قرار عاجل من وزير العدل لضبط الأسعار في الأسواق    متحدث "الأوقاف": التوعية بتأثير الألعاب الإلكترونية على سلوك الطفل أولولية ب"صحح مفاهيمك"    الأرصاد تكشف حالة الطقس المتوقعة خلال الفترة المقبلة    السيسي يشدد ل بوتين على ضرورة خفض التصعيد الراهن بمنطقة الشرق الأوسط    التموين: صرف مقررات أبريل ومنحة الدعم الإضافي اعتبارًا من الغد    السيسي: تذليل أي تحديات تواجه عمل شركة «أباتشي» في مصر    وزيرة التنمية المحلية ومحافظ الإسكندرية يتفقدان مركز الناصرية لمعالجة المخلفات الخطرة    تنسيق مشترك بين تموين وزراعة الأقصر لضمان نجاح موسم توريد القمح وتأمين إمدادات البوتاجاز    مياه سوهاج: مياه الشرب المنتجة مطابقة للمواصفات القياسية وجودتها خط أحمر    الرئيس السيسي وبوتين يبحثان سبل استعادة الاستقرار الإقليمي    الأمم المتحدة: 4 مليون شخصًا قد يفقدون وظائفهم بسبب الحرب بالشرق الأوسط    الدفاع الإماراتية تعلن تعاملها مع اعتداءات صاروخية ومسيرات    وزير الخارجية يستقبل رئيس جامعة القاهرة لبحث التعاون والتحضيرات لاحتفالية يوم أفريقيا    ملحق مونديال 2026.. إيطاليا لتجنب خيبة أخرى وكوسوفو تحلم بإنجاز غير مسبوق    الليلة.. قمة نارية بين مصر وإسبانيا استعدادًا للمونديال    تعطيل الدراسة يومي الأربعاء والخميس لسوء الطقس.. هل تنتظر "التعليم" اللحظة الأخيرة؟    السيطرة على حريق في زراعات عين العرايس بواحة سيوة    إصابة 5 أشخاص في حادث انقلاب ميكروباص بالشرقية    ضبط دجال بتهمة النصب على المواطنين بزعم العلاج الروحاني في الإسكندرية    "الوطنية للإعلام" تنعى الكاتبة والباحثة الكبيرة هالة مصطفي: نموذج للجدية والانضباط    الرعاية الصحية: تقديم أكثر من 3.25 مليون خدمة لعلاج أمراض الكُلى والمسالك بمحافظات التأمين الصحي الشامل    وزير الصحة يترأس اجتماعاً لمراجعة الحساب الختامي لموازنة 2024-2025    101.46 دولار للبرميل، مؤشر النفط يتراجع عالميا    متحدث يونيفيل: قواتنا تعمل في ظروف أمنية خطيرة (فيديو)    وفاة والد الفنانة أمل بوشوشة بعد صراع مع المرض    الأزهري: مصر تمتلك تاريخًا عظيمًا وعجائب لا تنقضي في خدمة القرآن وشتى العلوم    ضمن برنامج المواطنة.. أنشطة متنوعة لقصور الثقافة في مدرسة كوم الحاصل بالمنيا    السيسي وبوتين يطالبان بوقف فوري للأعمال العدائية في الشرق الأوسط    نص أقوال عامل متهم بالتحرش بطفلة داخل مصعد في الهرم    «الصحة» تستقدم 4 خبراء دوليين لإجراء جراحات متقدمة وتدريب الكوادر الطبية    جاهز لمباراة المصري، صانع ألعاب الزمالك يتعافى من الإصابة    «ومن الودي ما قتل!».. هزائم ودية تطيح بمدربين.. والجوهري الأشهر    "برشامة" يواصل تصدره إيرادات أفلام عيد الفطر المبارك    وفاة الدكتورة هالة مصطفى أستاذ العلوم السياسية    افتتاح معمل الرؤية الحاسوبية المدعوم بالذكاء الاصطناعى بطب أسنان القاهرة    الصحة تحذر: الإنفلونزا تتغير سنويًا والتطعيم هو الحل    المغرب يواجه باراجواي وديًا في إطار التحضير لكأس العالم 2026    الأهلي أمام وادي دجلة.. ومسار يواجه مودرن في نصف نهائي كأس السيدات    اللجنة العليا للمسؤولية الطبية تُعزّز الوعي المجتمعي والمهني بقانون المسؤولية الطبية من داخل كلية طب الأزهر    السكك الحديدية: تراجع تأخيرات القطارات اليوم لاستقرار الأحوال الجوية    نقابة المهن التمثيلية تتمنى الشفاء