"محمدُ!.. قد كشفت قمة العُهر عن كل عوراتنا.. خطبُ الذل باعت دماءك!.. كلا.. فأنت المحالُ الذي لا يُباعُ.. وأنت الترابُ الذي لا يُباعُ.. وأنت السماءُ.. وأنت القصاص"، بهذه الكلمات رثى الشاعر العراقي مظفر النواب، برائة محمد الدرة التي اغتالاها وابل من رصاص المحتل الصهيوني. تحل اليوم الذكرى ال18 لإستشهاد محمد الدرة، الذي لاقى مصرعه في ربيع عمره، وأقتطفت زهرة شبابه قبل أن تنضج، فهو الجوهرة التي تلألأت بأرض فلسطين العربية، ولكن سريعًا ما أنطفأ بريقها قبل أن يعم الوطن العربي، ففي الثلاثين من سبتمبر عام 2000م، بالتزامن مع إنتفاضة الأقصى واحتجاجات الشعب الفلسطيني التي عمت أرجاء فلسطين وعاصمتها القدس. استقل جمال الدرة وأبنه محمد سيارة أجرة للعودة لمنزلهم، وفي طريقهم وجدوا المظاهرات والاحتجاجات التي أعاقت مرور السيارة، مما أضطرهم للسير على أقدامهم، وأثناء سيرهم تبادلت القوات الفلسطينية وقوات الاحتلال الاسرائيلي الرصاص، فأنتظروا حتى انتهاء إطلاق الرصاص لعبور الطريق، وسرعان ما بدأ إطلاق النيران مرة أخرة مما أدى لاختلال توزان محمد الدرة ووالده. وقاما بالانحناء خلف جدار خرساني في مفترق الطرق، ومعهم مصور لوكالة رويترز يدعى عودة، واستخدموا برميل إسمنتي طوله ثلاثة أقدام كان ملقى تجاه الحائط، ليحموا أنفسهم من الرصاص، وكانت هناك حجرة رصف كبيرة فوق البرميل، فأتاحت لهم مزيدًا من الحماية. وانتقل بعد ذلك مصور رويترز بعيدًا، بينما ظل جمال ومحمد هناك وحدهما. وألتقطت عدسة قناة فرنسا 2، مشهد إحتماء محمد الدرة ووالده خلف البرميل، وعرضت هذه اللقطة التي إستمرت لأكثر من دقيقة أسوء وأبشع ما يمكن أن يمر به إنسان على الإطلاق، لحظات مات فيها الدرة أكثر من ألف مرة، فكان مشهد نحيب الطفل ذو الأثنى عشر عامًا تحت وابل من إطلاق النيران والغبار الذي غطى المكان، أشبه بالسهام التي أصابت قلب الوطن العربي بأكمله، وإنتهاك للإنسانية التي طالما تنادي بها دول العالم. ومع إنقشاع الغبار ظهر الصبي وهو يسقط على أقدام والده، بعد إصابته بالعديد من الأعيرة النارية، فقد اُغتيلت طفولته وبراءته نتيجة إنعدام إنسانية الاحتلال، وبالطبع مرت لحظات سكرات موت محمد الدرة على والده وكأنها سنوات من العذاب والألم، لحظات كفيلة بتمزيق قلب والده جمال الدرة. ويعد إستشهاد محمد الدرة أيقونة إنتفاضة الأقصى وملهملها حتى يومنا هذا، فهي الحادثة التي أثارت غضب الملايين، وأسالت دموع الوطن العربي بأكمله، مما دفع الشعب الفلسطيني للخروج في احتجاجات غاضبة أسفرت عن مواجهات عنيفة مع قوات الاحتلال، وسعت إسرائيل في محاولة للتبرؤ من تلك الجريمة التي هزت ضمير العالم، مدعية بأن الفلسطينين يضحون بأطفالهم لتشويه صورة الكيان الإسرائيلي.