محافظ أسيوط يستقبل رئيس الطائفة الإنجيلية ويعلن إنشاء 3 أقسام للحروق بالمستشفيات    ارتفاع سعر الذهب فى التعاملات المسائية اليوم السبت 7-2-2026    ترامب يحتفي بصعود مؤشر داو جونز ويتوقع وصوله إلى 100 ألف نقطة    موعد مباراة الزمالك وزيسكو في الكونفدرالية والقناة الناقلة    الأرصاد تحذر: موجة حارّة غير معتادة والذروة غدا    تيفاني ترامب وزوجها يزوران مقبرتي توت عنخ آمون ونفرتاري بالبر الغربي بالأقصر    الرئيس التركي أردوغان يبحث مع ملك الأردن عبدالله استقرار المنطقة خلال زيارته إسطنبول    تأجيل محاكمة 139 متهما بالهيكل الإداري للإخوان لجلسة 9 مايو    فرانك: كان من الممكن أن نخسر بخماسية أمام مانشستر يونايتد    الإعلام الأمني بالعراق: تسلمنا 2250 عنصرا إرهابيا من سوريا وبدأنا إجراءات تصنيفهم قضائيا    محافظة القدس تهاجم افتتاح نفق طريق الحجاج: مشروع استيطاني برواية مزيفة    السودان : معارك طاحنة حول منطقة السلك جنوب النيل الأزرق    زيلينسكي : الولايات المتحدة تريد من روسيا وأوكرانيا إنهاء الحرب بحلول الصيف    وزير الإسكان يتابع موقف تنفيذ المشروعات التنموية فى "سملا وعلم الروم" ومدينة رأس الحكمة الجديدة    معرض التضامن بالدقهلية يجمع 50 عارضًا من ذوي الهمم والمرأة الريفية (فيديو وصور)    مباشر الدوري الإنجليزي - أرسنال (0)-(0) سندرلاند.. المحاولة الأخطر    شعبة الدواجن: مصر تحقق الاكتفاء الذاتي والفائض سينعكس على انخفاض الأسعار    5 إجراءات عاجلة من "الأطباء" ضد ضياء العوضي    تجديد حبس سيدة انتحلت صفة طبيبة لإدارة عيادة تجميل بالقاهرة الجديدة    بعد قليل، محافظ أسيوط يعتمد نتيجة الشهادة الإعدادية ويعلنها رسميا    1000 أخصائي اجتماعي يشاركون في حملة لدعم المناخ النفسي بالمدارس    تصرف غريب من مها نصار بعد منشور مهاجمتها هند صبري    كيف يُستخدم الجلد المتبرع به لعلاج الحروق العميقة والقرح المزمنة؟ عضو بالأطباء يشرح    نقابة الأطباء تُفجر مُفاجاة بشأن مقترح التبرع بالجلد: ليس جديدًا    تأثير التوتر وقلة النوم على زيادة الوزن وطرق علاجها    معتمد جمال يركز على الجوانب الخططية قبل لقاء زيسكو بالكونفدرالية    طلاب التربية العسكرية بجامعة كفر الشيخ يواصلون حملة تبرع بالدم بالمستشفى الجامعي    مع بداية الفصل الدراسي الثاني… أولياء الأمور يطالبون بالغاء التقييمات الأسبوعية    كرة سلة - بقيادة أوجستي.. الكشف عن الجهاز الفني الجديد لمنتخب مصر    أكاديمية الشرطة تستقبل وفدًا من دارسي برنامج الدبلوماسية الشبابية| فيديو    ابنة الرئيس الأمريكي تزور معبد حتشبسوت بالأقصر    مصر تعزز دورها في حماية التراث الإنساني باستعادة رأس تمثال أثري    خبير علاقات دولية: مجلس السلام خطوة للأمام ومصر تقود مشروعاً متكاملاً لدعم غزة    موتٌ في قعر القَذَر ..بقلم الشاعر/ معصوم أحمد / كاليكوت-الهند    احزان للبيع حافظ الشاعر يكتب عن:حين يخفت الصوت..هل تخفت الروح؟    قبل رمضان.. فتح مسافات جديدة بالطريق الدائري الإقليمي وتكثيف إجراءات السلامة    لأول مرة.. الرقابة المالية تتيح لشركات السمسرة تسويق خدماتها عبر المنصات الرقمية    هجوم روسي واسع يستهدف البنية التحتية للطاقة في أوكرانيا.. تفاصيل    سر ارتفاع درجات الحرارة.. وهل يعود البرد مرة أخرى؟.. الأرصاد توضح    المستشار حامد شعبان سليم يكتب عن : حسن الخلق قضيتنا!?    