أخبار مصر اليوم: السيسي يفتتح محطتي محولات كهرباء الزقازيق وروافع رشيد 2.. تعديل مواعيد مترو الخط الثالث بسبب مباراة الأهلي والزمالك.. موعد صرف منحة السيسي للعمالة غير المنتظمة    القابضة للمياه: انعقاد الجمعيات العامة ل6 شركات لاعتماد القوائم المالية ومتابعة خطط تطوير الأداء    السفارة الأمريكية لدى بيروت: لبنان أمام مفترق طرق ولديه فرصة تاريخية لاستعادة السيادة    وكالة الأنباء الإيرانية: تفعيل الدفاعات الجوية في سماء طهران    قلق صهيوني مستمر من تقارب إقليمي يضم مصر وتركيا .. ومراقبون: عقل الدولة أولويات استراتيجية    نشرة الرياضة ½ الليل| اعتزال الأحمر.. قائمة الأهلي.. خطاب إلغاء الهبوط.. تذاكر مجانية.. واشتباكات قوية    يورتشيتش يعلن قائمة بيراميدز في مواجهة إنبي    ترامب: لا أمانع بأن تشارك إيران في كأس العالم 2026 بأمريكا    لاعبان المشروع القومي للمصارعة فى أسيوط يحققان ثنائية ذهبية وبرونزية فى بطولة افريقيا    إصابة 5 أشخاص في انقلاب سيارة بمطروح    موظف يقتل زوجته ويصيب طفلتيه بسكين بسوهاج بسبب الخلافات الأسرية    أندرو محسن يدير مناقشات صناع الأفلام بمهرجان الإسكندرية للفيلم القصير    هل تصوير الناس دون إذن ونشره على مواقع التواصل حرام؟ أمين الفتوى يجيب (فيديو)    رئيس جامعة العريش يستعرض تقرير خطة العمل أمام الأعلى للجامعات    "متحدث فتح": المستوطنون أصبحوا جزءًا من منظومة الاحتلال    ترامب يهنئ الزيدي على تكليفه بتشكيل الحكومة العراقية الجديدة    إشادة واسعة| بنك saib يصل إلى 700 شاب في ملتقى توظيفي ضخم    وزير السياحة يبحث مع سفير فرنسا بالقاهرة تعزيز التعاون المشترك    محافظ الشرقية: محطة محولات الزقازيق الجديدة نقلة نوعية لدعم استقرار الكهرباء وخطط التنمية    ميناء دمياط يستقبل 7 سفن وسفينة حاويات عملاقة خلال 24 ساعة    عبدالحميد بسيوني: الزمالك يمتلك أفضلية هجومية عن الأهلي    غيابات الأهلي أمام الزمالك في القمة 132 بالدوري المصري    محافظ بورسعيد يتابع تطورات استاد المصري.. وتوجيهات بتسريع التنفيذ    منافس الزمالك، اتحاد العاصمة يفوز على شباب بلوزداد ويتوج بطلا لكأس الجزائر    «حياة كريمة» على رأس الأولويات وزير التخطيط يبحث مع «البنك الدولى» ملامح الخطة الاقتصادية    زيادة 100 جنيه في سعر الجرام | أسعار الذهب اليوم الخميس بالتعاملات المسائية    غلق طريق مصر أسوان الزراعى الغربى الاتجاه القادم من ميدان المنيب لمدة 10 أيام    ضبط نصف طن لحوم ودواجن غير صالحة للاستهلاك الآدمي في المنوفية    في أولى جولاته... وكيل الأزهر يلتقي محافظ أسوان لبحث تعزيز التعاون المشترك    تعاون مشترك بين مصر والولايات المتحدة في السياحة والآثار وترميم المواقع التاريخية    ليلة رقص معاصر بالعتبة    أحمد سعد يحتفل بعيد ميلاد ابنته على طريقته الخاصة.. صور    إسلام أبو المجد: الحصار البحري أداة ضغط هائلة لخنق الاقتصاد الإيراني    أخبار الفن اليوم.. شروط حضور حفل عمرو دياب في الجامعة الأمريكية غدا.. طرح البرومو الرسمي لفيلم "إذما".. محسن جابر: والدي من الضباط الأحرار    الأنبا بولا: قانون الأحوال الشخصية ليس «أوكازيون طلاق»    كيف استعد لرحلة الحج؟ أمين الفتوى يجيب بقناة الناس    وزير التموين يُصدر حركة تنقلات وتعيينات موسعة لتعزيز كفاءة الأداء والانضباط المؤسسي    مديرة صندوق الأمم المتحدة للسكان: نحتاج 198 مليون دولار لتمويل احتياجات غزة    عاجل.. سقوط دجال الغربية بعد ممارسة أعمال الشعوزة والعلاج الروحانى    بالتعاون مع إذاعة القرآن الكريم.. الأوقاف تعلن بدء مسابقة «أذان الحج»    وزارة الداخلية تمد مبادرة "كلنا واحد" وتوسع المنافذ استعدادًا لعيد الأضحى    تأجيل محاكمة المتهم بقتل مهندس كرموز في الإسكندرية ل24 مايو لفحص تقرير اللجنة الثلاثية    وزير الأوقاف يهنئ عمال مصر: «العمران ثلث الدين»    محافظ الدقهلية ومحافظ الشرقية يفتتحان مؤتمر الشرقية لأمراض الكلى بنادي جزيرة الورد بالمنصورة    عبدالرحيم علي: الاقتصاد الإيراني يخضع لحصار بحري مضاعف منذ تصعيد 2025    طريقة عمل كبدة الفراخ لغداء سريع التحضير واقتصادي آخر الشهر    «صناع الحاضر وبناة المستقبل».. السيسي يشاهد فيلم تسجيلي في حفل عيد العمال    فيلم إذما يطرح إعلانه الرسمي    محافظ الشرقية يشهد فعاليات القافلة الطبية المجانية بمركز شباب بردين    مع إخلاء سبيله.. حجز محاكمة علي أيوب بتهمة التشهير بوزيرة الثقافة للحكم 21 مايو    رئيس الوزراء يقرر منح الجنسية المصرية ل 48 شخصًا    «الأعلى للإعلام» يستدعي الممثل القانوني لموقع إخباري لنشره حوارا "مفبرك" ل ضياء رشوان    الصحة: فحص 2.127 مليون طالب بالصف الأول الإعدادي للكشف المبكر عن فيروس سي    قرارات استراتيجية جديدة لمجلس إدارة هيئة الرعاية الصحية | تفاصيل    تزامنا مع عيد العمال.. الأوقاف: العمل والسعي طريق بناء الحضارات    جيش الاحتلال: توقيف 21 سفينة من أصل 58 في الأسطول المتجه إلى غزة    بحضور يسرا.. العرض الخاص لفيلم "Devil wears Parada 2"    الأرصاد تحذر: شبورة كثيفة وطقس متقلب اليوم الخميس على أغلب الأنحاء    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



البحث عن الإنسان في الرواية
نشر في صوت البلد يوم 28 - 04 - 2019

يفتتح الناقد أحمد رجب شلتوت كتابه "فن البحث عن الإنسان.. قراءات في الرواية" والذي حلل فيه عشرين رواية عربية وغربية بحثا عن رؤى وأفكار وتجليات مؤلفيها حول الإنسان وما يعتمل فيه من عوالم وأسرار غامضة وفاتنة في آن واحد، مشيرا إلى أن الروائية الفرنسية الشهيرة كوليت أو "سيدوني جابرييل كوليت" حينما سئلت عن موضوعات رواياتها أجابت بجملة واحدة، قالت "أضع في رواياتي كل الحب الذي لم أستشعره والذي أتوق إليه". وهكذا أوحت بأنها تعتبر الكتابة عموما وكتابة الرواية خصوصا وسيلة لتعويضنا عما نفتقد.
وأضاف شلتوت في كتابه الصادر عن وكالة الصحافة العربية "ناشرون" أن ميلان كونديرا لم يبتعد كثيرا عما قصدته كوليت حينما ذكر في كتابه "فن الرواية": "إذا كان صحيحا أن الفلسفة والعلوم قد نسيا كينونة الإنسان، فإنه يظهر بوضوح أن فنا أوروبيا كبيرا قد تكون مع ثيربانتس، وما هذا الفن إلا سبر هذا الكائن المنسي". فقد أكد على التصاق الفن الروائي بالإنسان، سواء بسبر أغواره أو بصنع حياة جديدة بالنسبة له، لهذا شبه أورهان باموك كتابة الرواية بصنع الأحلام، قال عنها "الروايات حياة ثانية مثل الأحلام، تكشف لنا الروايات الألوان والتعقيدات في حياتنا، وهي مليئة بالناس، الوجوه، والأشياء التي نشعر بأننا نعرفها من قبل، تماماً مثل الأحلام، عندما نقرأ رواية نتصور أنفسنا في وسط الأحداث الخيالية والشخصيات، نشعر بأن عالم الرواية هو أكثر واقعية من الواقع نفسه، غالباً ما يعني هذا أننا نستعيض بالرواية عن الواقع، أو على الأقل نخلط بين الروايات والواقع، ولكننا لا نتذمر من هذا الوهم نحن نريد للرواية أن تستمر ونأمل بأن هذه الحياة الثانية تظل تستحضر فينا مشاعر متناغمة مع الواقع، والحقيقة بصرف النظر عن وعينا بالدور الذي يلعبه الخيال إلا أننا ننزعج إذا فشلت الرواية في تعزيز تصورنا بأنها حياة حقيقية بالفعل، فالإبداع الروائي يعتمد على قدرتنا على تصديق حالات متناقضة في وقت واحد".
