ترددت كثيرا قبل كتابتي لمقالتي هذه ، لأن البعض قد يلقون مضمون المقالة بنوع من الإزدراء وشيء من الاستخفاف ، أو السخرية والاستهزاء، وربما يتم اتهامي بالتطبيل تارة ، أو بالنفاق تارة أخري .. لكننى -أبرأ إلى الله – تعالى – من النفاق ، أو التطبيل ؛ فلم أمارسه في حياتي ، وما تعاملت به في كتاباتي ، عفاني الله وإياكم من أتباع “إبن سلول” لعل الجميع تابع صرخة المعلمين التى إنفجرت عبر مواقع التواصل الإجتماعي فور إنتهاء الفصل الدراسي الأول لهذا العام ، فقد دشن مئات الآلاف من المعلمين في مصر هاشتاج” تحت عنوان#المرتب #والمكافأة على أساس 2019، وقد تخطى الهاشتاج حاجز المليون نظرا لارتفاع أعداد المعلمين المشاركين في نشر الهاشتاج، وتنوعت الهاشتجات عبر جروبات مختلفة سواء على فيس بوك أو واتس آب، وكانت ابرز مطالب المعلمين تتلخص في ضرورة احتساب أجورهم على أساسي نفس هذا العام 2019 وليس على أساسي خمس سنوات ماضية لعام 2014 , حيث طالب المعلمون الدكتور “طارق شوقي” وزير التربية والتعليم بالعمل علي تحقيق العدالة للمعلم. وبعد جدل واسع وتصادم بين المعلمين من ناحية ، ووزارة التربية والتعليم من ناحية أخري ، إنتشرت على صفحات الفيس دعوات للتصعيد بسبب تجاهل مطالب المعلمين بأن تكون مرتباتهم ومكافآتهم على أساسي 2019، ونتيجة لتصريحات الوزير التي أصابت الجميع بالإحباط، وأشعلت حالة من الاحتقان بين صفوف المعلمين، دعا بعض المعلمين إلى الإضراب عن العمل في الفصل الدراسي الثاني الذي سيبدأ يوم السبت القادم 2/10 بالتأكيد : حق كل معلم فى الحصول على راتب وأجر عادل تسد حاجاته وتتناسب وما يقوم به من أعمال، وحق الاحتجاج بالطرق القانونية والتعبير عن الرأى للحصول على هذا الحق إذا ما قصرت وزارة التربية والتعليم تجاه موظفيها، فقد يلجاؤن للإضراب كوسيلة ضغط على الوزارة لتحقيق مطالبهم، دون الاعتداد لمصلحة التلاميذ، فالتدريس رسالة قبل أن يكون وظيفة، ومن ثم لا يجوز التخلى عنها أو التقصير فى أدائها مهما تكن الأسباب ما دام صاحبها قادرا على العمل والعطاء، حتى وإن بخست جهة العمل بعض حقه ، فقطاع التربية والتعليم من أكبر الفئات الوظيفية في مصر وعمله متعلق– أساساً – بكل هيئات المجتمع من أفراد ومؤسسات ، وذو أثر خطير على بناء الدولة الأخلاقي والاقتصادي وحتى أمنه واستقراره ، وهذا ليس خافياً على أحد ؛ على خلاف ما لو كان ذلك الأمر في قطاع مهني آخر أقلّ شأناً.. لا ينكر عاقل لِما للمعلمين من حقوق مادية و معنويّة ؛ وقد كتبت مرارا وتكرارا مقالات عدة في شأن المعلم وما يقع عليه من ظلم وتهميش ، ومن حق المعلمين التعبير عن مطالبهم المشروعة بالطرق السلمية ووفق ما كفله القانون، ومن حقهم ألمطالبه بإنصافهم أسوة بغيرهم من موظفي الحكومة، فقضية المعلمين هي قضية إنسانية اجتماعية اقتصادية تتطلب معالجة قضيتهم بمزيد من الحكمة وسعة الصدر . ، لكن الحديث الذى نحن في صدده الأن ،والذى نتحدث عنه هو عن الوسائل المتبعة في تحصيل الحقوق أو رد الظلم ، وليس وقوفاً مع جهةٍ ضد أخرى أو انتصاراً لها بأى حال ، فنحن أبناء وطن واحد والواجب تقديم المصلحة العامة لبلدنا ودفع الشرور عنها ما أمكن لهذا سبيل ولو كان على حسابِ مصلحة فئوية، أو تحمل ما نراه نوعاً من الظلم يلحق بنا ، مع الاحتفاظ بحقّ التمسك بالمطالبات بالحقوق وفق المسالك القانونية التي تقينا مزالق الوقوع في الفتن والفوضى والارتباك بالبلاد، ولا تلحق الضرر بأحد منهم لا سيما إن كانوا هم عدة المستقبل من أبنائنا الطلبة . أما حملة الإضراب عن الدوام ،والامتناع عن التدريس، فهومنع لحقوق الطلاب الأساسية من تربية وتعليم ورعاية ، وهذا يتضمن ظُلماً لهم ، ناهيك عن حدوث المشكلات المتعلّقة بالأسرة واضطراب أوضاعها النفسية والاجتماعية والمالية ؛ فإذا كان المعلمون يرون في الإضراب وسيلة فاعلة لنيل المكاسب أو دفع ما يرونه ظُلماً لهم وبخسا لحقوقهم فإنهم بهذا إنما يردّون الظلم بالظلم ؛ والقاعدة تقول : ” الضرر لا يزال بضررٍ مثله ولا أكبر منه ” ؛ وهذا ما لا يقره شرع أو عقل ، ولا قانون . ومن يمعن النظر في واقع الأمة العربية اليوم ، وما وصلت إليه دولٌ بأكملها من الفوضى والانفلات والدمار وضياع الأمن وشيوع الخوف ؛ فلابد أن يفطن المعلمون لهذا الخطر – في موضوع الإضرابات – فهو غاية في الأهمية ، فالعقل يقول أن المصالح العامة مقدمة على المصالح الخاصة ، ودفْعاً لمفاسد كبيرة قد يستغلها المتربصون بالبلاد من الداخل والخارج ، لا احد ينكر المطالب المحقة للمعلمين ونرجوا من المعلمين أن يسلكوا الطرق القانونية والحوار البناء الذي يفضي إلى نتائج دون الإضرار بمستقبل العملية التربوية والإضرار بمستقبل أبنائنا ألطلبة، ونخشى الدخول في نفق مظلم يقودنا إلى ما لا تحمد عقباه لننزلق في مزالق خطيرة تهدد وحدة بنيانا الاجتماعي بحيث يبقى السؤال إضراب المعلمين إلى أين ؟ وأخيرا : على المعلمين إدراكُ الواقع في مدارسنا ، واستجلاء المشكلات التربوية والتعليمية فيها كأولوية هامة تتقدم أي شيء آخر ، وعدم الإنسياق وراء أي دعوات للتظاهر أو الإضراب عن العمل، لأن مثل هذه الدعوات ستؤدي إلى ضياع المكتسبات التي حصل عليها المعلمون من احترام المجتمع لهم ودعم وتضامن مجلس النواب والرأي العام ، ونرجو أن تصل صرخة المعلمين والمطالبة بحقوقهم المالية والمعنوية ،لتأخذ مداها حتى تصل إلى من بيده قرار إنقاذ المعلم من الظلم الواقع عليه ..