الزمالك يرفض اللعب ب9 لاعبين فى مواجهات قبل نهائى دورى سوبر الطائرة    مدرب بيراميدز يتفقد أرضية ملعب مباراة ريفرز يونايتد    مد أجل الحكم في الطعن على فوز القائمة الوطنية بغرب الدلتا بانتخابات النواب    برشلونة يعلن انسحابه من السوبر ليج.. رسميًا    النائب محمد زين الدين يقدم اقتراح برغبة لتخصيص أماكن للباعة الجائلين لمواجهة الفوضى    4 أسباب وراء السقوط المدوي لفيلم الست في شباك التذاكر؟!    منى الشاذلي: حزينة على شيرين.. وببكي لما بسمعلها أغنية    "الجدة الوفية" وأشهر مدرب للكلاب ببرنامج واحد من الناس .. غدا    بعد مقترح برلماني.. عالم أزهري يضع 7 ضوابط شرعية للتبرع بالجلد بعد الوفاة    طلب إحاطة بشأن عدم تعيين أوائل خريجي جامعة الأزهر    أسعار الدولار اليوم السبت 7 فبراير 2026.. بكام النهاردة؟    السكك الحديدية: بدء تشغيل قطارات جديدة على هذه الخطوط    شبكة أطباء السودان: مقتل 24 شخصا باستهداف الدعم السريع لحافلة مدنية شمال كردفان    نجاح أول جراحة أورام بمنظار البطن الجراحي بمستشفى التأمين الصحي ببني سويف    أسعار الأسماك اليوم 7 فبراير.. «البلطي» يبدأ من 60 جنيهًا للكيلو    تحرك برلماني لتأسيس «بنك وطني للأنسجة» وتيسير التبرع بعد الوفاة    الأوقاف توضح حقيقة منع إذاعة صلوات الفجر والمغرب والتراويح    أوقاف القليوبية تنظم لقاء الجمعة للأطفال بالمسجد الكبير بقرية الحصة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



رئيس جامعة القاهرة يضع روشتة شاملة لتجديد الخطاب الديني
خلال كلمته بمؤتمر الأزهر العالمي..
نشر في الوفد يوم 28 - 01 - 2020


الخشت: يجب تأسيس خطاب ديني جديد بشكل غير تقليدي
تجديد الخطاب الديني عملية أشبه ما تكون بترميم بناء قديم
ضرورة بناء مفاهيم ولغة ومفردات جديدة لعصر ديني جديد
علوم الدين بشرية وقابلة للصواب والخطأ
لا تكوين لعقل ديني جديد بدون تغيير طرق التفكير وتجديد علم أصول الدين
يجب العمل على تغيير رؤية العالم وتجديد فهم العقائد في الأديان
كل من يعيشون في الخطاب القديم من الداخل لن يمكنهم تأسيس عقل ديني جديد
جمود اللغة أحد أهم أسباب عجزنا عن تطوير الخطاب الديني
العيش في النسخة القديمة من اللغة يمنع توقف نمونا الفكري
العقل الديني ليس هو الدين نفسه بنقائه الأصلي
أكد الدكتور محمد عثمان الخشت، رئيس جامعة القاهرة، ضرورة تأسيس خطاب ديني جديد، بعيدًا عن التقليدي السائد حاليًا مشيرًا إلى أن تجديد الخطاب الديني عملية أشبه ما تكون بترميم بناء قديم، لافتًا إلى أن الأجدى هو إقامة بناء جديد بمفاهيم جديدة ولغة جديدة ومفردات جديدة إذا أردنا أن نقرع أبواب عصر ديني جديد.
وقال الخشت، خلال كلمته في جلسة دور المؤسسات الدولية والدينية والأكاديمية في تجديد الفكر الإسلامي، ضمن جلسات مؤتمر الأزهر العالمي للتجديد فى الفكر الإسلامى، الذي أقيم تحت رعاية رئيس الجمهورية، أنه لا يمكن تأسيس خطاب ديني جديد بدون تكوين عقل ديني جديد، لافتًا إلى أن العقل الديني ليس هو الدين نفسه، بل هو عقل إنساني يتكون في التاريخ وتدخله عناصر إلهية وعناصر اجتماعية واقتصادية وثقافية، ويتأثر بدرجة وعي الإنسان في كل مرحلة، لافتًا إلى أن تطوير العقل الديني، غير ممكن بدون تفكيكه وبيان الجانب البشري فيه.