ورأى شلتوت أن باموك هنا يلمس المشترك بين كاتب الرواية وقارئها، فالمبدع الحقيقي يحرص دائما على امتلاك رؤية خاصة للعالم بحيث تتحول الكتابة عنده إلى ترجمة لهذه الرؤية ومفتاح لفهمها. ولعل قراءة الرواية حتى وإن منحت قارئها قدرا من المتعة والتسلية إلا أنها لا تستهدف ذلك فقط، فهي في جوهرها وسيلة لتدبر العالم وللتفكير في ماهيته كما يراها المبدع.
ووفقا لتحليله وقراءاته لعالم الروايات أكد شلتوت أن الرواية بالنسبة لكاتبها وقارئها هي فن البحث عن الإنسان، فقد اكتشفت الرواية بطريقتها الخاصة، وعبر مسارات تطورها الأبعاد المختلفة للحياة واحدا إثر الآخر، فاستقصت عند نشوئها على يد ثربانتس طبيعة المغامرة البشرية، ثم غاصت في مرحلة تالية داخل الإنسان كاشفة عن الحياة السرية للمشاعر البشرية، ومع جوستاف فلوبير حطت على أرض الحياة اليومية، ثم تسبر أغوار الزمن مع بروست وجويس، ومع آخرين تبحث في التاريخ أو تستلهم الأساطير، وهكذا صاحبت الرواية الإنسان في كل تجلياته، وهي أيضا تشبه الإنسان في قدرته على التطور والتجدد والاستمرار، لذلك تمنح نفسها دائما حيوات جديدة، فمنذ أكثر من نصف قرن تنبأ الناقد الأميركي فرانك كيرمود بموتها، عندما نشر مقالة بعنوان (حياة الرواية وموتها) بتاريخ 28 أكتوبر/تشرين الأول 1965، قال فيها "إن القدر الخاص للرواية باعتبارها نوعاً أدبياً هو أن تنتهي دوماً إلى حالة الاحتضار، والسبب الجوهري وراء هذا الأمر هو الإدراك الواعي والدائم لدى الروائيين والقرّاء الأكثر ذكاءً بتلك الفجوة المحشوةّ سخفاً والتي لا تنفكّ تتّسع بين العالم على الشاكلة التي يبدو بها لنا وبين ذلك العالم المفترض في الروايات".
ولفت شلتوت إلى أن الناقدة الفرنسية "ايزابيل هوسير" منذ عشر سنوات أكدت على أن القرن الحالي الحادي والعشرون سيشهد موت الرواية نتيجة تراجع الجانب المتخيل فيها لصالح الجانب العقلي والواقعي. أضافت قائلة "شهد القرن السابع عشر تغيراً كبيراً في شكل الرواية ومضمونها، حيث انحسرت الروايات البطولية لتنتشر الروايات الصغيرة ذات الطابع الغرامي، وبدأت قواعد علم الجمال تحل محل الخيال، وتم تقليص الرواية وتأطيرها من خلال إضافة مقدمة ونص حواشي لها إضافة إلى تحديد موضوعاتها".
وخلصت في النهاية إلى أن الرواية لن تستمر بالتأقلم مع الحداثة بشكلها الحالي، وقد تختفي كما اختفت الملحمة، غير أن المتخيل قد يأخذ شكلاً جديداً بعيداً عن الرواية الحالية مشيرة إلى أن إلانسان لا يستطيع الحياة دون وجود جانب تخيلي في حياته.
