من بينها مصر| الصين تبدأ تطبيق "صفر جمارك" على واردات 53 دولة أفريقية    الإعلام شريكا فى معركة المناخ.. "رائد" تطلق ورشة لتمكين الصحفيين فى التحول للطاقة المتجددة    وزير الخارجية يؤكد لنظيرته الكندية دعم مصر للمسار التفاوضي بين أمريكا وإيران    القيادة المركزية الأمريكية: المدمرة «يو إس إس رافائيل بيرالتا» اعترضت سفينة كانت متجهة لأحد المواني الإيرانية أمس    عزل ترامب من منصبه| الديمقراطيون يدعون للتصويت والكونجرس يتحرك    بعد صعوده أمس| ننشر الجديد في أسعار الذهب اليوم السبت 25-4-2026    اقتراح ب خفض سن الحضانة إلى 7 سنوات| متخصص شئون أسرية يكشف    منها الشوكولاته مع الشاي، 3 أزواج من الأطعمة تدعم صحة القلب والنتائج بعد 4 أسابيع    45 دقيقة متوسط تأخيرات القطارات على خط «طنطا - دمياط».. السبت 25 أبريل 2026    سيناء في عيون الكاميرا.. كيف خلّد الفن بطولات المصريين من ميادين القتال إلى ذاكرة الأجيال    علي بدرخان.. حكاية مخرج كتب اسمه بحروف من ذهب وخطف قلب السندريلا    عودة الأميرة المؤجلة.. Anne Hathaway تشعل الحنين وتكشف مصير الجزء الثالث من The Princess Diaries    جامعة دمياط تعزز منظومة الجودة بتكليف الدكتور الشربيني نائباً لمدير مركز ضمان الجودة    تورم الركبة دون إصابة.. علامة تحذيرية قد تكشف مشكلة داخل المفصل    عامل ينهي حياة زوجته وابنته داخل شقة بمنطقة المنيب    رغم استمرار وقف إطلاق النار 6 قتلى في غارات إسرائيلية جنوب لبنان    رعدية ومتوسطة، الأرصاد تحذر هذه المحافظات من أمطار اليوم    حياة كريمة فى الغربية.. تجهيز وحدة طب الأسرة بقرية كفر دمنهور.. والأهالى: حققت أحلامنا    25 أبريل 1982| يوم استرداد سيناء.. "أعظم ملحمة بطولية في التاريخ الحديث"    بعد عودتها بأغنية جديدة، شيرين عبد الوهاب تتصدر التريند    نماذج استرشادية في العلوم لطلاب الإعدادية بالقاهرة استعدادًا للامتحانات    الهروب الكبير.. هروب عدد من نزلاء أحد مراكز علاج الإدمان بكرداسة    «صحة المنوفية» تضع اللمسات الأخيرة لاعتماد مخازن الطعوم وتطوير سلسلة التبريد    إنقاذ مريض بعد توقف قلبه 6 مرات داخل مستشفى قلين بكفر الشيخ    في ذكرى تحرير سيناء ال44.. مراقبون: الخطر قائم ومنطقة عازلة قد تُستخدم لتهجير غزة    محمود ياسين جونيور: مسيرة الهضبة تستحق أن تدرس وتوثق دراميًا    «الوثائقية» تحتفي اليوم بذكرى تحرير سيناء بمجموعة من الأفلام الوطنية    بلوزداد يلحق باتحاد العاصمة في نهائي كأس الجزائر    القبض على 5 متهمين بحوزتهم تمثال أثري نادر في البدرشين أثناء التنقيب عن الآثار (صور)    القناة 12 العبرية: هدنة ترامب لإيران ستكون "قصيرة جدا" وتنسيق إسرائيلي أمريكي حال فشل المفاوضات    منة شلبي تخرج عن صمتها بعد وفاة والدها.. ماذا قالت؟    