النص الكامل لكلمة الدكتور محمد عثمان الخشت ضمن جلسات مؤتمر الأزهر العالمي للتجديد فى الفكر الإسلام:
تجاوز العقل الديني القديم:
لابد من تأسيس خطاب ديني من نوع مختلف، وليس تجديد الخطاب الديني التقليدي، فتجديد الخطاب الديني عملية أشبه ما تكون بترميم بناء قديم، والأجدى هو إقامة بناء جديد بمفاهيم جديدة ولغة جديدة ومفردات جديدة إذا أردنا أن نقرع أبواب عصر ديني جديد.
ولا يمكن تجديد الخطاب الديني بدون تكوين عقل ديني جديد، ولا أؤمن بإصلاح العقل الديني القديم؛ لأن العقل الديني القديم تشكل في ظروف اجتماعية وسياسية واقتصادية ومعرفية طرحتها العصور القديمة. والأبنية العقلية القديمة تلاءم عصورها ولا تلائم عصرنا؛ فالزمان غير الزمان والمكان غير المكان، والناس غير الناس، والتحديات القديمة غير التحديات الجديدة. إنني أحب بيت أبي القديم لكنني لا أحب أن أعيش فيه، وأقدر تراثنا القديم لكنني أحب (أنا وغيري) أن نصنع تراثا جديدا نعيش فيه؛ فهم رجال ونحن رجال، وهم أصحاب عقول ونحن أصحاب عقول. إنني وغيري كثيرون لا نحب أن نكون في زمرة القائلين (بل نتبع ما ألفينا عليه آباءنا).
وهذا ما سعينا إليه على مستوى الخطاب الديني في كتابنا (نحو تأسيس عصر ديني جديد) من أجل إن كل ما جاء في التاريخ بعد لحظة اكتمال الدين التي أعلنها القرآن، جهد بشري قابل للمراجعة، وهو في بعض الأحيان اجتهاد علمي في معرفة الحقيقة، وفي أحيان أخرى آراء سياسية تلون النصوص بأغراضها المصلحية المنحازة. وفي كل الأحوال – سواء كانت موضوعية أم مغرضة- ليست هذه الآراء وحيا مقدسا، بل آراء بشرية قابلة للنقد العلمي.
والعقل الديني ليس هو الدين نفسه في نقائه الأصلي، بل هو عقل تكون عبر التاريخ، وإذا كان الدين في نقائه الأصلي إلهيا، فإن العقل الديني هو عقل إنساني يتكون في التاريخ وتدخله عناصر إلهية وعناصر اجتماعية واقتصادية وثقافية وغيرها ويتأثر بدرجة وعي الإنسان في كل مرحلة. وتطوير العقل الديني، بما فيه من مكونات لعل من أهمها علم أصول الدين، غير ممكن بدون تفكيكه، وبيان الجانب البشري فيه.
لا تكوين لعقل ديني جديد بدون تغيير طرق التفكير وتجديد علم أصول الدين:
يشمل تطوير العقل جوانب خمسة حاكمة له تطويرا عقلانيا نقديا بطريقة منظمة، وهي:
أولا - تطوير العقل النظري.
ثانيا -تطوير العقل الديني.
ثالثا - تحرير ملكة الوجدان.
رابعا إصلاح طريقة عمل الطاقة الغريزية.
خامسا تطوير العقل العملي.
ومن أهم الشروط القبلية تكوين لعقل ديني جديد:
أولا - إصلاح طريقة التفكير: لأن العقول التي ضللتها الأهواء عن البرهان والحجة العقلية، لايمكن أن تستقيم دون إصلاح ماكينة تفكيرها قبل أي شيء.