العاجل للإعلامي عمرو الليثي    تعرف على سعر الدرهم الإماراتي في البنوك المصرية صباح اليوم    نتنياهو: الأهداف النهائية للمهمة في إيران باتت في متناول اليد    "الصرف الصحي بالإسكندرية": رفع درجة الاستعداد للتعامل مع موجة الأمطار المتوقعة    تجديد حبس المتهمين بسرقة بطاريات وإطارات السيارات بمدينة نصر    موعد مباراة تركيا وكوسوفو في الملحق المؤهل لكأس العالم والقناة الناقلة    أجبر ابنته علي إنهاء حياتها غرقا، تأجيل محاكمة نجار بشبرا الخيمة    المقاومة الإسلامية في العراق تنفذ 19 عملية بالطيران المسير    زياد بهاء الدين عن تداعيات الحرب الإيرانية: نحن في قلب المعركة اقتصاديا    رئيس "فيفا": على إيران المشاركة في كأس العالم ولا خطة بديلة    محافظ الفيوم يواصل جولاته الليلية لمتابعة الالتزام بمواعيد غلق المحال    بالتزامن مع العيد القومي.. مطرانية المنيا تنظم الملتقى العلمي السادس بعنوان "المنيا.. أجيال من الصمود"    مئوية يوسف شاهين تفتتح حوار السينما والفكر في مهرجان الأقصر للسينما الأفريقية    دعاء الفجر.. أدعية خاصة لطلب الرزق وتفريج الهم    التعليم: استمرار الدراسة وانتظام الامتحانات بجميع المدارس اليوم الثلاثاء دون تعطيل    الأزهر يواصل حملة «وعي».. الرد على شبهة الاكتفاء بالقرآن وإنكار حجية السنة    الأوقاف عن الإرهابى عبد الونيس: مفيش إرهاب نهايته نصر.. نهايته دايما ندم    الإفتاء: لا تقتلوا الحيوانات الضالة.. الحل في الرحمة لا القسوة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



غزوة بني قريظة .. الغدر والعقوبة
نشر في الشعب يوم 22 - 05 - 2012

الغدر والخيانة من أحط الصفات، وأسوأ الأخلاق، ولا تسود الخيانة في الناس إلا انتشر فيهم الخوف، فلا يأمن بعضهم بعضًا؛ ولذا جاءت شريعة الله تعالى آمرة بالأمانة والوفاء، ناهية عن الغدر والخيانة {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ} [المائدة: 1]، {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ} [الأنفال: 27]، وفي آية أخرى {إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَنْ كَانَ خَوَّانًا أَثِيمًا} [النساء: 107].
ولما كانت سنة الله تعالى في عباده أن يوجد فيهم الخونة الغدارون ولا سيما في العهود والمواثيق، فإن الله عز وجل حذّر المؤمنين منهم، وبيّن كيفية التعامل معهم {وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ} [الأنفال: 58].
وأمة بني إسرائيل هي أشهر الأمم في الخيانة والغدر؛ فلا يعاهدون عهدًا إلا نقضوه، ولا يسالمهم قوم إلا غدروا بهم، ولا يحسن إليهم أحد إلا أساءوا إليه، ويرون ذلك حقًّا من حقوقهم، وفرضًا من فروض دينهم {أَوَكُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْدًا نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يُؤْمِنُونَ} [البقرة: 100]، {فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً} [المائدة: 13]، {الَّذِينَ عَاهَدْتَ مِنْهُمْ ثُمَّ يَنْقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ وَهُمْ لا يَتَّقُونَ} [الأنفال: 56].
وأكبر دليل على أن اليهود أغدر الناس وأخونهم: أن كل قبائلهم في المدينة نقضت عهودها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فحُقّ عليهم العذاب في الدنيا؛ فمنهم من هُجِّروا وأخرجوا من ديارهم، ومنهم من قُتلوا وسبيت نساؤهم وذراريهم.
