السطور القادمة بعض من سيرة كتيبة ضخمة وعظيمة من الشعراء العرب الرافضين لكل مستبد، الحالمين بهواء الحرية ورحيق الكرامة الإنسانية، المجاهدين بآلاف الكلمات التي تدوي كالرصاص يصوبونها في وجه الطغاة فيحذرونهم تارة، ويسخرون منهم تارة أخري، ثم تأتي كلماتهم الأخيرة لهم بمثابة صرخة تحذير وإنذار أبدي بأن لكل استبداد نهاية ولكل بداية قهر نهاية. القائمة طويلة: حافظ إبراهيم وأمل دنقل وهاشم الرفاعي من مصر، الجواهري وأحمد مطر من العراق، نزار القباني وعمر أبوريشة من سوريا، محمود مفلح ومحمود درويش من فلسطين، البردوني من اليمن وغيرهم كثيرون. «خبز.. حرية.. كرامة إنسانية» هذه الكلمات القليلة العدد الكبيرة في معانيها ومغزاها التي رفعها ثوار 25 يناير ليتحدوا بها النظام المستبد هي نفس الشعارات التي كرس الشاعر الكبير «أمل دنقل» حياته وشعره من أجل تحقيقها، ففي إحدي انتخابات الرئاسة التي حدثت عام 1962 وقف الشاعر الكبير «أمل دنقل» مرتدياً قناع «سبارتاكوس» محرر العبيد في روما القديمة قائلاً: المجد للشيطان معبود الرياح. من قال «لا» في وجه من قالوا نعم. من قال «لا» فلم يمت. وظل روحاً أبدية الألم. يشرح الدكتور «جابر عصفور» هذه الأبيات ومدلولها السياسي الرافض للسياسة الناصرية في ذلك الوقت، التي كانت تتعقب المفكر علي فكره، وضرورة استئصال الصوت المخالف لكلا يسمع أحد سوي ترانيم المديح في القائد الثائر الذي أصبح حاكماً مستبداً في نظام تسلطي، أزهقت آلته الجهنمية للتعذيب أرواح العشرات من العقول العظيمة مثل «شهدي عطية» الذي كان لمقتله دوي عالمي، ولكن التعذيب لم يتوقف في المعتقلات الناصرية وأصبح وصمة عار، لا تقلل من بشاعتها الإنجازات العظيمة التي تحققت لصالح الفقراء وأبناء الشرائح الدنيا من الطبقة الوسطي، وكانت نتيجة ذلك أن أصبح «أمل دنقل» شاعراً رافضاً لتسلط الناصرية التي قضت علي التعددية السياسية وانتهت بها آلياتها إلي فرض الإجماع فبدأنا نسمع عن انتخابات 99.5٪ والنتائج المزيفة التي وصلت إلي 99.9٪ وكان علي «أمل دنقل» أن يقول «لا» في وجه من يقولون «نعم» وأن يختفي وراء قناع «سبارتاكوس» محرر العبيد في روما القديمة. والأبيات تعني برفض الظلم المفروض علي الكائن الإنساني، ولا يقبل سوي العدل بوصفه كائناً حراً وهو ما فعله «سبارتاكوس» العبد الروماني حين تمرد علي خنوع العبيد لسادتهم الذين يسلبونهم إنسانيتهم وكرامتهم المقرونة بحريتهم، هنا ينطق الصوت المختفي وراء القناع بالرفض للأغلبية المطلقة التي ارتضت أن تساق كالقطيع ولا تملك سوي الطاعة لظالميها الذين لايرضون منها سوي قول: «نعم». فدور الشاعر الرافض للظلم في هذا السياق هو أن يعلم الآخرين معني الرفض الذي هو تجسيد لحريتهم وكل ما يؤكد أحقيتهم في الوجود. ويضيف الدكتور «جابر عصفور» وبقصيدة «سبارتاكوس» التي جعلت من عبدالناصر شبيهاً بقيصر في تسلط نظام حكمه بدأ «أمل دنقل» قصيدة الرفض السياسي. عندما وصف الناقد الكبير الدكتور «لويس عوض» عام 1972 «أمل دنقل» بأنه «أمير شعراء الرفض السياسي» لم يكن يبالغ كثيراً، ففي نفس العام كتب «أمل دنقل» واحدة من أهم قصائد الرفض السياسي في مواجهة سياسات الرئيس «أنور السادات» وهي قصيدة «الكعكة الحجرية» التي نشرت في مجلة السنابل التي يصدرها الشاعر «محمد عفيفي مطر» تحت رعاية «إبراهيم بغدادي» محافظ كفر الشيخ وقد تسبب نشر القصيدة في إغلاق المجلة، ففي ذلك الوقت خرج الطلاب في مظاهرات عارمة مطالبين بتحرير الأراضي المغتصبة وإنهاء حالة اللاسلم واللاحرب، والبداية