حكايات الغارمات فى سجن القناطر هنا داخل السجون، عشرات السيدات يعشن خلف القضبان، بسبب «ثمن ثلاجة» أو 1000 جنيه. لم يقترفن جريمة سوى حاجتهن للمال، الذى جعلهن يقترضن ويوقعن إيصالات أمانة بأضعاف المبلغ المقترض، فى محاولات منهن لإدخال الفرحة على أسرهن، بالمساهمة فى زواج بنت أو شراء «توك توك» للزوج يعمل عليه حتى يدر لهن دخلاً حلالاً. وعندما عجزن عن السداد، تأجلت الأفراح وتحولت إلى مآتم، وأصبح مصيرهن السجن. بمجرد أن تطأ قدمك «السجون» تجدهن يتحركن بملابسهن البيضاء، ملامح الحزن والحسرة مرسومة على الوجوه، قبل أن تسألها عن سبب سجنها، تبادرك بالإجابة: «أنا مسجونة فى قضية شيكات دون رصيد.. أنا غارمة.. تهمتى الفقر.. لا سرقت ولا قتلت ولا مشيت بطال لا سمح الله.. أنا موجودة هنا جوه السجن عشان فيه ناس بره مش حاسة بينا». هناك العشرات من السجينات تركن الأهل والأقارب إلى خلف أسوار عالية تمنعهن من رؤية فلذات الأكباد، تمنعهن أسوار السجون من احتضان أطفالهن، أو الجلوس أمام التليفزيون فى «لمة العيلة»، بعدما فرق الفقر بينهم. يحلمن باليوم الذى يتنفسن فيه هواء الحرية. تتعدد القصص و«الحواديت» داخل كل زنزانة، ويبقى سبب السجن قاسماً مشتركاً بينهن، وهو عدم القدرة على سداد الديون المتراكمة عليهن. وهناك أعداد كبيرة من السيدات يحلمن بالحرية، فى انتظار قلوب رحيمة وأيادٍ سخية تبذل وتعطى، وتنقذ مصير أسر كاملة من الدمار، وحياة أطفال صغار من موت محقق بعد أن أصبحوا دون أم، إيماناً منهم بأنه من أحياها فكأنما أحيا الناس جميعاً. ورغم الجهود المبذولة لخروج الغارمات، تبقى قصص وحواديت داخل السجون، يكاد يمل القلم من سردها. إنها قصص لأمهات دخلن السجن بسبب أموال ضئيلة، إلا أنهن عجزن عن السداد، فدخلن السجون ونقشن قصص وحواديت الصبر على جدران الزنازين، تلك القصص التى تلعن البشرية وتلعن القسوة، وتتلهف إلى قلوب رحيمة لانتشالها من غيابات السجون. هبة حسين: «نفسى أقول لابنى يسامحنى عشان ظلمته» «هبة حسين» سجينة منذ 11 سنة بسبب تعثرها فى سداد ثمن الأجهزة الكهربائية، إذ وقعت على 11 إيصال أمانة، وتم تحرير 45 قضية لها بمديونية قيمتها 42 ألف جنيه، تقول «هبة»: تعرضت للنصب ممن أخذت منهم الأجهزة فقد كتبوا مبالغ مالية ليست حقيقية.. وأفتقد ابنى «محمد» الذى ولدته هنا فى السجن وعمره 11 عاماً.. ودائماً ما يأتى لزيارتى مع أهلى.. أما زوجى فلم يأت أبداً لزيارتى.. ونفسى أقول لمحمد يسامحنى عشان ظلمته معايا. رضا عبدالرءوف: مش عاوزة ولادى يشوفونى بهدوم السجن رضا عبدالرءوف، سجينة منذ سنة وحاصلة على بكالوريوس سياحة، ولديها طفلان يبلغان من العمر 6 سنوات. انفصلت رضا عن زوجها عندما تم سجنها. كانت صاحبة مركز لبيع أدوات التجميل وتسكن فى منطقة التجمع الخامس، واضطرت للتوقيع لصاحبة المنزل الذى تقطنه على إيصالات أمانة من أجل شراء الشقة ثم استغلت صاحبة المنزل توقيعها هذا وقامت بابتزازها.. وبالفعل تم حبسها عندما عجزت