وأضاف أن كل من كيرمود وهوسير أكدا نبوءة موت الرواية بثقة عراف يحدق في بللورة سحرية تنبئه بما سيحدث في المستقبل، لكن بللورتهما أضلتهما فها هي السنوات تمر، والرواية تواصل ازدهارها، هما فقط لم ينتبها لقدرة الفن الروائي على التطور والاحتواء، فالرواية هي الجنس الأدبي الوحيد القادر على استيعاب الأجناس الأخرى مثل المسرح والشعر، والفنون الأخرى مثل الرسم والنحت والموسيقى، كما أنها في النهاية إبداع إنساني فردي، لا يتأثر بأي تحول يمكن أن يطال أشكال العلاقات دائمة التغير بين البشر.
ورأى شلتوت أن قراءة الروايات تمنح القارئ ما لا تمنحه الأنواع الأخرى، فهي مستودع أشياء كثيرة "شخصيات وأماكن وأزمنة وأحداث وتحولات تاريخية وجيوسياسية وطبيعية، وصراعات تاريخية وشخصية ونفسية، وفنون، وأفكار وشعر وبلاغة ورموز، الخ". تطوي بين جناحيها العالم وتنظمّه وتحلّق به. بحثا عن الإنسانية المطمورة تحت طبقات وطبقات من أتربة راكمتها قسوة ظروف الحياة. حينئذ يمكن أن تتحقق متعة القراءة التي وصفها أورهان باموك بأنها "تبدأ من قابلية رؤية العالم، ليس من الخارج، ولكن من خلال عيون الشخصيات التي تستوطن ذلك العالم، عندما نشعر بأن المشهد داخل الرواية هو امتداد، جزء من الحالة النفسية لشخصيات الرواية، ندرك بأننا اندمجنا مع الشخصيات بانتقال سلس، فالرؤية العميقة للحياة التي يرغب الروائي في عرضها تبرز من خلال الأحداث والشكل العام والشخصيات، كلها تتطور عندما تكتب الرواية".
الرواية إذن كالعنقاء تولد من رمادها، وكلما تحدث أحدهم عن موت وشيك لها فاجأته بازدهار جديد، وبربيع متجدد.
صيدلية روائية
ووأوضح شلتوت أن كتابه يشكل باقة مقطوفة من زهور ذلك الربيع المتجدد أبدا، ومهداة لمن يبحثون عن الإنسان المتواري خلف ركام مصاعب الحياة ومشاقها، وفصوله كلها قراءات لنماذج روائية سبق نشرها في دوريات وصحف عربية، فلعل نشرها مجتمعة يجدد شذاها .
وقال "الروايات التي يتعرض لها الكتاب تمت قراءتها وفق هذا الفهم أي بحثا عن الإنسان فيها، فروايات هرمان هيسة كتبها تحت تأثير التناقض بين رغبتيه في البوح وفي الاختباء، لذلك اتخذ اسما مستعارا اتخذه لنفسه عند بدء حياته الأدبية هو "إميل سنكلير" وقع به قصائده ومقالاته الأولى التي نشرها وقت الحرب العالمية الأولى، وهو نفسه الاسم الذي ظهرت به الطبعة الأولى من روايته "دميان"، ويعرف أيضا أن شخصيات رواياته كانت أقنعة له، فاسمه "هرمان هسة" يحيل إلى "ه . ه" في "رحلة إلى الشرق"، و"هاري هالر" في "ذئب البوادي"، و"هيرمان هالنر" في "تحت العجلة"، لعبة الكريات الزجاجية. فكأنه كان يكتب نفسه لكن الرغبة في الاختفاء عن القراء دفعته لاتخاذ اسم مستعار يتخفى خلفه، فكأنه كان يكتب نفسه لكن الرغبة في الاختفاء عن القراء دفعته لاتخاذ اسم مستعار يتخفى خلفه، فرغبة الكاتب في غيابه الجسدي تمثل المضمون الحقيقي لقصة حياة هرمان هسة.
ومن خلال قراءة رواية مشوار المشي لروبرت فالزر، يعرض لمأساة كاتبها الذي مات كبطل إحدى رواياته وحيدا إثر مشوار مشي. ومن روائيي مطلع القرن العشرين إلى روائيي القرن الجديد يبحث عن الإنساني في رواية "يتحدثون بمفردهم" للكاتب الأرجنتيتي أندريس نيومان، التي تحدثنا عبر ثلاثة أصوات عن الموت، وكيفية التعامل معه كشيء على وشك الحدوث ليس فقط لشخص نحبه، بل على نحو ما موت معنوي لمن يعايشونه أيضا.