إن طريقة التفكير هي المنهج، وكما قلت في موضع آخر:"المنهج عبارة عن الإجراءات التي تتبعها في تفكيرك وخطوات الاستدلال التي تسير عليها، ففي عملية الاستدلال توجد خطوات، حيث تسلمك الخطوة الأولى للخطوة التالية، فمن الممكن أن تعرض الفكرة الإيجابية على شخص يفكر بطريقة سليمة، وتعرض الفكرة الإيجابية نفسها في الوقت ذاته على إرهابي من داعش، فهل سوف يتعامل الاثنان بالطريقة العقلية نفسها مع الفكرة ذاتها؟بطبيعة الحال لا. فالفكرة الإيجابية التي يستقبلها صاحب طريقة التفكير السليمة سوف تجعله يصل إلى نتائج وأفكار تنمية، وتطور، ومشاركة اجتماعية، وروح الفريق الواحد...إلخ.
بينما الفكرة الإيجابية التي يستقبلها العقل المتطرف صاحب طريقة التفكير الخاطئة، سوف يترجمها هذا العقل المتطرف بطريقة باطلة، وسوف يصل لنتائج مختلفة وأفكار دموية، وحرق، وقتل، أي أنه من الممكن أن تكون محطة البث واحدة وقوية وإيجابية ويبقى الخطر كامنًا في كنه عقل من يستقبل هذه الأفكار، وطريقة تفكيره إزاءها!فطريقة استقبال العقل للأفكار وترجمتها بالاستنتاج والاستدلال، هي المحك وهي الفاصل في النتائج وطبيعتها".
إذن لابد:
أولًا - من فتح العقول المغلقة وتغيير طريقة المتعصبين في التفكير. فلن تستطيع أن تجعل إنسانا متسامح اوه ويعتقد أنه يملك الحقيقة المطلقة ويجزم بأن الآخر ينعلىباطل،ولن تستطيع بثأفكار عقل مفتوحفيعقلمغلق. فالعقل المغلق ليس مجهزا لاستقبالها مثلما أن التلفاز الأبيض والأسود ليس مجهزا لاستقبال محطات البث الفضائي HD .
ثانيًا - رؤية العالم World View؛فلن تستطيع أن تجعل طائفة متسامحةوهيتعتقد أن الكون يقوم على لون واحدو ليس ألوانا متعددة، ولن تستطيع أن تقنع إنسانًا بالتسامح وهو يعتقد أن الله يريد أن يكون الناس كلهم نسخًا من بعضهم البعض، أو أن مشيئةالله تعالى تريد الناس متطابقين وليسوا مختلفين ولن تستطيع أن تؤثرفي إنسان يعتقد أنه مفضل عندالله على العالمين لمجرد نطقه وتلفظه ببعض الكلمات، أو لمجرد ولادته ضمن طائفة معينة.
يجب إذن العمل على تغيير رؤية العالم وتجديد فهم العقائد في الأديان ولن تتغير رؤية العالم إلا إذا جعلنا الكون نفسه كتابا مقدسا واحدًا مشتركًا بين الأديان المختلفة كتبها المقدسة، فإذا كانت الكتب المكتوبة المقدسة متنوعة بين الأديان، فإن هناك كتابا مقدسا لا يجب
أن يختلف عليه اثنان، وهو الكون نفسه بوصفه صناعةإلهية.
إن أعمال الله البادية في كتابه الكوني تكشف عن التنوع والتعددية إلى مالا نهاية بقدر اتساع الألوهية إلى ما لا نهاية. ولا توجد في هذا الكتاب الكوني مخلوقات أو ظواهر تشكل نسخا واحدة متطابقة بدرجة مائة في المائة؛ مما يدل على أن التنوع والاختلاف والتعددية هي الأساس في الكون. ولا شك أن قوانين الله في الطبيعة تقوم على التنوع لكن لا يوجد قانون يعرض قانونا آخر، كلها تعمل في منظومة نسقية خلاقة.. (وَيَخْلُقُ مَا لا تَعْلَمُونَ) سورة النحل: آية 8.
هذه الرؤية الفلسفية للأعمال الإلهية في كتابه الكوني المقدس، إذا ما تمكنت من العقول فإنها سوف تفته الأبواب واسعة ليس فقط على مستوى رؤيةالعالم، بل على مستوى تجديدفهمالعقائدفيالأديان؛ وهو الأمر الذي يؤدي بالضرورة إلى فتح العقول والنفوس والضمائر أمام فكرة تقبل الآخر مهما كان مختلفا عني وعنك، ويؤدي إلى اتساع سبل السلام أمام التسامح مع التعددية والتنوع الثقافي والحضاري والديني والعرقي، وغلق الطرق أمام الكراهية لمجرد الاختلاف، وسد المنعطفات أمام العنف لمجرد المنافسة.