عن تسديد الأموال. وتنفعل «رضا» وهى تقول: ليس من حق أى إنسان حرمان أم من حضن أطفالها بسبب إيصال أمانة.. لم أراهم منذ حبسى.. ومن الصعب أن أجعلهم يروننى بملابس السجن. وتطالب رضا بمحاربة «مافيا إيصالات الأمانة»، مؤكدة أنها ستفعل ذلك عند خروجها من السجن.. ويجب أن تكون تلك الإيصالات رسمية وموثقة فى الشهر العقارى، لأن التلاعب يحدث عند كتابة أرقام مخالفة للواقع فى الإيصال وساعتها يعجز المدين عن السداد. «هدى»: عايزة أقول لبناتى سامحونى.. ماكنش قصدى هدى عبدالمنعم، سجينة منذ 6 سنوات كانت تعمل فى أحد مراكز التجميل وهى تحكى عن مأساتها قائلة: قمت بالتوقيع على إيصالات أمانة كضامن لزوجى بمبلغ 50 ألف جنيه، ثم خذلنى زوجى ولم يدفع الأموال للدائن وتم حبسى بعد ذلك، وهى تقول بحسرة: لقد قمت بولادة ابنتى الصغرى فى السجن وهى الآن عندها 6 سنوات وتعيش فى إحدى مؤسسات الرعاية وأراها مرة واحدة كل شهر.. أما ابنتى الكبرى فحاصلة على ليسانس آداب ولم أرها منذ سنتين فقد منعها إخوتى من أن تأتى لزيارتى.. وحتى زوجى الذى تم سجنى بسببه لم يأت لزيارتى ولا مرة واحدة.. وتختم «هدى» حديثها قائلة: نفسى عند خروجى ألم شمل البنتين ونقعد مع بعض، وكل ما أريد قوله لهن: سامحونى.. ما كنش قصدى. أم السجينات.. سيدة الأعمال الراقية ومسئولة المعارض فاطمة أو «بطة».. ليست سيدة أعمال داخل السجن فقط، بل هى أم مثالية لسجينات القناطر، تدافع عن حقوقهن، وتدفعهن للعمل. تشجعهن على سداد ديونهن بأنفسهن. قضت «فاطمة» 19 عاماً خلف أسوار سجن النساء، وأوشكت على الخروج، وهى كانت تعمل فى مجال تصنيع الأجهزة التليفزيونية وتجميعها من خلال شركات قطاع الأعمال وكانت تقدمها لشركات توظيف الأموال وعندما تعثرت تلك الشركات تعثرت «فاطمة» بدورها وعجزت عن تسديد الأموال المستحقة لقطاع الأعمال. ومنذ عام 2000 تقبع «فاطمة» خلف قضبان سجن القناطر فى قضية أموال عامة. هى سيدة الأعمال الأولى فى السجن، ومسئولة المعارض التى تنظمها إدارة سجن النساء فى فنادق القاهرة ونوادى «الليونز» و«الروتارى» والنوادى الرياضية وتقدم فيها منتجات السجينات من «مفارش سينية وكروشيه ولوحات كانافا وخيامية» والتى لا تقل أسعارها عن أسعار مثيلاتها فى كبرى المحال. مفرش السرير وصل سعره إلى 2000 جنيه، ومفرش السفرة يبدأ من 600 جنيه، واللوحات 6 آلاف. قبل أن تدخل «فاطمة» السجن لم تكن تعرف شيئاً عن «شغل الإبرة والتطريز»، واللواء هانى الدغيدى، أحد مسئولى السجن، صاحب الفضل عليها فى إتقان هذا المشروع الذى نقلته للسجينات: «ده مش مجرد مشروع لقضاء وقت الفراغ، ده مشروع تجارى هدفه مساعدة الغارمات على سداد ديونهن.. بدل ما السجينة تقعد تعيط مستنية حد يدفع لها الدين اللى عليها، شغلها معانا يسدد جزءاً كبيراً من ديونها». تشترى «فاطمة» الخامات من مالها الخاص ومال السجينات. وإذا كان هناك عجز مالى تلجأ إلى إدارة السجن التى تستجيب فوراً لاستكمال الخامات والمعدات، وهو ما