ومن بين الروايات العربية الحديثة التي توقف عندها شلتوت كانت أحدث روايات واسيني الأعرج "ليالي إيزيس كوبيا.. ثلاثة مئة ليلة وليلة في جحيم العصفورية"، حيث يسرد حكايات مي زيادة لتكشف عن تاريخها الشخصي، وأيضاً عن الظلم الاجتماعي الذي تعرضت له من أهلها وأصدقائها والجماعة الثقافية التي باعتها، وتنتهي رحلة حياة وصفتها الرواية بأنها: "جزء من حياتنا العربية المقهورة اليوم، منحناه كل سبل الاستمرار المتخلف والمتطرف أيضاً، لتصبح أجسادنا وقوده وجمره ثم رماده المثقل بصرخاتنا الأخيرة".
كذلك يتوقف كثيرا عند معضلة الهوية من خلال رواية "قيد الدرس" للروائية اللبنانية لنا عبدالرحمن التي التقطت شخصيات روايتها ممن يعانون الشتات واقتلاع الجذور ويحيون بلا هوية. وإذا كانت شخصيات لنا عبدالرحمن تبحث عن هوية فشخصيات عمار على حسن يبحثون عن "خبيئة العارف"، بينما بطلها الذي يرحل في المكان تقصيا لحكايات وأخبار تعينه في الوصول إلى الكنز، لكنه يلحظ أن حُمَّى نبش المقابر، وحفر الأرض، بحثاً عن المخبوء في باطنها لا تصل إلى شيء ويكتشف أن كنزه في قلبه. على العكس من نيكولا في رواية صبري موسى "فساد الأمكنة" حيث يهرب من صخب وفساد المدن ويلوذ بنقاء وسكون جبل الدرهيب. لكنه يحمل هو وكل من لاذ بالمكان بذرة الفساد بداخله.
وأضاف شلتوت "هكذا تتواتر الروايات وتتوالى القراءات فنلتقي بشخصيات حقيقية كمارسيل بروست وجيمس جويس في رواية "ليلة العالم" للبلجيكي باتريك روجيه، أو شاوشيسكو في رواية تتناول أيامه الأخيرة، والعقيد القذافي قبيل سقوطه في رواية ياسمينا خضرا "ليلة الريس الأخيرة"، كما نلتقي بشخصيات متخيلة في روايات رزان المغربي وناصر عراق ووائل وجدي وغيرهم ممن يبحثون عن الإنسان في نصوصهم الروائية.
وينهي شلتوت كتابه بفصل عن صيحة التداوي بالرواية السائدة في الغرب في السنوات الأخيرة، وقال "أثبتت دراسات العلاج بالرواية أو العلاج بالسرد أن الإنسان يتحسن حاله بقراءة الروايات، فالقراءة تمكنه من إدراك الأشياء بشكل أفضل. والروايات على وجه الخصوص يمكن أن تجعله أكثر ثقة من الناحية الاجتماعية. وكان إريك فروم سباقا في هذا المجال حينما إقترح دراسة بعض النصوص الأدبية لبلزاك، ودوستويفسكي، وكافكا؛ لاكتشاف فهم عميق للإنسان، قد لا يتوفر بالقدر نفسه في كتب التحليل النفسي، لكن كتاب العلاج بالرواية لمؤلفتيه إلآ برثود وسوزان إلدركن هو الأول في مجاله، ويقدم صيدلية روائية اعتمادا على نتائج بحث وممارسات فعلية لمدة تقارب الربع قرن".
يفتتح الناقد أحمد رجب شلتوت كتابه "فن البحث عن الإنسان.. قراءات في الرواية" والذي حلل فيه عشرين رواية عربية وغربية بحثا عن رؤى وأفكار وتجليات مؤلفيها حول الإنسان وما يعتمل فيه من عوالم وأسرار غامضة وفاتنة في آن واحد، مشيرا إلى أن الروائية الفرنسية الشهيرة كوليت أو "سيدوني جابرييل كوليت" حينما سئلت عن موضوعات رواياتها أجابت بجملة واحدة، قالت "أضع في رواياتي كل الحب الذي لم أستشعره والذي أتوق إليه". وهكذا أوحت بأنها تعتبر الكتابة عموما وكتابة الرواية خصوصا وسيلة لتعويضنا عما نفتقد.