وبقدر ما في الكون من تعددية يكون اتساع عظمة الخلق الإلهي، وبقدر ما في الوجود من تنويعات لا حصر لها يكون تنوع إبداع الألوهية اللامتناهي.
وبالمِثل – ولله المثل الأعلى في السموات والأرض وما خارجهما – يمكن التأكيد أنه بقدر ما يكون في المجتمع من انفتاح وتنوع واختلاف تكون قوة المجتمع وتكون قوة الدولة ويكون ارتقاء ورقي الشعب، بشرط قدرة المجتمع على "إدارة الاختلاف"في منظومة نسقية خلاقة.
* كيف يتم افتتاح عصر ديني جديد؟
لكي نقوم بإحداث نهضة لابد من الرجوع إلى فلسفة التاريخ، وهي تكشف عن أن عصور الانتقالات الكبرى لا تتم إلا بتغيير طرق التفكير، وهو ما قام به الأنبياء الكبار والفلاسفة والمصلحون الدينيون والقادة السياسيون الكبار.
إذا كانت المعركة بين العقل القديم والعقل الجديد، تقوم في إحدى مظاهرها على "صراع التأويلات"، فإنها لن تحسم إلا لمن يتمكن من الانتصار في معركة تغيير "طرق التفكير"؛ فالمعارك في كل عصور الانتقال من عصر قديم إلى عصر جديد، كانت معارك بين طرق التفكير التقليدية وطرق التفكير الجديدة.
ولذلك عملنا في جامعة القاهرة على تطوير العقل وتغيير طرق التفكير، ومن اهم وسائلنا مقررا التفكير النقدي وريادة الاعمال ومبادرة تطوير اللغة العربية. وإطلاق مشروع التنمية الاقتصادية والإصلاح الديني وإطلاق مبادرة خذ كتابا وتطوير الامتحانات، إلخ.
وحتى الآن نجد أننا، إما لدينا فريق يريد تقليد الماضي، والماضي المقصود به ماضي آبائنا، وإما لدينا فريق آخر يريد تقليد الغرب. فعلى سبيل المثال، عندما ألف الدكتور زكي نجيب محمود كتابه "شروق من الغرب"، كان يرى أن حدوث النهضة يقتضي أن نقوم بتقليد الغرب في كل شيء. ورد عليه الشيخ الغزالي عليه رحمه الله في كتاب آخر بعنوان "ظلام من الغرب" . فالمسألة أصبحت إما.. وإما. فأنا أرى أنه لا الشرق ولا الغرب، طريق النهضة، لأن فكرة التقليد نفسها هي فكرة مرفوضة. فكل عصر له ظروفه، وله معادلته، وله خصائصه. فالقرآن الكريم عندما يتكلم: "أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ"(غافر:82) لم يكن يقصد الأحداث، بل يقصد منطق التحول التاريخي.
* الواقع الحالي للعلوم الدينية:
يوضح الواقع الحالي الذي نعيشه حتى الآن أن العلوم الدينية التي نشأت حول النص الديني تجمدت وابتعدت عن مقاصده، وتم تحويل النص الديني من نص "ديناميكي"يواكب الحياة المتجددة، إلى نص "استاتيكي"يواكب زمناً مضي وانتهي. فالقرآن الكريم نص مرن يواجه العصر الحالي، ويواكب المتغيرات المعاصرة، وهو ما يتضح من خلال نزول القرآن على مدار ثلاثة وعشرين عاما، ومع ذلك نجد الآن أن المفاهيم التي نشأت حول القرآن الكريم والسنة النبوية الصحيحة تجمدت وتحولت إلي نص ثابت.
ومن ناحية أخرى، نجد أن الإصلاحيين المعاصرين لم يقوموا بالعودة إلى الكتاب في نقائه الأول، بل عادوا إلى المنظومة التفسيرية التي أنتجتها ظروف سياسية واجتماعية واقتصادية لعصور غير عصورنا، واعتبروا أن كل الكتب القديمة هي كتب مقدسة، وهي تمثل المرجعية النهائية في فهم الدين، مع أنها في النهاية هي عمل بشري.