الصحة اللبنانية: 6 شهداء إثر غارات إسرائيلية على جنوب البلاد    تهشم سيارتين إثر انهيار أجزاء من عقار قديم بالإسكندرية دون إصابات    زوجة ضياء العوضي تعيد صفحته على"فيس بوك" وتتولى إدارتها وتؤكد إقامة عزاء له    ضبط المتهم بقتل شاباً ب «فرد خرطوش» بالإسماعيلية    اليونيسف: نزوح أكثر من 390 ألف طفل في لبنان وسط تصاعد الأزمة الإنسانية    الخارجية الإيرانية: من غير المقرر عقد اجتماع بين إيران وأمريكا وسيتم نقل ملاحظات طهران إلى باكستان    أسعار الذهب اليوم في مصر.. تحركات محدودة وترقب للأسواق    مبابي | الغزال الفرنسي يُكمل مباراته رقم 100 مع ريال مدريد    الجهاز الفنى للمصرى يحتفى بعودة ياسر يحيى عضو مجلس الإدارة بعد رحلة علاجية    بمساهمة سعودية.. لانس يحيى آماله في اللقب بتعادل قاتل أمام بريست    وصل للهدف ال 100.. دي بروين يقود نابولي للفوز على كريمونيزي    سلطان مملوكي بناه بمكان سجنه| «المؤيد شيخ».. جامع المحاسن    الثلاثاء المقبل | انطلاق ملتقى التوظيف الرابع بكلية السياحة والفنادق بجامعة المنصورة    "قف وتحدث"! … الصحافة الأوروبية تسخر من السيسي .. حاول حشد دعم أوروبي إضافي بابتزاز ملف الهجرة و(اللاجئين)    عميد تجارة طنطا يستغيث بالمحافظ من انتشار القمامة وتأثيرها على صحة الطلاب    الدولة تطرق أبواب الجنوب.. حلايب وشلاتين في قلب الوطن    الباحثة شيماء فرج: البكتيريا سلاحي لإعادة استخدام مياه الصرف    الأعلى للشئون الإسلامية ينظم معرضًا للكتاب بمسجد السيدة نفيسة    نشرة الرياضة ½ الليل| سقوط الإسماعيلي.. الأهلي يستعد.. إصابة خطيرة.. قمة حمراء باليد.. وميداليتين لمصر    اللون التركواز.. الزمالك يكشف عن طاقمه الثالث    بيراميدز يتقدم باحتجاج إلى اتحاد الكرة ضد طاقم حكام مباراة الزمالك    مسؤولة سابقة بالبنتاجون: تباينات أمريكية إسرائيلية بشأن استمرار الحرب.. والقرار النهائي مرتبط بترامب    «وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ»    خطبة الجمعة من مسجد المشير: تحرير سيناء ملحمة وطن وعقيدة لا تُنسى    بسم الله أرقيك يا وطنى    مختار جمعة: إحياء النفس لا يقتصر على الحياة المادية بل يشمل كل صور الحماية والرعاية    دعاء يوم الجمعة لنفسي وأهلي وأحبتي في ساعة الاستجابة المباركة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



رمضان وفن الحكي العربي
نشر في صوت البلد يوم 25 - 05 - 2019

شهر رمضان بنبله وجلاله وخصوصيته له أفضاله الثقافية خاصة في ديوان العروبة العتيد "القصيدة العربية"، حيث أفاض الشعراء في ذكر ومحبة وإظهار الشوق للشهر العظيم، وتمجيده وتعداد مآثره، والتغني بذاكرة البهجة في رحابه، حتي تأسست فنون شعرية خاصة بشهر رمضان، وارتبطت هذه الفنون بالتراث الشعبي تفاعلا مع الشهر الكريم، مثل فن "القوما" الشعري في أغاني التسحير بإيقاعها الخاص.
بالتالي فهذا الحضور العريض للقصيدة العربية، قابله تنوعًا في الآراء بشأن حضور فنون السرد في الرحاب الرمضاني، فبينما يرى البعض أن الحضور الرمضاني كان محدوداً في فن الحكي، لكن هناك من النقاد من يرى عكس هذا الرأى، وأن الحضور الرمضاني في السرد أتى على مستوى الإطار السردي للقص، أو على مستوى خلفية الأحداث في القصة، وأحياناً تكون هذه الخلفية هي قصدية الأحداث القصصية ببراعة فن الحكي، والمثال الشهير رواية "في بيتنا رجل" للروائي أحسان عبدالقدوس حيث أبرزت الرواية عادات وطقوس رمضان الخاصة في العائلة المصرية البسيطة، مع ارتواء الأحداث بقضية وطنية، فتشرب الإيمان بقيم المقاومة والجهاد، وهي القيم المرتبطة بشهر رمضان الكريم.
