دويتشه بورصة تعرض 5 مليارات يورو للاستحواذ على منصة استثمارية في صفقة تاريخية    حسام حسن مستمر.. «أبو ريدة» يحسم مستقبل «الفراعنة» قبل المونديال    كيان صهيوني إجرامي، إقالة مساعدة المدعي العام في ميشيجان بعد منشورات ضد الإسرائيليين    «الناتو»: التوصل لاتفاق حول «جرينلاند» يتطلب مزيدًا من المشاورات السياسية    قادة الاتحاد الأوروبى يبحثون دعوة ترامب للانضمام إلى "مجلس السلام" في غزة    الأول حقق العلامة الكاملة، أول ناديين يتأهلان رسميا لدور ال 16 بدوري أبطال أوروبا    زمن العقوق، شقيقان ينهيان حياة والدهما المسن بطريقة مرعبة في الغربية    ضبط مهندسة منتحلة صفة طبيب بمحافظة بورسعيد.. صور    طلاب الشهادة الإعدادية بالإسكندرية يشكون صعوبة أسئلة ال Proof    الحبس شهرين وغرامة 100 ألف جنيه للمتهم بالاعتداء على زوجته في بشتيل    كمين مباحث يُنهي مغامرات لص الموبايلات بشبرا الخيمة    مصرع شاب صعقًا بالكهرباء في قنا    ملتقى الدمى الخامس يكرّم رواد فنون العرائس في الوطن العربي    بمعرض فني ومحاضرة توعوية.. قصور الثقافة تختتم القافلة الثقافية الثالثة للمرأة بالإسكندرية    السورية جودي شاهين تفوز بلقب الموسم السادس من برنامج «ذا فويس»    برشلونة يفوز على سلافيا براج برباعية في دوري أبطال أوروبا    أبطال أوروبا - بمشاركة صلاح.. ليفربول يقترب خطوة من ثمن النهائي بثلاثية ضد مارسيليا    الزمالك يوضح موقف سيف جعفر من الرحيل عن النادي    أبطال أوروبا - بايرن ميونيخ يحسم تأهله لثمن النهائي.. ويوفنتوس يحقق انتصاره الثالث على التوالي    نيوكاسل يكتسح آيندهوفن بثلاثية ويعزز تقدمه في دوري الأبطال    ترامب يقترب من حسم اختيار رئيس الاحتياطي الفيدرالي    الجمعية المصرية لحماية الطبيعة: "ضرورة تحرك الدولة سريعًا لوقف الصيد العشوائي للعصفوريات"    6 شركات تتصدر قائمة شركات الوساطة بقيم التداول خلال جلسة الأربعاء    رد قاطع من الكهرباء حول إمكانية نقل العدادات من عقار إلى آخر    ترامب يتراجع عن تهديداته بشأن جرينلاند ويؤكد قرب التوصل لاتفاق مع حلفاء الناتو    ترتيب دوري أبطال أوروبا بعد الجولة السابعة.. بايرن ميونخ يتأهل رفقة أرسنال    ضبط سلع غذائية منتهية الصلاحية ومجهولة المصدر بدمياط    ستارمر: تهديدات ترامب لن تجعلنا نتراجع عن موقفنا تجاه جرينلاند    تراجع المبيعات المؤجلة للمساكن في أمريكا بأكثر من المتوقع الشهر الماضي    سوق الأسهم الأمريكية تنتعش بعدما ألغى ترامب الرسوم الجمركية المتعلقة بجرينلاند    منهم عدوية شعبولا وإخوته، نجوم الأغنية الشعبية يواسون رضا البحراوي في عزاء والدته بطنطا (فيديو)    فن الهروب من الأسئلة الثقيلة    قصور الثقافة تطلق قافلة ثقافية لدعم المواهب وتعزيز الوعي بعزبة عمرو بأشمون    هاندا أرتشيل ترد على شائعات وصفها لشاروخان ب "العم" في حفل جووي أووردز    احذري، نقص البوتاسيوم يعرضك لمشاكل بالقلب والأعصاب    اتصال بين قائد «سنتكوم» والشرع لبحث وقف النار ونقل معتقلي «داعش»    «في يدي مكنسة» جديد محمد السيد الطناوي بمعرض الكتاب    البرلمان الأوروبي يدعو لتفعيل الدفاع المشترك مع تزايد الشكوك حول موثوقية "الناتو"    10 فوائد ل شوربة العدس في فصل الشتاء.. تعرف عليها    مجلس الدولة يوقع بروتوكول أكاديمي مع الجامعات الأوروبية بمصر    عالم أزهرى عن الحديث فى مصير والدى النبى: ليس محل جدل ولا نقاش    للسنة السادسة.. المركز المصري يشارك في الدورة 57 بمعرض الكتاب    السفير محمد حجازي: ملف سد النهضة محور حيوي في لقاء