وأضاف شلتوت في كتابه الصادر عن وكالة الصحافة العربية "ناشرون" أن ميلان كونديرا لم يبتعد كثيرا عما قصدته كوليت حينما ذكر في كتابه "فن الرواية": "إذا كان صحيحا أن الفلسفة والعلوم قد نسيا كينونة الإنسان، فإنه يظهر بوضوح أن فنا أوروبيا كبيرا قد تكون مع ثيربانتس، وما هذا الفن إلا سبر هذا الكائن المنسي". فقد أكد على التصاق الفن الروائي بالإنسان، سواء بسبر أغواره أو بصنع حياة جديدة بالنسبة له، لهذا شبه أورهان باموك كتابة الرواية بصنع الأحلام، قال عنها "الروايات حياة ثانية مثل الأحلام، تكشف لنا الروايات الألوان والتعقيدات في حياتنا، وهي مليئة بالناس، الوجوه، والأشياء التي نشعر بأننا نعرفها من قبل، تماماً مثل الأحلام، عندما نقرأ رواية نتصور أنفسنا في وسط الأحداث الخيالية والشخصيات، نشعر بأن عالم الرواية هو أكثر واقعية من الواقع نفسه، غالباً ما يعني هذا أننا نستعيض بالرواية عن الواقع، أو على الأقل نخلط بين الروايات والواقع، ولكننا لا نتذمر من هذا الوهم نحن نريد للرواية أن تستمر ونأمل بأن هذه الحياة الثانية تظل تستحضر فينا مشاعر متناغمة مع الواقع، والحقيقة بصرف النظر عن وعينا بالدور الذي يلعبه الخيال إلا أننا ننزعج إذا فشلت الرواية في تعزيز تصورنا بأنها حياة حقيقية بالفعل، فالإبداع الروائي يعتمد على قدرتنا على تصديق حالات متناقضة في وقت واحد".
ورأى شلتوت أن باموك هنا يلمس المشترك بين كاتب الرواية وقارئها، فالمبدع الحقيقي يحرص دائما على امتلاك رؤية خاصة للعالم بحيث تتحول الكتابة عنده إلى ترجمة لهذه الرؤية ومفتاح لفهمها. ولعل قراءة الرواية حتى وإن منحت قارئها قدرا من المتعة والتسلية إلا أنها لا تستهدف ذلك فقط، فهي في جوهرها وسيلة لتدبر العالم وللتفكير في ماهيته كما يراها المبدع.
ووفقا لتحليله وقراءاته لعالم الروايات أكد شلتوت أن الرواية بالنسبة لكاتبها وقارئها هي فن البحث عن الإنسان، فقد اكتشفت الرواية بطريقتها الخاصة، وعبر مسارات تطورها الأبعاد المختلفة للحياة واحدا إثر الآخر، فاستقصت عند نشوئها على يد ثربانتس طبيعة المغامرة البشرية، ثم غاصت في مرحلة تالية داخل الإنسان كاشفة عن الحياة السرية للمشاعر البشرية، ومع جوستاف فلوبير حطت على أرض الحياة اليومية، ثم تسبر أغوار الزمن مع بروست وجويس، ومع آخرين تبحث في التاريخ أو تستلهم الأساطير، وهكذا صاحبت الرواية الإنسان في كل تجلياته، وهي أيضا تشبه الإنسان في قدرته على التطور والتجدد والاستمرار، لذلك تمنح نفسها دائما حيوات جديدة، فمنذ أكثر من نصف قرن تنبأ الناقد الأميركي فرانك كيرمود بموتها، عندما نشر مقالة بعنوان (حياة الرواية وموتها) بتاريخ 28 أكتوبر/تشرين الأول 1965، قال فيها "إن القدر الخاص للرواية باعتبارها نوعاً أدبياً هو أن تنتهي دوماً إلى حالة الاحتضار، والسبب الجوهري وراء هذا الأمر هو الإدراك الواعي والدائم لدى الروائيين والقرّاء الأكثر ذكاءً بتلك الفجوة المحشوةّ سخفاً والتي لا تنفكّ تتّسع بين العالم على الشاكلة التي يبدو بها لنا وبين ذلك العالم المفترض في الروايات".