وأرى أن تناول السرد العربي كان معتبرًا ومشهودًا وإن كان محدودًا في حالة المقارنة بالقصيدة العربية بطبيعة الحال. لكن هذا الحضور الرمضاني في السرد جاء منثورًا في عشرات الأعمال السردية وبصيغ منوعة، منها إثارة ذاكرة البهجة والحكي السيري، وأحيانًا أخرى في إطار سرد عادات وأماكن روائية تصب في مصلحة تلك السرود من حيث كشف البيئات المؤسسة للشخصيات الروائية وتفاعلها. وهذا المنثور السردي العريض يحتاج لجهد بحثي خلاق يجمع شتاتها ويؤسس ظواهرها ويكشف قيمها المطمورة.
قيم مرتبطة بشهر رمضان الكريم
ونسوق أمثلة، للروائي أحسان عبدالقدوس أيضًا في مجموعته القصصية "عقلى وقلبى"، أولى القصص في المجموعة والمعنونة "القرآن" عن قرية كفر ممونة التى واجهت مشكلة عدم قيام الباشا لظروف ألمت به باستقدام المقرئ ليحيى ليال شهر رمضان كما اعتادت القرية كل عام، وعقد الاهالى مؤتمرا لحل المشكلة وتعاونوا بإعطاء آخر ما معهم من مال شحيح عن طيب خاطر، ومنها مهور البنات وخزين البيت من الذرة وخلافة ليوفروا مبلغ (50) جنيها مصريا حتى لا يقال إن كفر ممونة مضلم (مظلم) في رمضان، وجاء المقرئ وكان مذاق رمضان هذا العام أحلى وأطيب، فلما كان العام التالى ُأسقط في أيديهم فليس لديهم ما ينفقونه، فكانت ذروة الأزمة في القصة القصيرة (قال الشيخ تمام: يعنى يفوت رمضان كده سكيتى .. دى ما حصلتش في كفرنا من عشرين سنة .. ما تشوفوا لكم تدبيرة)، وكانت لحظة التنوير بالاشتراك مع أهالى كفر حتاته (ونحط اللي معانا على اللي معاهم، ونجيب الشيخ عبدالباسط) ثم حل مشكلة أخرى، في أي قرية تكون السهرة كل يوم؟ فكان الحل السهرة بالتناوب بين القريتين يوم هنا ويوم هناك، وظهرت المشكلة الثالثة في أي قرية تكون سهرة ليلة القدر فكان الحل: (اللي يجى عليه الدور في ليلة القدر تبقى السهرة عنده) وتمت في القصة طقوس التفاوض النبيل وكانت الخاتمة الرائعة (وعندما انتهى الشهر المبارك .. عقدت خمس زيجات بين كفر ممونة وكفر حتاتة).
وفي القصة جملة قيم إدارية نابهة ومنها تفتيت المشكلة الكبيرة إلى مشكلات فرعية، أو الهدف الكبير لأهداف جزئية، وتثمين طريقة التفكير العلمي لحل المشكلات، والمراجحة بين البدائل المتاحة لاختيار أفضلها، وقيمة التآزر في الخير وبركته وضم الجهود والموارد، كما أن النص يؤيد فكرة أن النص الأدبي في حقيقته وثيقة جمالية بطبيعة الحال، لكن الفن دليل لكون النص وثيقة اجتماعية وشعبية بامتياز أيضًا، حيث كان تنعم الأهالي قديمًا بتلاوات القرآن الكريم في سهرات رمضانية حاشدة يستضيف فيها السراة بالقرى والمدن المصرية المقرئين لإحياء هذه الليالي المضيئة، بما يؤكد أن تلك اللمحات الروائية الرمضانية شارحة لخصوصية رمضان في بيئة من البيئات.