الرئيسين السيسي وترامب    وكيل الأزهر يستقبل وزير الشؤون الدينية بولاية صباح الماليزية لبحث سبل التعاون المشترك    مباراة نارية الليلة.. بث مباشر مشاهدة النصر وضمك مجانًا في دوري روشن السعودي    كيف يتم احتساب زكاة شهادات الاستثمار والودائع البنكية؟.. أمين الفتوى يجيب    هل قص الأظافر ليلاً مكروه؟.. أمين الفتوى يجيب    البنك المركزي: تراجع العجز في حساب المعاملات الجارية بمعدل 45.2%    القومي لذوي الإعاقة يشارك في فعاليات معرض الكتاب    وكيل قصر العيني: قسم طب العيون بالكلية يلعب دورا هاما في مجال زرع القرنية    إحالة أوراق قاتل طفل البازار ببورسعيد للمفتى تمهيدًا للإعدام    علاج المواطنين مجانا بقافلة طبية بقرية في الشرقية    إعلام الشرقية ينفذ 3 ندوات توعوية تستهدف 400 مستفيد    وصول الأنبا يوآنس مطران أسيوط إلى النمسا للاطمئنان على صحة البابا تواضروس    رئيس جامعة أسيوط يشهد افتتاح المؤتمر العلمي السنوي لقسم الأمراض الجلدية    السعودية تمنع بث الصلوات عبر الوسائل الإعلامية خلال رمضان    ما حكم الصيام تطوعًا في شهر شعبان؟ وما هى الأيام المنهى عن صيامها؟    نقابة الإعلاميين تُخاطب الوسائل الإعلامية لتقنين أوضاع العاملين بها في الشُعب الخمسة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



الاستبدال
نشر في الواقع يوم 02 - 05 - 2013

عندما تولى الرئيس الجزائري عبدالعزيز بوتفليقة منصبه عام 1999 طالب "بالعوربة" بديلا عن"العولمة"، وكان الرئيس العراقي صدام حسين عندما انتهت حرب العراق وإيران،قد طالب بمحاولة التأثير على النظام العالمي الجديد الذي يتشكل، واستبدل التأثيرعلى النظام العالمي الجديد بغزو الكويت الذي بدأ به عصر التفتيت العربي، وكانالعراق ضحيته الأولى.
انتهت الأموربالواقع العربي إلى استبدال نداء القومية العربية إلى التعايش على تخوم نظام عالمي أحادي القطبية، واستبدل العرب أهداف الاستقلال والوحدة، بخصومات بينية بين الأقطار العربية، واستبدلوا قضية فلسطين كمحور للتحرر العربي بتحويلها ساحة صراع ونفوذ عربي - عربي، واستبدلوا دعم حق شعب أخرج من أرضه، إلى صراع حول السلطة في أرض محتلة.
نسي العرب التاريخ،وصاروا على أبواب الخروج منه، ونسي العرب أن الواقع فوق أرض فلسطين لم يعد ناتج النكبة الأولى والتقسيم وقيام دولة إسرائيل، بل تجاوزها إلى نتائج هزيمة 1967 واحتلال ما تبقى من فلسطين والجولان وسيناء، وعندما خرجت مصر من الصراع مكتفية بسيناء مجردة من السيادة المصرية، استبدلت هدف إزالة آثار العدوان بمقولة إن 99% من أوراق اللعبة بيد أمريكا، استبدل العرب إرادتهم، بالهرولة إلى الإدارة الأمريكية غير عابئين بمصالحها وتناقضها مع مصالحهم.
الاستبدال علي المستوى القومي العربي، كان مؤشرا إلى دخول زمن التردي.
ولم تكن وقائع الثورات الشعبية في المنطقة العربية تجري خارج زمن التردي العربي، هي محاولات شعبية للخروج من تلك الحالة، ولكن المواجهات معها كانت أعمق في الزمن والتخطيط وتنوع الإمكانات، من قدرة الشعوب على استكمال مسار الثورة.
السودان واليمن وليبيا وسوريا، جميعها دلالات على اختلال التوازن بين حركة الشعوب في سعيها إلى الخروج من زمن الاستبداد من السلطات الحاكمة، أملا في تحقيق مصالحها المباشرة والتي يمكنها أن تكون قاعدة صلبة للمصالح الوطنية والقومية، وبين المواجهات الخارجية والأهداف الأجنبية التي لا تتورع عن القتل والعدوان وتشكيل المحاور، وجل الهدف يتجاوز مجرد أمن إسرائيل والثروات العربية إلى غاية التفكيك وتفتيت الأوطان العربية، وهدم الدولة.