وإذا استعرضنا ما تم خلال المائتي عام الماضية، سنجد من ناحية، أن كل علمائنا استعادوا كل المعارك القديمة، معارك زمن الفتنة الكبرى التي نشأت أيام عثمان بن عفان عليه السلام، ونحن لانزال نعيش في زمن الفتنة وعصرها، عصر الصراع، والانشقاق، والتكفير، والتفجير، ومعارك الهوية، ومعارك فقه الحيض والجنس والجسد، ومعارك التمييز بين الجنسين. وفي المقابل نجد أنهم لم يدخلوا بعد المعارك الجديدة والمعاصرة، معارك التنمية، ومعارك إنتاج العلوم الطبيعية والرياضية والاجتماعية والإنسانية، ومعارك الفساد، ومعارك الحرية، ومعارك الفقر والجهل والأمية، ومعارك الدفاع عن الدولة الوطنية.
* تطوير علوم الدين وليس إحياء علوم الدين:
عندما ظهر دعاة الإصلاح بداية من القرن التاسع عشر، ودعوا إلى التحديث والإصلاح الديني لم يقم أي منهم بمحاولة "تطوير علوم الدين"، بل قاموا ب "محاولة إحياء علوم الدين"، كما تشكلت في الماضي، وكأن النهضة تحدث بإحياء العلوم القديمة، على الرغم من أن العلوم القديمة هي علوم بشرية نشأت لكي تواكب العصر الذي وجدت فيه من مختلف الجوانب الاجتماعية والسياسية والاقتصادية، وبالتالي قد لا تكون مناسبة لعصور أخرى لها ظروفها وواقع حياتها التي قد تتباين تباينا جليا عن سابقتها.
إن العلوم التي نشأت حول الدين علوم إنسانية، تقصد إلى فهم الوحي الإلهي. فالقرآن الكريم إلهي، لكن علوم التفسير والفقه وأصول الدين وعلوم مصطلح الحديث وعلم الرجال أو علم الجرح والتعديل..إلخ علوم إنسانية أنشأها بشر، وكل ما جاء بها اجتهادات بشرية، ومن ثم
فهي قابلة للتطوير والتطور. وهذه مسلمة واضحة وليست اكتشافا، لكن المتعصبين الذين تجمد عقلهم،وتجمد معه كل شيء، رفضوا الاجتهاد، وتمترسوا خلف التقليد. وهم لا يعرفون،ولا يريدون أن يعرفوا، أن من المنطق الفاسد والخلط الزعم بأن أية علوم شرعية هي مبادئ وقواعد يقينية مطلقة تصلح لكل زمان ومكان. فالبشر ذوو عقول نسبية متغيرة، والحقيقة تتكشف تدريجيا، ولا تأتي دفعة واحدة إلا من خلال "وحي"، بل إن الوحي نفسه جاء منجما عبر ثلاث وعشرين سنة، وترك مساحة للجهد البشري في اكتشاف الحقائق والوقائع في الكون، بل أيضا في استنباط الأحكام الشرعية .
وعلى ذلك، فكل ما جاء فى التاريخ بعد لحظة اكتمال الدين التى أعلنها القرآن، جهد بشرى قابل للمراجعة، وهو فى بعض الأحيان اجتهاد علمى فى معرفة الحقيقة، وفى أحيان أخرى آراء سياسية تلون النصوص بأغراضها المصلحية المنحازة. وفى كل الأحوال – سواء كانت موضوعية أم مغرضة - ليست هذه الآراء وحياً مقدساً، بل هي آراء بشرية قابلة للنقد العلمى والتمحيص.
وبالتالي، فأنا أدعو إلى تطوير علوم الدين وليس إحياء علوم الدين، فقد بات من الضروري تفكيك الخطاب التقليدي، والبنية العقلية التي تقف وراءه، وتأسيس خطاب ديني، وأصبح يمثل ذلك حاجة ملحة. فهناك فرق بين الخطاب الديني والنص الديني، فالنص الديني هو القرآن الكريم والسنة النبوية الصحيحة. أما الخطاب الديني فهو عمل بشري في فهم القرآن والسنة يمكن إعادة النظر فيه.
ويجب أن نعيد تفكيك هذا النص البشري لكي نعيد بناء العلوم. تطوير علوم الدين،بما فيها من ضرورة تجديد علم أصول الدين وعدم التركيز على الفقه فقط.