ويقدم الكاتب فؤاد مرسي في معجمه الرمضاني قوله: "رواية الشمندورة للأديب النوبي محمد خليل قاسم التي تعد مرجعًا يمكن من خلاله قراءة كيفية احتفال النوبيين بشهر رمضان قبل التهجير، مما يمكن الباحث الاجتماعي والتاريخي في هذا الشأن من الوقوع على مادة ثرية تمثل واحدة من المداخل إلى الشخصية النوبية".
وهناك عشرات اللوامح الرمضانية في عشرات الروايات والقصص القصيرة، منها رواية "خان الخليلي" لنجيب محفوظ، وكتابات روائية لعبدالمنعم شلبي، وسمير عبدالفتاح، وباكثير في روايته "وإاسلاماه"، ورواية "لا أحد ينام في الاسكندرية" لإبراهيم عبدالمجيد، وعودة الروح لتوفيق الحكيم، وقصة قصيرة معنونة "رمضان" ليوسف إدريس، ورواية "محب" لعبدالفتاح الجمل، والرواية القصيرة "قنديل أم هاشم" ليحيى حقى، وقصص قصيرة لإبراهيم المصري، ومحمود البدوي.
وفي الحكي الساخر حكاية "توفيدا جابلر" في إطار نقدي اجتماعي مرح، للأديب يوسف عوف من كتابه "هموم ضاحكة" ينتقد فيه ظاهرة الاحتفاء بالطعام بدلًا من الصيام في شهر رمضان، حيث إن كميات الطعام على موائد رمضان لأسرة واحدة مصرية تكفي لإطعام عشرات الأسر، كما أنها أطعمة دسمة للغاية، فكأن الإحتفاء بالشهر يقتصر فقط علي الطعام. وغيرها من عشرات السرود.
ومن السرود الخالصة التي تناولت الرمضانيات، "مذكرات صائم" لأحمد بهجت والصادر عام 1990، وهى من وجهة نظرى رواية سيرية أو لون يقع بين السيرة الذاتية والرواية، حيث لا يمكن للقارئ الوقوف على المكون الخيالي مستقلًا عن المكون المرجعي، وإن كان الجانب التوثيقي مال لناحية سرد عادات وتقاليد وطقوس الشهر الفضيل العمومية، مثل إجراءات رؤية الهلال، ومدفع الإفطار، والسهرات الرمضانية، وطبيعة الشعب المصري الخيرة بالشهر، وعالم الوظيفة في رمضان، وضمت أيضًا ومضات نفسية حول حلاوة الطاعة وتذوقها في رمضان، وغواية النفس وألفة العادات وغيره، وإن كان الإطار أو الخلفية أتت عبر عمود فقري صوفي يناسب السرد. لذلك أتت في النسيج السردي عبارات رائقة، منها:
ليلة القدر الحقيقية أمامنا في كل وقت
"وفي شهر رمضان .. أشعر أن كل شيء في الدنيا يقوم على الحب، وهو الناموس المسيطر الحاكم في الدنيا وإن أفسده الناس بالكراهية والرحيل".
"لماذا نصوم؟ إن الصوم في حقيقته نوع من الحب. هو العبادة الوحيدة التي لا تظهر علي صاحبها في شكل طقوس أو حركات".
ولم ينس المؤلف طبيعته الساخره المحبوبة: "نحن في انتظار مدفع الإفطار .. أكبر أبنائي ينظر في ساعة الحائط ويكاد يدفع بنظراته عقارب الساعة .. تأملت مائدة الطعام على المائدة أهداف استراتيجية كاللحم والبطاطس وأهداف تكتيكية كالفول والسلطة وثمة أهداف تكميلية كالكنافة والقطايف".