ووقائع ما يجري فوق أرض مصر، لا يبعد كثيرا عن هجمات الناتو على ليبيا، أو الدم المسفوك على تراب سوريا، أو ضياع جنوب السودان، أو الاقتتال في اليمن، النتيجة واحدة وتؤكد أن الهدف هو تفتيت الواقع العربي وبكل الأدوات والأساليب
.
البداية كانت حصارالعقل في مصر بمقولة "سرعة تسليم السلطة لحكومة مدنية" دون أن تملك مصر دستور الثورة، والنهاية مطلب صندوق النقد الدولي بوجود مراقب مالي له بالبنك المركزي، أي العودة إلى الإشراف الأجنبي المباشر على الاقتصاد المصري حتى يمنح مصر القرض الذي تحاول السلطة أن تجعل منه مدخل الوجود وحل المشاكل الاقتصادية لمصر.
بين البداية واللحظة الراهنة والتي ليست بالنهاية، كان واضحا أن هناك من يعلم ماذا يريد ولديه أدواته الداخلية والتي تمثلت في جماعة الإخوان، فقد تواصل معها عبر ستة أعوام فيما هو منظور من أخبار ومعلومات متداولة، وسبر أغوارها، وحدد معها مطالبه وقبلت بها.
الأهداف الأمريكيةكانت واضحة على النحو التالي:
1. حصار عائد ثورة الشعب، وتفتيت حالة الاحتشاد.
2. الحيلولة دون حدوث المفاجأة الشعبية ثانية.
3. دخول مصر في لعبة الاستقرار الأمريكي بالمنطقة.
4. الحفاظ على أمن إسرائيل.
والملاحظ المباشر دون تعمق لما يجري على أرض مصر، يجد هذه الأهداف محل تحقيق، ولن نعدد مظاهر ذلك ولكننا نرصد ما يلي:
1. استبدال شعارالثورة "عيش حرية عدالة اجتماعية"، بالصراع على أسلمة الدولة، والفرز على أساس ديني والدخول إلى صراع مذهبي بين إسلام الإخوان وما عداه من إسلام.
2. استبدال الصراع المصري الإسرائيلي حول سيناء بصراع مع جماعات الإرهاب الديني التي تحاول إعلانها إمارة إسلامية، وإلى صراع مصري حمساوي إذا جاز التعبير.
3. استبدال دولة الثورة التي هي الدولة المصرية دون جماعات الفساد، بدولة الجماعة، واستبدلت أهداف المرحلة الانتقالية في غاياتها من أجل بناء نظام جديد يتطلع إليه الشعب، بأهداف الاستحواذ والسيطرة الإخوانية.
4. استبدال الهوية المصرية بعمقها الحضاري وثقافتها الإسلامية الصحيحة، إلى هوية تقوم على الديماجوجية الدينية، بل بلغ بأحدهم قوله "اللهم أمتني على الإخوان!"مستبدلا كلمة الإسلام بلفظ الإخوان.
5. استبدال هيكلة وزارة الداخلية للعودة بأدائها إلى شعار "الشرطة في خدمة الشعب"، إلى إعادة تكليفها بالقمع ومواجهة الحركة الشعبية بالشارع المصري، مما أعاد ظاهرة زوار الفجر والاعتقالات والتعذيب تجاه كل النشطاء من عناصر الثورة.
6. المحاولات المستميتة لتفكيك الدولة، واستبدال هدف بناء جيش وطني قوي بالهجوم المباشر عليه من عناصرالجماعة، ومحاولات هدم القضاء وإدخال عناصر الإخوان إلى سلك القضاء، ومحاولات هدم المحكمة الدستورية، والهجوم المتوالي على الأزهر بهدف السيطرة، واتخاذ موقف بالعدوان المادي على الكاتدرائية المرقصية والمقر البابوي، وتأجيج الفتنة الطائفية.
7. الهجوم المتوالي على جهاز المخابرات العامة المصرية.
هذا كله أمر يراه الجميع، ويرصده، وأخطر ما يمكن عرضه هو العلاقات العربية العربية، فاستبدال وحدة الهدف العربي والمصير العربي والمسؤولية المصرية تجاه ذلك واسترداد دور مصرالقومي، استبدال ذلك كله بأن العرب مصدر مالي لمواجهة الأزمة الاقتصادية المصرية،أحال علاقة مصر بالعرب إلى حالة أقل ما توصف به، إنها حالة من الانتهازية، وليست حالة من الانتماء الواحد والمصالح الواحدة.
استبدلوا الدورالقومي المصري إلى حالة من الاستجداء حتى باتت مصر ومواقفها وسياسيات الجماعة عامل انقسام عربي عربي. وإذا جرى تاريخ بداية مرحلة التقسيم العربي بدخول صدام حسين إلى الكويت، فسيجري تاريخ مرحلة التفتيت العربي بوصول الإخوان إلى السلطة في مصر.