* للتجديد دائرة معرفية أخرى:
كل من يعيشون في الخطاب القديم من الداخل، لن يمكنهم تأسيس عقل ديني جديد أو خطاب ديني جديد، ولا حتى يمكنهم تجديد القديم إلا بالتهذيب أو الاختصار أو الانتقاء أو الشرح، لكنهم في الجوهر يظلون أسرى القديم في مناهجه ومفاهيمه وتصوراته، وما التجديد عندهم في كثير من الأحيان إلا إبعاد لتيار قديم واستدعاء لتيار قديم آخر؛ لأنهم ببساطة ينظرون من الداخل، وحدود رؤيتهم مقيدة بإطار البناء من الداخل، ومحكومة بالمنهجيات التقليدية وطرق التفكير الموروثة والسارية.
ولذا أكاد أجزم – على مستوى الخطاب الديني - أن التجديد لا يمكن أن يأتي من المؤسسات الدينية الكلاسيكية في أية بقعة من العالم إلا اذا كان لديها القدرة على التخارج والتعلم من دائرة معرفية أخرى. يمكن أن تحدث هذه المؤسسات تحسينا أو تجميلا هنا أو هناك، ويمكن أن تهدم حائطا وتبني حائطا آخر، لكنها لن تستطيع أن تهدم بناءًا كاملا تعيش داخله!
والرأي عندي أنه لابد أن يأتي التجديد من دائرة معرفية خارجية أو قادرة على التخارج، وهذا ما وجدناه في كل الأنبياء العظام والفلاسفة المبدعين، فإذا راجعت سير الرسل الكبار تجد أنهم حملوا رسائل من خارج الدائرة المعرفية لأقوامهم، وأنهم قبل الرسالة كانت لهم احتكاكات بدوائر معرفية خارجية؛ فالوحي لا يأتي عبثا.
ولنضرب مثلا بالفلاسفة الكبار الذين أحدثوا تغييرا في طرق التفكير، وعلى سبيل المثال الفيلسوف الإنجليزي هيوم والفيلسوف الألماني كنط في ثورتهما الفلسفية لتغيير طرق التفكير، كان مرجعهما من خارج حقل الفلسفة التقليدي، وهو العلوم الرياضية والطبيعية، وهو ما سبق تأكيده في كتابي (العقل وما بعد الطبيعة) الصادر عام 1990 من القرن الماضي.
* هل يمكن تطوير العقل الديني بدون تطوير اللغة؟
جمود اللغة أحد أهم أسباب عجزنا عن تطوير الخطاب الديني؛ فكيف يمكنك التعبير عن فكر ديني جديد بمفردات وأساليب تعبير قديمة؟ وكيف يمكن لخطاب ديني أن ينمو وهو يعيش في قوقعة لا تنمو؟ هذا أيضا ما يجعلني أؤكد مجددا أن المؤسسات التقليدية لا يمكن أن تطور الخطاب الديني لأنها تستخدم اللغة القديمة بكل مفاهيمها، وتعيش في الصدفة من داخلها، وهذه الصدفة نفسها لا تنمو!
إن تطوير اللغة هو أحد أهم أركان الدخول في عصر جديد، ويجب أن تطال عمليات تغيير طرق التفكير تطوير اللغة؛ لأن اللغة لها دور في نمو المفاهيم والتصورات ومن ثم السلوك. ومنهجية فهم اللغة تنعكس على الفكر مثلما ينعكس الفكر على منهجية فهم اللغة.
هنا نعود مرة أخرى للعلاقة الديالكتيكية المتبادلة بين اللغة والفكر، والدليل على هذا ما تجده عند أهل الحَرف الذين يفهمون الكلام فهما حرفيا جامدا طبقا لمعانيه القديمة على عكس أهل المعاني الذين يفهمون الكلام وفق مقاصده وسياقه.
وأتصور أن أحد أهم أسباب التطرف والتشدد هو طريقة فهم اللغة عند التيار المتشدد الذي يقف عند حدود الحرف وظاهر اللغة كما تشكلت قديما وعدم الالتفات إلى السياق التاريخي والاجتماعي للغة، فضلا عن عدم الالتفات إلى المقاصد.
وهم علاوة على ذلك يعيشون في بيت قديم هو اللغة القديمة، ومن الطبيعي إذن أن يفكروا ويستدلوا طبقا لمنطقها. ولِمَ نذهب بعيدا في التحليل النظري؛ فيكفيك أن تقرأ لهم أو تراقب طريقتهم في الحديث، فسوف تعرف على الفور أنهم يعيشون خارج التاريخ المعاصر، ولم يدركوا من الحداثة إلا قشورها، بل سوف تشعر بالاغتراب تجاه كلامهم وتجاه نمط تفكيرهم، وسوف توقن أن جسور الحوار منقطعة لأنها مع أناس من عالم آخر. ولذلك سوف تجدهم يكفرون أي شخص يعيش في عالم اللغة المخالفة لهم!