وعمرت الرواية السيرية بفلسفات وتأملات مبهجة وحزينة أيضًا منها نعي ذاكرة للبهجة: "يجري شهر رمضان بسرعة الضوء هذه الأيام، فهل ذهبت البركة من الأيام". "لماذا يختلف شهر رمضان هذا العام عن شهور رمضان القديمة، كنت أجد حلاوة لرمضان في سن العشرين، ولا أجد له الآن نفس المذاق القديم أو الوهج .. هل تغير شهر رمضان. لم يتغير شهر رمضان أنا الذي تغيرت، ازددت ظلمة وسوءًا وخطايا ونفاقًا". وعن الذنوب تلك: "لماذا يبدأ مذاق الذنوب حلوًا في البداية، ثم ينتهي الحفل وتبدأ المرارة تشق طريقها إلى القلب، ثم تزيد جرعة الندم ويتحول الحلو إلى نبات الصبر المرير الذي يسقونه للمريض ولا شفاء".
لهذا كانت الأحزان، يقول: "كيف يتسع قلب في حجم قبضة اليد لأحزان في رحابة الأفق".
لكن يظل طوق نجاة بليلة مخصوصة رمضانية تورق بالحب هى ليلة القدر، يقول أحمد بهجت: "ليلة القدر، أفهم أنها الليلة التي نزل فيها القرآن. معنى ذلك أن ليلة القدر هي اللحظات التى بدأ فيها اتصال الإنسان بالملأ الأعلى عن طريق القرآن، وهذا يعني أن ليلة القدر الحقيقية أمامنا في كل وقت .. هي القرآن، لو اتصلنا به وعرفناه فقد بدأت ليلة القدر الخاصة بنا".
وتظل اللغة ويظل الحب، يقول: "عندما تكتب اللغة .. عندما تولد الحروف تولد أضواء الحضارة .. وُيولد الحب .. وتولد الفنون والآداب ".
شهر رمضان بنبله وجلاله وخصوصيته له أفضاله الثقافية خاصة في ديوان العروبة العتيد "القصيدة العربية"، حيث أفاض الشعراء في ذكر ومحبة وإظهار الشوق للشهر العظيم، وتمجيده وتعداد مآثره، والتغني بذاكرة البهجة في رحابه، حتي تأسست فنون شعرية خاصة بشهر رمضان، وارتبطت هذه الفنون بالتراث الشعبي تفاعلا مع الشهر الكريم، مثل فن "القوما" الشعري في أغاني التسحير بإيقاعها الخاص.
بالتالي فهذا الحضور العريض للقصيدة العربية، قابله تنوعًا في الآراء بشأن حضور فنون السرد في الرحاب الرمضاني، فبينما يرى البعض أن الحضور الرمضاني كان محدوداً في فن الحكي، لكن هناك من النقاد من يرى عكس هذا الرأى، وأن الحضور الرمضاني في السرد أتى على مستوى الإطار السردي للقص، أو على مستوى خلفية الأحداث في القصة، وأحياناً تكون هذه الخلفية هي قصدية الأحداث القصصية ببراعة فن الحكي، والمثال الشهير رواية "في بيتنا رجل" للروائي أحسان عبدالقدوس حيث أبرزت الرواية عادات وطقوس رمضان الخاصة في العائلة المصرية البسيطة، مع ارتواء الأحداث بقضية وطنية، فتشرب الإيمان بقيم المقاومة والجهاد، وهي القيم المرتبطة بشهر رمضان الكريم.
وأرى أن تناول السرد العربي كان معتبرًا ومشهودًا وإن كان محدودًا في حالة المقارنة بالقصيدة العربية بطبيعة الحال. لكن هذا الحضور الرمضاني في السرد جاء منثورًا في عشرات الأعمال السردية وبصيغ منوعة، منها إثارة ذاكرة البهجة والحكي السيري، وأحيانًا أخرى في إطار سرد عادات وأماكن روائية تصب في مصلحة تلك السرود من حيث كشف البيئات المؤسسة للشخصيات الروائية وتفاعلها. وهذا المنثور السردي العريض يحتاج لجهد بحثي خلاق يجمع شتاتها ويؤسس ظواهرها ويكشف قيمها المطمورة.
