أثناء الاحتفال الضخم ليعرف العالم بأنهم لم يتقاضوا مرتباتهم منذ شهرين.
أما في القبو فيشتعل الملهى الليلي بحربين أخريين إحداهما حرب باردة على رأس مائدة القمار التي تتراكم عليها الأموال ويُشارك فيها مدير البنك الذي يرفض تمديد القرض لعمر حتى لا يعلن الفندق إفلاسه ويُغلق أبوابه، وكذلك مدير الملهى الذي اشترى مجموعة من أجمل راقصات أوروبا الشرقية لتقديم رقصات «التعرّي» والذي يسعى الى قمع الإضراب بشتى طرق العنف والاختطاف.
أما على السطح المفتوح على الأفق فتواصل المذيعة تصوير برنامجها مع ضيوفها من الباحثين والمؤرخين عن آثار حادث اغتيال ولي عهد النمسا والذي كان السبب في اندلاع الحرب العالمية الأولى، وكيف صارت الدولة بعد مرور أكثر من مئة عام من تفجر ذلك الصراع ونظرة العالم إليها. ومن بين هؤلاء الضيوف شاب صربي يحمل اسم «غافريللو» ما إن يبدأ حديثه حتى تُهاجمه المذيعة وتقاطعه باستمرار متسائلة بعنف عن دلالة أن يحمل اسم الشخص القائم بالاغتيال؟ ومن هنا تتمادى الآراء في تعارضها وتصارعها، فبينما ترى المذيعة وضيوفها الآخرون أن غافريللو برنسيب كان مجرماً، تماماً كما يراه كثير من مسلمي البوسنة لأنه كان سبباً في اضطهادهم، يعتبره الصربيون بطلاً قومياً لأنه أنهى الاحتلال النمسوي المجري ليوغسلافيا! وهنا يسألها غافريللو وهو يجمع أشياءه لينصرف: «وهل كان محمد مهمد باشيك مجرماً أم بطلاً قومياً؟» فالتاريخ يقول إن المجموعة التي كانت مكلفة باغتيال ولي عهد النمسا كانوا مسيحيين من الصرب، لكن أحدهم كان مسلماً من البوسنة هو محمد مهمد باشيك، وهو المخطط الأول لعملية الاغتيال!
أثناء تنقل المونتاج بين هذه الأماكن كانت الكاميرا تُمنح الفرصة لكي تتسلل عبر الممرات المختلفة للفندق المتداخلة والمتشابكة، بإضاءتها المتنوعة القوية الساطعة في موقع تدريب كورال الأطفال استعداداً للحفل، والصفراء في الممرات بين غرف التخزين أو تلك المؤدية إلى الكاراج لنرى كواليس العنف المُبرح المتخذ ضد قائد الإضراب، ثم ضد لمياء وأمها خديجة، ثم إلى دورات المياه كوسيلة للهروب أو الحصار والمُلاحقة، وغرفة المراقبة لنرى موظف الأمن يتعاطى جرعات من الكوكايين وهو يراقب الكاتب الشهير الذي وضعوا له كاميرا في جناحه من طريق الخطأ فأتاح لنا فرصة تتبعه – وإن برؤية ضبابية - وهو يراجع محاضرته التي يسخر فيها من الإعلام، ومن أصحاب المواقف الدعائية البعيدة من أرض الواقع الذي يعايشه المتلقي جيداً عبر موظفي الفندق ورواده وحالتهم المتردية الغارقة في الفساد.

حوار غير متكافئ
كذلك يُؤدي عنف المذيعة إلى أن تسحب النقاش من الإضاءة النهارية القوية المصحوبة بالشمس الساطعة إلى إضاءة الممرات، فبعد أن منحت الوقت لضيفيها البوسنيين ليتحدثا ويطرحا آراءهما من دون مقاطعة، لم تفعل الشيء نفسه مع الصربي، لكن ذكاء المخرج جعلها تلاحق غافريللو الذي آثر الانسحاب بدلاً من الاستمرار في حوار غير متكافئ، وأثناء تلك المطاردة على السطوح وبين طرقات المبنى يستمر الحوار الجريء من كلا الطرفين الذي يكشف كيف أنه بعد انتهاء عقود من الحرب الأهلية والقومية لا تزال الحرب في الداخل، نتيجة التعصب والرؤية الأحادية وعدم الرغبة في التصالح الصادق، هنا أيضاً يتحدث غافريللو عن فساد رجال السياسة الكبار الذين يتلاعبون بمصير الشعوب ولا يهمهم تحقيق السلام في شكل فعلي، مُؤكداً قناعته بأن العالم في حاجة الى اغتيال أحد هؤلاء الساسة. لكن المذيعة تجيبه بأن الاغتيال لن يغير شيئاً اليوم ولن تقوم بسببه حرب عالمية أخرى.
هنا يشعر المتلقي في بعض اللحظات بأن هذا العنف بين المذيعة وضيفها يخبئ وراءه عاطفة قوية، وانجذاباً من كلا الطرفين. هذا ما توضحه النظرات والإيماءات الجسدية الكاشفة، وكأن الصورة تهمس بحديث عن نداء القلوب القادر وحده على التحرر من أعباء الماضي وتجاوز الخلافات والصراعات العرقية والدينية، لكن الخيانة أيضاً قادرة بالقوة نفسها على تقويض تلك القوة السحرية، ففي لحظة ما عندما يكتشف جافريللو أن المرأة التي أصبحت وكأنها حبيبته، كانت تُسجل - خِلسة - الحوار الدائر بينهما على جهاز كاسيت صغير، لا يتورع على أن يُشهر المسدس بقوة خاطفة في وجهها كأنها عدو خطير حتى يرغمها على تسليمه هذا التسجيل، وذلك قبل أن يتم قتله في مشهد لاحق مؤلم ومفاجئ وصادم يجعل المتلقي يتذكر ملامحه ويصدق إنسانيته ويتجاوب مع انفعاله بينما تتوارى من فوق تلافيف الذاكرة ملامح الباحثين والمؤرخين السابقين الذين ملأوا الشاشة ضجيجاً.
«قاتلت في الحرب لمدة أربع سنوات، وشاهدت موت ثلاثة من رفاقي، ولكن الحرب كانت أرحم من واقع اليوم». إنها كلمات بطل تانوفيتش في شريطه الروائي السابق «فصل من حياة جامع خردة» المقتبس عن قصة حقيقية وهو المعنى ذاته الذي يتم التأكيد عليه في أحدث أعماله «الموت في ساراييفو»، فهو ليس فقط شريطاً عن الحرب المعلنة الواضحة ونتائجها المتراكمة عبر عشرات السنين، لكنه أيضاً عن حروب أخرى لا تزال قائمة – على المستوى السياسي والاقتصادي والثقافي - وإن كانت غير معلنة لكنها كامنة تنتظر أبسط شرارة لإشعالها مجدداً، رغم الشعارات المزيفة في شأن السلام والاستقرار والتصالح بين القوميات هناك.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.