واستبدلوا الوطنية والقومية بوهم أممية الخلافة، ففقدوا الوجود وطنيا وقوميا، وفقدوا مبرر التكامل القومي، والفارق جوهري بين التكامل القومي العربي، وبين سياسة التسول بتوافقات الحد الأدنى.
إن ظاهرة الاستبدال وصلت إلى صناعة النخبة الجديدة، والأحزاب الكرتونية من جديد. لقد نجحت الهجمةالمضادة للثورة بكل روافدها وما امتلكت مفاتيحه، من إجراء الاستبدال في مضمون وشكل واهتمام عناصر شاركت في الثورة، فأحالتهم إلى ذات الصورة من النخبة المتسولة لدور ومنصب وموقف التي ورثناها من نظام ما قبل الثورة، ونجحت الهجمات المضادة للثورة إلى تخليق أحزاب كرتونية جديدة، تلوك الكلمات والشعارات دون مضمونها، فصار الاتهام للثورة بأنها لم تأت بجديد ولكنها أعادت تجميل نظام مبارك القديم بذات مضمونه مع استبدال للأوجه.
واستبدلوا مفهوم العدالة الاجتماعية، بالتربص بحاجات المواطنين، وصار وحش الغلاء قرينا لأي حديث عن التنمية، وفقد مفهوم التنمية المستقلة معناه باستبدال مهام البناء والإنتاج بوصاية صندوق النقد الدولي على الاقتصاد.
في كتاب"جواسيس جدعون" التاريخ السري للموساد، لجوردون توماس وهو واحد من كتبت ثمين قيمة الموساد، نقل عن وليام كيسي مدير المخابرات المركزية الأمريكية في مارس1986 قوله "تبتكر الأمة مجتمع الاستخبارات الذي تحتاجه، وتعتمد أمريكا على المعرفة التقنية لأننا مهتمون بالاكتشافات وليس بالحكم السري، ويعمل الإسرائيليون بشكل مختلف، والدافع لأعمال الموساد، على وجه الخصوص، هو بقاء الدولة على قيدالحياة".
ولو راجعنا مقولة رئيس المخابرات الحربية الإسرائيلية الجنرال عاموس يادلين في أكتوبر 2010 "إنمصر هي الملعب الأكبر لنشاطات جهاز المخابرات الحربية الإسرائيلي، لقد أحدثنا الاختراقات السياسية والأمنية والاقتصادية والعسكرية في أكثر من موقع، ونجحنا في تصعيد التوتر والاحتقان الطائفي والاجتماعي، لتوليد بيئة متصارعة متوترة دائماً،ومنقسمة إلى أكثر من شطر في سبيل تعميق حالة الاهتراء داخل البنية والمجتمع والدولة المصرية، لكي يعجز أي نظام يأتي بعد حسني مبارك في معالجة الانقسام والتخلف والوهن المتفشي في مصر".
منتصف هذا الشهرخرج تصريح نقلا عن رئيس هيئة الأركان الإسرائيلي، بنى جنتس: إن العلاقات الأمنيةالإسرائيلية مع مصر في ظل النظام الحاكم الجديد تحسنت بشكل كبير أكثر مما كانت عليه خلال الفترة الانتقالية، وأن هناك تطورا في التعاون الأمني مع القاهرة منذ عملية عمود السحاب، مضيفاً:"نتائج هذا التعاون الأمني أدهشني وفاجأني".
إن هذه المقولاتالثلاث، وربطها بالتصريحات التي نقلها رئيس حزب الوسط المصري عن مرسي، بأن المخابرات المصرية كونت تنظيما من البلطجية لاستخدامه، هي ما يستدعي أن نستبدل نحن السؤال عمن كان يعنيهم عاموس أدلين، خاصة لتطابق ما يحدث مع ما قاله، وعن أسباب اندهاش رئيس الأركان الإسرائيلي الحالي، وعن مفهوم الأمن القومي لدى السلطة في مصر خاصة وإن كان التعريف الأولي له هو ما قاله كيسي عن الموساد " بقاء الدولة علىقيد الحياة"، فهل استبدلت السلطة المصرية مفهوم الأمن القومية إلى"تفكيك الدولة ونفيها من قيد الحياة".
ظاهرة الاستبدال العربية والمصرية تكشف أن العرب في حاجة إلى مراجعة التحديات التي تواجه وجودهم، وأخطرهاتحدي الهوية واستيعاب التاريخ ووحدة المصير أيا ما كانت أوهام الاستبدال الجارية في العقل العربي وتتجسد دما في واقعه.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.