إننا لو ظللنا نعيش في النسخة القديمة من اللغة بخاصة أو من التراث بعامة، وهذا هو حالنا الآن، فسوف يستمر توقف نمونا الفكري في الوجود. وإذا كان وجودنا لابد أن ينمو ويتطور فلابد من تطوير الصدفة التي تحتويه، فبدون نمو الصدفة لن ينمو الكائن الحي بداخلها. واللغة هي هذه الصدفة؛ إنها مسكن الوجود الوجود الإنساني الذي تحدث عنه مارتن هيدجر.
* الدراسات البينية وعدم النظر إلى علوم الدين كجزر منعزلة:
لن يتحقق الخطاب الديني الجديد بالصورة المأمولة إلا من خلال الدراسات البينية التي يساهم فيها أكثر من إتجاه علمي، في إطار العلوم الاجتماعية والإنسانية. فالدراسات البينية هي التي تحقق الفهم المتكامل والشامل للظواهر التي يتم دراستها.
ويبدو أن الخطوة الأولى للدراسة العلمية الجادة تتمثل في الوقوف على أهم الأخطاء المنهجية والإبستمولوجية في البحث في علوم الدين، والتي تتمثل فيما يلي:
* الأخطاء المنهجية والإبستمولوجية في البحث في علوم الدين:
الخلط بين المقدس والبشري.
علم التفسير القديم يقوم على الصواب الواحد، وليس على تعددية المعنى وتعددية الصواب.
سيادة العقائد الأشعرية وتكوين روية جديدة للعالم.
الخلط بين الإسلام والموروثات الاجتماعية .
عدم التمييز الإبيستمولوجي بين قطعي الدلالة من النصوص وظني الدلالة (تعددية المعني والصواب).
وهناك كذلك آيات ظنية الدلالة (تعددية المعني والصواب):
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ(المائدة:6).
وَالسَّمَاء بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ (الذاريات: 47).
وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ (البقرة:228).
وفي ظني الدلالة نجد أن القرآن الكريم والسنة النبوية بهما أشياء كثيرة تحتمل أكثر من معنى، فالقدماء كانوا يذكرون المعاني ويقولون إن هناك معنى واحدا وصحيحا، وباقي المعاني كلها خاطئة، أي أنهم قسموا العالم إلى أبيض وأسود، وإلى صواب وخطأ، في حين أن هناك تعددية في الصواب يجب أن يعيها العلماء والباحثين. فالآيات السابقة أمثلة للآيات ظنية الدلالة. وهناك كذلك أحاديث نبوية عديدة ظنية الدلالة، تحتمل أكثر من معنى.
ومن هذه الأمثلة حديث الرسول صلي الله عليه وسلم القائل "أن لا يصلين أحد العصر إلا في بني قريظة" (متفقٌ عليه، واللفظ للبخاري).
عدم التمييز الإبستمولوجي بين اللاتاريخي (الثابت) والتاريخي (المتغير) في الأحكام الشرعية:
عدم التمييز بين الإسلام والمسلمين.
غياب العقلانية النقدية.
الرؤية الأحادية للإسلام.
عدم التمييز بين الأحاديث النبوية المتواترة والأحاديث الآحاد.
وهنا يثار تساؤل مهم هو: لماذا كل هذا الخلط ولماذا كل هذه الأخطاء المنهجية؟
وتتمثل الإجابة عن هذا السؤال فيما يلي:
أن من يقومون بكتابة الخطاب الديني لديهم عقول مغلقة تقوم على منهجية نقلية يسيطر عليها وهم المسرح، مثل (حدثنا – أخبرنا – ابن القيم قال ..)، لا على منهجية نقدية كما سبقت الإشارة.
دور العلم الاقتصادي في دراسة الظاهرة الدينية من وجهة نظري أن الخطاب الديني التقليدي، هو إنتاج لنمط الاقتصاد الرعوي لأننا حتى الآن في العالم العربي لانزال نعيش في نمط الاقتصاد الرعوي المشكل للحياة والمحدد لأنماط العلاقة والتفاعل.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.