هي الكعكة الحجرية التي كانت تسمية رمزية لنصب تذكاري لم يكتمل منه سوي قاعدته التي كانت تتوسط ميدان التحرير محاطة بمساحات خضراء احتلها الطلاب، واعتصموا فيها احتجاجاً علي السياسات الساداتية مرددين الهتافات والأغاني الوطنية وقد تعاطفت معهم مجموعات المواطنين التي كانت تتخذ من المقاهي المحيطة بالميدان والقريبة منه مثل «ريش»، وقد تعرض الكاتب الكبير «بهاء طاهر» لهذا الاعتصام والمظاهرات المصاحبة له في روايته «وقالت ضحي»، بينما كتب «أمل دنقل» قصيدته الأشهر «الكعكة الحجرية» وأدان فيها القوة الغاشمة التي تولت فض الاعتصام بقوة السلاح، وهو الأمر الذي أدي لسقوط ضحايا من الطلاب الثائرين، التي تجعلك وأنت تستدعي هذه اللحظة النضالية في تاريخ مصر، تتذكر علي الفور موقعة الجمل في ثورة 25 يناير التي سقط فيها عدد كبير من ثوار ميدان التحرير وكأن «أمل دنقل» بهذه القصيدة الرائعة يرثي الثائر في كل زمان ومكان ومن أشهر أبياتها: عندما تهبطين علي ساحة القوم لاتبدئي بالسلام فهم الآن يقتسمون صغارك فوق صحاف الطعام بعد أن أشعلوا النار في العش والقش والسنبلة وغداً يذبحونك بحثاً عن الكنز في الحوصلة وغداً تفتدي مدن الألف عام مدناً للخيام.. مدناً ترتقي درج المقصلة. عندما اعتصمت الجماهير الغفيرة يوم 25 يناير مفترشة ميدان التحرير ثمانية عشر يوماً أطلق النظام القديم أبواق إعلامه متهمين كل من يشارك في الثورة بالخيانة والعمالة والشغب، في قصيدة الكعكة الحجرية يتحول «أمل دنقل» إلي مراسل للثوار وكأنه تنبأ بما حدث بل وشارك فيه يقول: دقت الساعة القاسية كان مذياع مقهي يذيع أحاديثه البالية عن دعاة الشعب وهم يستديرون يشتعلون - علي الكعكة الحجرية - حول النصب شمعدان غضب يتوهج في الليل والصوت يكتسح القمة الباقية يتغني لأعياد مصر الجديدة. يقول الشاعر الكبير «محمد سليمان»: القصائد السياسية عند «أمل دنقل» تعتمد علي الخطابية والمباشرة وتتكئ علي متابعة الحدث وهو ساخن لدرجة أن بعضهم يتوهم أن «أمل دنقل» كان يتنبأ بالكوارث والنوازل القادمة فقصيدته «زرقاء اليمامة» كتبت في 16 يونيو عام 1967 أي بعد النكسة بأسبوع، وهي تعتمد علي أسطورة زرقاء اليمامة التي تري وتحذر، التي لا يأبه لها أحد، فتكون الكارثة لكن القصيدة كانت رد فعل للهزيمة.. يقول «أمل دنقل» بكلمات حاسمة وقاطعة مبتدئاً بفعل الأمر: لا تصالح ولو منحوك الذهب أتري حين أفقأ عينيك ثم أثبت جوهرتين مكانهما.. هل تري؟ هي أشياء لا تشتري وفي مقطع آخر يقول: هل يصير بين عينيك ماء؟ أتنسي ردائي المطلخ بالدماء تلبس فوق دمي - ثياباً - مطرزة بالقصب؟ إنها الحرب! قد تثقل القلب ولكن خلفك عار العرب لا تصالح ولا تتوخ الهرب! أما الشاعر «نزار قباني» الذي أثير الكثير من الجدل حول شعره وشخصه فكان له مع شعر الرفض قصائد تعبر عن ألمه وغضبه وخلف تراثاً كبيراً من الشعر ولعل أكثرها شهرة قصيدته «هوامش علي دفتر النكسة» وجه خلالها رسالة لعبدالناصر قال فيها: لو أحد يمنحني الأمان لو كنت أستطيع أن أقابل السلطان قلت له: يا سيدي السلطان كلابك المفترسات مزقت ردائي ومخبروك دائماً ورائي كالقدر المحتوم كالقضاء وفي قصيدته «السيرة الذاتية لسياف عربي» التي منع بسببها من دخول عدد من الدول العربية وهي تقع في 154 بيتاً والفكرة الرئيسية هي تصوير الطغاة والقهر والاستبداد والإقطاع السياسي الذي بليت به البلاد العربية، وكأن الشاعر الكبير «نزار قباني» في هذه القصيدة الشهيرة يحلم بالربيع العربي وثوراته ضد طغاته - والذي تحقق بعد