تعيش اليمن اليوم واحدة من أخطر مراحل تاريخها الحديث، حيث تتشابك التدخلات الإقليمية والدولية مع صراعات الداخل، في مشهد يعيد إلى الأذهان محاولات تقسيمها السابقة، وكأن الوطن العربي المنهك يدفع دفعا نحو تفكيك جديد، هو الثالث في عمر الدولة اليمنية. منذ اندلاع الحرب، تحولت اليمن إلى ساحة مفتوحة لتصفية الحسابات، فتناثرت الولاءات بين قوى محلية مسلحة، وميليشيات متناحرة، وأطراف خارجية وجدت في الجغرافيا اليمنية موقعا استراتيجيا لا يقدر بثمن. شمال تحكمه جماعة، وجنوب تتنازعه مشاريع انفصالية، ووسط يتآكل تحت وطأة الفقر والسلاح، بينما الدولة تتراجع خطوة بعد خطوة. #التدخلات_وصناعة_التقسيم لم يعد الصراع في اليمن يقتصر على خلاف سياسي داخلي، بل صار نموذجا صارخا لحروب الوكالة. قوى إقليمية تمد هذا الطرف بالسلاح، وتدعم ذاك سياسيا وإعلاميا، بينما القوى الدولية تراقب وتدير المشهد من خلف الستار، بما يضمن استمرار النزيف دون حسم. والنتيجة: يمن منهك، ممزق، تتراجع فيه فكرة الوطن الجامع لصالح الكيانات الصغيرة المتناحرة. ويحذر مراقبون من أن ما يجري اليوم يمهد لتقسيم فعلي، لا يعلن رسميا، لكنه يفرض على الأرض؛ تقسيم ترسم حدوده بالدم، وتثبت ملامحه بالفقر والحصار والتهجير. #مصر_واليمن_ذاكرة_الدور_القومي وفي خضم هذا المشهد القاتم، يطفو على السطح الدور المصري التاريخي في اليمن، أيام الزعيم الخالد جمال عبد الناصر، حين لم تنظر مصر إلى اليمن باعتبارها ساحة نفوذ، بل بوصفها عمقا عربيا لا يجوز تركه فريسة للرجعية والاستعمار. كانت رؤية عبد الناصر واضحة.. أمن اليمن من أمن مصر، واستقراره جزء لا يتجزأ من مشروع التحرر العربي. فأرسل جنود مصر ليقفوا إلى جوار الشعب اليمني، دفاعا عن حقه في الجمهورية والاستقلال، لا بحثا عن ثروة أو نفوذ، بل إيمانا بوحدة المصير. ورغم ما أثاره ذلك القرار من جدل وتكلفة، أثبتت الأيام صواب الرؤية.. فاليمن المستقر كان ولا يزال صمام أمان للمنطقة، وبوابة جنوبية للأمن القومي العربي، خاصة فيما يتعلق بالبحر الأحمر ومضيق باب المندب. #من_المستفيد؟ السؤال الذي يفرض نفسه اليوم؛ من المستفيد مما يحدث في اليمن؟ المستفيد الأول هو كل من يرى في تفتيت الدول العربية ضمانا لبقائه وهيمنته. المستفيد هو من يبيع السلاح ويغذي الصراعات، ومن يسعى للسيطرة على الممرات البحرية، ومن يخشى من قيام دولة عربية قوية على ضفاف البحر الأحمر. أما الخاسر الأكبر، فهو الشعب اليمني، الذي يدفع ثمن صراع لا ناقة له فيه ولا جمل، ويحرم من أبسط حقوقه في الأمن والغذاء والحياة الكريمة. #نهاية ما يحدث في اليمن اليوم ليس قدرا محتوما، بل نتيجة مباشرة لغياب مشروع عربي جامع، يشبه في روحه مشروع عبد الناصر، قائم على حماية الدولة الوطنية، لا تمزيقها. فاليمن، كما كان بالأمس، يظل اليوم مرآة لواقع الأمة.. إما أن تترك للتقسيم، أو تستعاد بوصفها جزءا أصيلا من الأمن القومي العربي، لا ساحة مفتوحة لتجارب الآخرين.