قيم مرتبطة بشهر رمضان الكريم
ونسوق أمثلة، للروائي أحسان عبدالقدوس أيضًا في مجموعته القصصية "عقلى وقلبى"، أولى القصص في المجموعة والمعنونة "القرآن" عن قرية كفر ممونة التى واجهت مشكلة عدم قيام الباشا لظروف ألمت به باستقدام المقرئ ليحيى ليال شهر رمضان كما اعتادت القرية كل عام، وعقد الاهالى مؤتمرا لحل المشكلة وتعاونوا بإعطاء آخر ما معهم من مال شحيح عن طيب خاطر، ومنها مهور البنات وخزين البيت من الذرة وخلافة ليوفروا مبلغ (50) جنيها مصريا حتى لا يقال إن كفر ممونة مضلم (مظلم) في رمضان، وجاء المقرئ وكان مذاق رمضان هذا العام أحلى وأطيب، فلما كان العام التالى ُأسقط في أيديهم فليس لديهم ما ينفقونه، فكانت ذروة الأزمة في القصة القصيرة (قال الشيخ تمام: يعنى يفوت رمضان كده سكيتى .. دى ما حصلتش في كفرنا من عشرين سنة .. ما تشوفوا لكم تدبيرة)، وكانت لحظة التنوير بالاشتراك مع أهالى كفر حتاته (ونحط اللي معانا على اللي معاهم، ونجيب الشيخ عبدالباسط) ثم حل مشكلة أخرى، في أي قرية تكون السهرة كل يوم؟ فكان الحل السهرة بالتناوب بين القريتين يوم هنا ويوم هناك، وظهرت المشكلة الثالثة في أي قرية تكون سهرة ليلة القدر فكان الحل: (اللي يجى عليه الدور في ليلة القدر تبقى السهرة عنده) وتمت في القصة طقوس التفاوض النبيل وكانت الخاتمة الرائعة (وعندما انتهى الشهر المبارك .. عقدت خمس زيجات بين كفر ممونة وكفر حتاتة).
وفي القصة جملة قيم إدارية نابهة ومنها تفتيت المشكلة الكبيرة إلى مشكلات فرعية، أو الهدف الكبير لأهداف جزئية، وتثمين طريقة التفكير العلمي لحل المشكلات، والمراجحة بين البدائل المتاحة لاختيار أفضلها، وقيمة التآزر في الخير وبركته وضم الجهود والموارد، كما أن النص يؤيد فكرة أن النص الأدبي في حقيقته وثيقة جمالية بطبيعة الحال، لكن الفن دليل لكون النص وثيقة اجتماعية وشعبية بامتياز أيضًا، حيث كان تنعم الأهالي قديمًا بتلاوات القرآن الكريم في سهرات رمضانية حاشدة يستضيف فيها السراة بالقرى والمدن المصرية المقرئين لإحياء هذه الليالي المضيئة، بما يؤكد أن تلك اللمحات الروائية الرمضانية شارحة لخصوصية رمضان في بيئة من البيئات.
ويقدم الكاتب فؤاد مرسي في معجمه الرمضاني قوله: "رواية الشمندورة للأديب النوبي محمد خليل قاسم التي تعد مرجعًا يمكن من خلاله قراءة كيفية احتفال النوبيين بشهر رمضان قبل التهجير، مما يمكن الباحث الاجتماعي والتاريخي في هذا الشأن من الوقوع على مادة ثرية تمثل واحدة من المداخل إلى الشخصية النوبية".
وهناك عشرات اللوامح الرمضانية في عشرات الروايات والقصص القصيرة، منها رواية "خان الخليلي" لنجيب محفوظ، وكتابات روائية لعبدالمنعم شلبي، وسمير عبدالفتاح، وباكثير في روايته "وإاسلاماه"، ورواية "لا أحد ينام في الاسكندرية" لإبراهيم عبدالمجيد، وعودة الروح لتوفيق الحكيم، وقصة قصيرة معنونة "رمضان" ليوسف إدريس، ورواية "محب" لعبدالفتاح الجمل، والرواية القصيرة "قنديل أم هاشم" ليحيى حقى، وقصص قصيرة لإبراهيم المصري، ومحمود البدوي.
وفي الحكي الساخر حكاية "توفيدا جابلر" في إطار نقدي اجتماعي مرح، للأديب يوسف عوف من كتابه "هموم ضاحكة" ينتقد فيه ظاهرة الاحتفاء بالطعام بدلًا من الصيام في شهر رمضان، حيث إن كميات الطعام على موائد رمضان لأسرة واحدة مصرية تكفي لإطعام عشرات الأسر، كما أنها أطعمة دسمة للغاية، فكأن الإحتفاء بالشهر يقتصر فقط علي الطعام. وغيرها من عشرات السرود.