ولفت شلتوت إلى أن الناقدة الفرنسية "ايزابيل هوسير" منذ عشر سنوات أكدت على أن القرن الحالي الحادي والعشرون سيشهد موت الرواية نتيجة تراجع الجانب المتخيل فيها لصالح الجانب العقلي والواقعي. أضافت قائلة "شهد القرن السابع عشر تغيراً كبيراً في شكل الرواية ومضمونها، حيث انحسرت الروايات البطولية لتنتشر الروايات الصغيرة ذات الطابع الغرامي، وبدأت قواعد علم الجمال تحل محل الخيال، وتم تقليص الرواية وتأطيرها من خلال إضافة مقدمة ونص حواشي لها إضافة إلى تحديد موضوعاتها".
وخلصت في النهاية إلى أن الرواية لن تستمر بالتأقلم مع الحداثة بشكلها الحالي، وقد تختفي كما اختفت الملحمة، غير أن المتخيل قد يأخذ شكلاً جديداً بعيداً عن الرواية الحالية مشيرة إلى أن إلانسان لا يستطيع الحياة دون وجود جانب تخيلي في حياته.
وأضاف أن كل من كيرمود وهوسير أكدا نبوءة موت الرواية بثقة عراف يحدق في بللورة سحرية تنبئه بما سيحدث في المستقبل، لكن بللورتهما أضلتهما فها هي السنوات تمر، والرواية تواصل ازدهارها، هما فقط لم ينتبها لقدرة الفن الروائي على التطور والاحتواء، فالرواية هي الجنس الأدبي الوحيد القادر على استيعاب الأجناس الأخرى مثل المسرح والشعر، والفنون الأخرى مثل الرسم والنحت والموسيقى، كما أنها في النهاية إبداع إنساني فردي، لا يتأثر بأي تحول يمكن أن يطال أشكال العلاقات دائمة التغير بين البشر.
ورأى شلتوت أن قراءة الروايات تمنح القارئ ما لا تمنحه الأنواع الأخرى، فهي مستودع أشياء كثيرة "شخصيات وأماكن وأزمنة وأحداث وتحولات تاريخية وجيوسياسية وطبيعية، وصراعات تاريخية وشخصية ونفسية، وفنون، وأفكار وشعر وبلاغة ورموز، الخ". تطوي بين جناحيها العالم وتنظمّه وتحلّق به. بحثا عن الإنسانية المطمورة تحت طبقات وطبقات من أتربة راكمتها قسوة ظروف الحياة. حينئذ يمكن أن تتحقق متعة القراءة التي وصفها أورهان باموك بأنها "تبدأ من قابلية رؤية العالم، ليس من الخارج، ولكن من خلال عيون الشخصيات التي تستوطن ذلك العالم، عندما نشعر بأن المشهد داخل الرواية هو امتداد، جزء من الحالة النفسية لشخصيات الرواية، ندرك بأننا اندمجنا مع الشخصيات بانتقال سلس، فالرؤية العميقة للحياة التي يرغب الروائي في عرضها تبرز من خلال الأحداث والشكل العام والشخصيات، كلها تتطور عندما تكتب الرواية".
الرواية إذن كالعنقاء تولد من رمادها، وكلما تحدث أحدهم عن موت وشيك لها فاجأته بازدهار جديد، وبربيع متجدد.
صيدلية روائية
ووأوضح شلتوت أن كتابه يشكل باقة مقطوفة من زهور ذلك الربيع المتجدد أبدا، ومهداة لمن يبحثون عن الإنسان المتواري خلف ركام مصاعب الحياة ومشاقها، وفصوله كلها قراءات لنماذج روائية سبق نشرها في دوريات وصحف عربية، فلعل نشرها مجتمعة يجدد شذاها .
وقال "الروايات التي يتعرض لها الكتاب تمت قراءتها وفق هذا الفهم أي بحثا عن الإنسان فيها، فروايات هرمان هيسة كتبها تحت تأثير التناقض بين رغبتيه في البوح وفي الاختباء، لذلك اتخذ اسما مستعارا اتخذه لنفسه عند بدء حياته الأدبية هو "إميل سنكلير" وقع به قصائده ومقالاته الأولى التي نشرها وقت الحرب العالمية الأولى، وهو نفسه الاسم الذي ظهرت به الطبعة الأولى من روايته "دميان"، ويعرف أيضا أن شخصيات رواياته كانت أقنعة له، فاسمه "هرمان هسة" يحيل إلى "ه . ه" في "رحلة إلى الشرق"، و"هاري هالر" في "ذئب البوادي"، و"هيرمان هالنر" في "تحت العجلة"، لعبة الكريات الزجاجية. فكأنه كان يكتب نفسه لكن الرغبة في الاختفاء عن القراء دفعته لاتخاذ اسم مستعار يتخفى خلفه، فكأنه كان يكتب نفسه لكن الرغبة في الاختفاء عن القراء دفعته لاتخاذ اسم مستعار يتخفى خلفه، فرغبة الكاتب في غيابه الجسدي تمثل المضمون الحقيقي لقصة حياة هرمان هسة.