يساعدها على خروج منتجاتها بجودة عالية تنافس أكبر المحال الشهيرة فى المفروشات ال«هاند ميد». كل من فى السجن يعلم أن «فاطمة» لديها مهارات قوية تمكنها من تسويق منتجات السجينات لدى سيدات الأعمال والمجتمع اللاتى يزرن السجن: «أنا نظمت معارض داخل السجن وأخرى فى كبرى فنادق مصر وفى النوادى الاجتماعية وأكاديمية الشرطة، وأحلم بتنظيم معرض عالمى لعرض كافة منتجات السجينات فى الفترة المقبلة». تنتظر «فاطمة» يوم خروجها الذى اقترب بفارغ الصبر من أجل الجلوس وسط أولادها الخمسة وأحفادها مجددا،ً وهى تتمنى من أسرتها أن يتقبلوها بينهم وتوجه رسالة إلى المجتمع قائلة: «ليس كل المساجين مجرمين جنائياً وهناك من تغير حاله بعد قضاء فترة السجن وأصبح إنساناً أفضل ويعمل الآن عملاً شريفاً». فاطمة تنفذ حكماً بالسجن 8 سنوات بسبب «توك توك» فاطمة عبداللطيف، سجينة منذ 4 سنوات، ولديها 3 أطفال كلهم فى المدارس. كانت «فاطمة» تعمل ممرضة ومرتبها ضئيل لذا فكرت فى عمل مشروع من أجل زيادة الدخل، فاشترت «توك توك» بالقسط، ووقعت على إيصالات أمانة بمبلغ 10 آلاف جنيه وصل الآن إلى 22 ألف جنيه وهى تحكى عن مأساتها قائلة: «التوك توك» الذى قمت بشرائه تعرض لحادث وتعثرت فى السداد وأخذت حكماً بالحبس 8 سنوات. وتستكمل حديثها وهى تذرف الدموع قائلة: ولادى وحشونى ونفسى أشوفهم وأضمهم إلى صدري.. أنا عملت كده عشانهم.. لم أرهم منذ أن تم حبسى، كما أن زوجى طلقنى وتزوج بأخرى ولا يسأل عنى أحد.. حتى إخوتى لم يأتوا لزيارتى ولا مرة واحدة. عزة : عاوزة أشوف قبر ابنى عزة على موسى -سجينة منذ سنتين- لديها 4 أطفال وهى مطلقة بدأت حديثها ل«الوفد» قائلة: «كنت بتاجر فى الأنابيب ووقعت على 5 دفاتر ب50 إيصالاً بمبلغ 50 ألف جنيه وأخذت حكماً بالحبس 15 عاماً فى 34 قضية، كل ما يؤلمنى هو بعدى عن أطفالى. توفى حازم ابنى الصغير المريض بالقلب والذى يبلغ من العمر 14 عاماً دون أن أراه وأول شىء أريد أن أفعله عند خروجى من السجن هو زيارته فى القبر.. عاوزة أشوف قبر حازم. أما أطفالى الصغار فهم يعيشون بمفردهم الآن ويرعاهم الجيران وأنتظر اليوم الذى يجمعنى بأطفالى. وتقول «عزة» إنها تحاول مساعدتهم بالمبالغ لضئيلة التى تحصل عليها وهى داخل السجن بقدر ما تستطيع. سامية رمضان: ولادى مش بيزورونى الحاجة سامية رمضان، سيدة فى الخمسينيات من العمر، سجينة منذ 4 سنوات، لديها 6 أبناء منهم طفل تمت ولادته فى السجن ويبلغ من العمر 3 سنوات ويوجد الآن فى إحدى مؤسسات الرعاية، ولم يكن أمامها سوى أن تجهز ابنتها بمفردها فى ظل عجز زوجها.. فاشترت أجهزة كهربائية بمبلغ 20 ألف جنيه واستطاعت سداد عدد كبير من الأقساط ولكنها عجزت عن سداد الباقى، لذا أقامت الشركة دعوى ضدها وتم حبسها وحرمانها من أطفالها، وهى تقول: «لا أعرف شيئاً عن أطفالى ولا كيف يعيشون.. نفسى فقط أطمئن عليهم.. لا أحد منهم يأتى لزيارتى.. أنا عايشة فقط عشان اليوم اللى هشوفهم فيه.. ليه ولادى مش بيزورونى؟».