ومن السرود الخالصة التي تناولت الرمضانيات، "مذكرات صائم" لأحمد بهجت والصادر عام 1990، وهى من وجهة نظرى رواية سيرية أو لون يقع بين السيرة الذاتية والرواية، حيث لا يمكن للقارئ الوقوف على المكون الخيالي مستقلًا عن المكون المرجعي، وإن كان الجانب التوثيقي مال لناحية سرد عادات وتقاليد وطقوس الشهر الفضيل العمومية، مثل إجراءات رؤية الهلال، ومدفع الإفطار، والسهرات الرمضانية، وطبيعة الشعب المصري الخيرة بالشهر، وعالم الوظيفة في رمضان، وضمت أيضًا ومضات نفسية حول حلاوة الطاعة وتذوقها في رمضان، وغواية النفس وألفة العادات وغيره، وإن كان الإطار أو الخلفية أتت عبر عمود فقري صوفي يناسب السرد. لذلك أتت في النسيج السردي عبارات رائقة، منها:
ليلة القدر الحقيقية أمامنا في كل وقت
"وفي شهر رمضان .. أشعر أن كل شيء في الدنيا يقوم على الحب، وهو الناموس المسيطر الحاكم في الدنيا وإن أفسده الناس بالكراهية والرحيل".
"لماذا نصوم؟ إن الصوم في حقيقته نوع من الحب. هو العبادة الوحيدة التي لا تظهر علي صاحبها في شكل طقوس أو حركات".
ولم ينس المؤلف طبيعته الساخره المحبوبة: "نحن في انتظار مدفع الإفطار .. أكبر أبنائي ينظر في ساعة الحائط ويكاد يدفع بنظراته عقارب الساعة .. تأملت مائدة الطعام على المائدة أهداف استراتيجية كاللحم والبطاطس وأهداف تكتيكية كالفول والسلطة وثمة أهداف تكميلية كالكنافة والقطايف".
وعمرت الرواية السيرية بفلسفات وتأملات مبهجة وحزينة أيضًا منها نعي ذاكرة للبهجة: "يجري شهر رمضان بسرعة الضوء هذه الأيام، فهل ذهبت البركة من الأيام". "لماذا يختلف شهر رمضان هذا العام عن شهور رمضان القديمة، كنت أجد حلاوة لرمضان في سن العشرين، ولا أجد له الآن نفس المذاق القديم أو الوهج .. هل تغير شهر رمضان. لم يتغير شهر رمضان أنا الذي تغيرت، ازددت ظلمة وسوءًا وخطايا ونفاقًا". وعن الذنوب تلك: "لماذا يبدأ مذاق الذنوب حلوًا في البداية، ثم ينتهي الحفل وتبدأ المرارة تشق طريقها إلى القلب، ثم تزيد جرعة الندم ويتحول الحلو إلى نبات الصبر المرير الذي يسقونه للمريض ولا شفاء".
لهذا كانت الأحزان، يقول: "كيف يتسع قلب في حجم قبضة اليد لأحزان في رحابة الأفق".
لكن يظل طوق نجاة بليلة مخصوصة رمضانية تورق بالحب هى ليلة القدر، يقول أحمد بهجت: "ليلة القدر، أفهم أنها الليلة التي نزل فيها القرآن. معنى ذلك أن ليلة القدر هي اللحظات التى بدأ فيها اتصال الإنسان بالملأ الأعلى عن طريق القرآن، وهذا يعني أن ليلة القدر الحقيقية أمامنا في كل وقت .. هي القرآن، لو اتصلنا به وعرفناه فقد بدأت ليلة القدر الخاصة بنا".
وتظل اللغة ويظل الحب، يقول: "عندما تكتب اللغة .. عندما تولد الحروف تولد أضواء الحضارة .. وُيولد الحب .. وتولد الفنون والآداب ".


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.