وفاته بسنوات - الذين يصور لهم غرورهم أنهم فوق كل مساءلة وأن شعوبهم لن تثور عليهم في يوم من الأيام فهم الأفضل لهم دائماً: أيها الناس: أنا الأول، والأعدل والأجمل من بين جميع الحاكمين وأنا بدر الدجي وبياض الياسمين وأنا مخترع المشنقة الأولي وخير المرسلين كلما فكرت ان أعتزل السلطة ينهاني ضميري من تري يحكم بعدي هؤلاء الطيبين استهل الشاعر «محمود درويش» كتابة «خطاب الديكتاتور» كما تروي عنه الباحثة «عبير الياسمين» برسالة بعث بها من باريس إلي صديقه الشاعر «سميح القاسم» يقول فيها: هل تعرف ماذا يشغلني هذه الأيام؟ إنه الديكتاتور من هو ديكتاتوري؟.. أنه مجمل خصائص الحكم العربي الفردي الاستبدادي المجافي للطبيعة والمتجسد في حكام يتداخلون في بغضهم تداخل صفات العامة المشتركة في فرد دون أن أحدد ملامحه الشخصية المميزة، لأن ذلك يعرضني إلي خطر استثناء آخرين وقد يعرضني أيضاً إلي مخاطر الهجاء. إمضاء «محمود درويش» في 9/9/ 1986. ثم يرسم الشاعر الكبير «محمود درويش» صورة دقيقة لكل ديكتاتور: سأختار أصلحكم للبقاء.. وأنجحكم في الدعاء لطول جلوسي فتياً لما فات من دول مزقتها الذوابع سأمنحكم حق أن تخدموني وأن ترفقوا صوري فوق جدرانكم، وأن تشكروني، لأني رضيت بكم أمة لي سأمنحكم حق أن تتملوا ملامح وجهي في كل عام جديد ولا تسمعوا ما يقول ملوك الطوائف عني وإني أحذركم من عذاب الحسد! ولا تدخلوا في السياسة إلا إذا صدر الأمر مني. نجحت الشاعرة العمانية «سعيدة خاطر» كما تراها الباحثة «عبير الياسمين» في قصيدتها «صلاة الكهان» في رسم صورة صادقة لحالة العجز العربي والترهل الذي أصاب الزعمات التي وصفتهم كما جاء في قصيدتها: الراقصون علي جماجم صبرنا.. لا يأبهون يتبادلون حراسة الوجع المعتق في الدماء.. فينتشون النائمون علي زلزال رفضنا.. لا يفقهون إن البراكين الحبيسة قد تثور القائمون.. الراكعون.. الساجدون سأختار شعباً محباً وصلباً وعذباً يعد الشاعر التونسي «أبوالقاسم الشابي» علي رأس قائمة الشعراء المحرضين للثورة وقد كانت حياته القصيرة جداً كفاحاً ونضالاً للتغيير والإصلاح، فالشابي هو الذي قاد حركة طلاب جامعة الزيتونة التي كانت تهدف إلي إصلاح مناهج التعليم والإدارة في الكلية وتزعم إضرابهم عن الدروس بوطنية، وعندما كتب قصيدته الشهيرة «إذا الشعب يوماً أراد الحياة.. فلابد أن يستجيب القدر.. ولابد لليل أن ينجلي.. ولابد للقيد أن ينكسر» ثار عليه رجال الدين وأثاروا الصحف ضده، إذ كيف يقول الشاعر «لابد أن يستجيب القدر».. كيف يستجيب القدر بقوة الشعب، فالقدر لا يستجيب إلا بقوة الله!! ولكن الشابي لا ييأس ويواصل كفاحه ضد الاستبداد والظلم فيحرض في قصيدته «النهوض» الشعب لكي لا يستكين ويطالبه بالاندفاع نحو الثورة علي طغاته.. ومن أشهر أبياتها: لا ينهض الشعب إلا حين يدفعه عزم الحياة، إذا ما استيقظت فيه والحب يخترق الغبراء مندفعاً إلي السماء إذا هبت تناديه والقيد يألفه الأموات ما لبثوا أما الحياة فيبليها وتبليه وأخيراً يأتي الشاعر العراقي الجميل «أحمد مطر» ليكتب قصيدته التي تعد أملاً لكل تواق للحرية، مطالباً كل مستبد بالرحيل معتبراً هذا الرحيل نوعاً من الجميل التاريخي للشعوب المقهورة.. يقول فيها: طفح الكيل وقد آن لكم أن تسمعوا قولاً ثقيلاً كلا كفي شكراً جزيلاً نحن نرجو كل من فيه بقايا خجل أن يستقيلا نحن لا نسألكم إلا الرحيلا وعلي رغم القباحات التي خلفتموها سوف لا ننسي لكم هذا الجميلا احملوا أسلحة الذل وولوا لتروا كيف نحيل الذل بالأحجار عزا ونذل المستحيلا