ومن خلال قراءة رواية مشوار المشي لروبرت فالزر، يعرض لمأساة كاتبها الذي مات كبطل إحدى رواياته وحيدا إثر مشوار مشي. ومن روائيي مطلع القرن العشرين إلى روائيي القرن الجديد يبحث عن الإنساني في رواية "يتحدثون بمفردهم" للكاتب الأرجنتيتي أندريس نيومان، التي تحدثنا عبر ثلاثة أصوات عن الموت، وكيفية التعامل معه كشيء على وشك الحدوث ليس فقط لشخص نحبه، بل على نحو ما موت معنوي لمن يعايشونه أيضا.
ومن بين الروايات العربية الحديثة التي توقف عندها شلتوت كانت أحدث روايات واسيني الأعرج "ليالي إيزيس كوبيا.. ثلاثة مئة ليلة وليلة في جحيم العصفورية"، حيث يسرد حكايات مي زيادة لتكشف عن تاريخها الشخصي، وأيضاً عن الظلم الاجتماعي الذي تعرضت له من أهلها وأصدقائها والجماعة الثقافية التي باعتها، وتنتهي رحلة حياة وصفتها الرواية بأنها: "جزء من حياتنا العربية المقهورة اليوم، منحناه كل سبل الاستمرار المتخلف والمتطرف أيضاً، لتصبح أجسادنا وقوده وجمره ثم رماده المثقل بصرخاتنا الأخيرة".
كذلك يتوقف كثيرا عند معضلة الهوية من خلال رواية "قيد الدرس" للروائية اللبنانية لنا عبدالرحمن التي التقطت شخصيات روايتها ممن يعانون الشتات واقتلاع الجذور ويحيون بلا هوية. وإذا كانت شخصيات لنا عبدالرحمن تبحث عن هوية فشخصيات عمار على حسن يبحثون عن "خبيئة العارف"، بينما بطلها الذي يرحل في المكان تقصيا لحكايات وأخبار تعينه في الوصول إلى الكنز، لكنه يلحظ أن حُمَّى نبش المقابر، وحفر الأرض، بحثاً عن المخبوء في باطنها لا تصل إلى شيء ويكتشف أن كنزه في قلبه. على العكس من نيكولا في رواية صبري موسى "فساد الأمكنة" حيث يهرب من صخب وفساد المدن ويلوذ بنقاء وسكون جبل الدرهيب. لكنه يحمل هو وكل من لاذ بالمكان بذرة الفساد بداخله.
وأضاف شلتوت "هكذا تتواتر الروايات وتتوالى القراءات فنلتقي بشخصيات حقيقية كمارسيل بروست وجيمس جويس في رواية "ليلة العالم" للبلجيكي باتريك روجيه، أو شاوشيسكو في رواية تتناول أيامه الأخيرة، والعقيد القذافي قبيل سقوطه في رواية ياسمينا خضرا "ليلة الريس الأخيرة"، كما نلتقي بشخصيات متخيلة في روايات رزان المغربي وناصر عراق ووائل وجدي وغيرهم ممن يبحثون عن الإنسان في نصوصهم الروائية.
وينهي شلتوت كتابه بفصل عن صيحة التداوي بالرواية السائدة في الغرب في السنوات الأخيرة، وقال "أثبتت دراسات العلاج بالرواية أو العلاج بالسرد أن الإنسان يتحسن حاله بقراءة الروايات، فالقراءة تمكنه من إدراك الأشياء بشكل أفضل. والروايات على وجه الخصوص يمكن أن تجعله أكثر ثقة من الناحية الاجتماعية. وكان إريك فروم سباقا في هذا المجال حينما إقترح دراسة بعض النصوص الأدبية لبلزاك، ودوستويفسكي، وكافكا؛ لاكتشاف فهم عميق للإنسان، قد لا يتوفر بالقدر نفسه في كتب التحليل النفسي، لكن كتاب العلاج بالرواية لمؤلفتيه إلآ برثود وسوزان إلدركن هو الأول في مجاله، ويقدم صيدلية روائية اعتمادا على نتائج بحث وممارسات فعلية لمدة تقارب الربع قرن".


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.