وفي آخر ذي القعدة من السنة الخامسة من الهجرة، نقضت بنو قريظة عهدهم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأمكن الله تعالى المؤمنين منهم، فقضوا فيهم بحكم الله تعالى الذي أنزله.
لقد كان من سياسة النبي صلى الله عليه وسلم أول هجرته للمدينة أن وادع اليهود فيها، وعاهدهم بميثاق بيّن فيه ما لهم من الحقوق وما عليهم من الواجبات، وكان من بين بنود ذلك الميثاق: "أن للمسلمين دينهم، ولليهود دينهم، وأن على اليهود نفقتهم، وعلى المسلمين نفقتهم، وأن بينهم النصر على من حارب أهل هذه الصحيفة، وأن بينهم النصح والنصيحة والبر دون الإثم، وأن اليهود ينفقون مع المؤمنين ما داموا محاربين".
والتزم المسلمون بهذا العهد والميثاق؛ لأن من شيمتهم الوفاء والأمانة، فدينهم يأمرهم بذلك ويحرم عليهم الغدر والخيانة، ولكن اليهود نقضوا العهد قبيلة قبيلة، وأخطر ما نقضت اليهود من العهود، وأشده ضررًا على المسلمين، وأكثره خسة ودناءة وغدرًا فعلة بني قريظة؛ إذ إن مقتضى المعاهدة معهم أن يشاركوا المسلمين في دفع خطر المشركين عن المدينة، وقد حاصروها بأعداد كثيفة في غزوة الأحزاب، ولم يكتف اليهود بخذلان المسلمين في هذا الوقت العصيب، والتخلي عنهم في هذا المأزق الحرج، بل دعتهم نفوسهم الخبيثة التي تنضح بالغدر، وتقطر بالخيانة.. دعتهم إلى طعن المسلمين في ظهورهم، وخفرهم في نسائهم وذراريهم، وممالأة المشركين عليهم.
ويا له من موقف عصيب! ويا لها من خيانة لا نظير لها البتة!
ولما تسامع بعض الناس بخبر الغدر هذا، وخافوا على من في الحصون من النساء والأطفال من غدر اليهود، أراد النبي صلى الله عليه وسلم الاستيثاق من غدرهم، فأرسل الزبير والسعدين ابن معاذ وابن عبادة رضي الله عنهم، فرجعوا مؤكدين خبر نقض قريظة للعهد، وعظم بلاء المؤمنين، واشتدت محنتهم، وأصبحوا يواجهون عدوًّا شرسًا يحاصر المدينة في عدد كثيف يبلغ عشرة آلاف مقاتل، ويعالجون منافقين يخذلون ويرجفون، ويبثون الشائعات والأكاذيب، ولا يدرون ما يصنعون باليهود وهم داخل الحصون عند النساء والأطفال وقد تنكروا للمسلمين وانحازوا للمشركين {هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالاً شَدِيدًا} [الأحزاب: 11].
وحمل سعد بن معاذ -رضي الله عنه- في قلبه على بني قريظة بسبب خيانتهم القبيحة، رغم أنهم كانوا حلفاءه وأقرب الناس إليه في الجاهلية، ولما جرح -رضي الله عنه- في الأحزاب ونزف وخشي أن يموت قبل أن يرى عذاب الله تعالى في بني قريظة، فدعا الله تعالى قائلاً: "اللهم لا تُخْرِج نَفْسي حتى تَقَرَّ عيني من بني قريظة"، فاستمسك عرقه فما قطر قطرة.
استجاب الله تعالى لدعوات المؤمنين وتضرعهم، وخذل الكافرين والمنافقين، فردَّ بقدرته وحكمته ورحمته المشركين على أعقابهم، وصدَّع تحالف اليهود معهم بشكوكٍ ألقاها في قلوب الفريقين، وتوفيقٍ منه سبحانه لنعيم بن مسعود -رضي الله عنه- في الوقيعة بينهم، وكان نعيم بن مسعود قد أسلم ولم يعلموا بإسلامه، فعادت أحزاب المشركين خاسرة خائبة إلى مكة، وعاد رسول الله صلى الله عليه وسلم (ووضع السلاح واغتسل، فأتاه جبريل وقد عصب رأسه الغبار فقال: وضعت السلاح، فوالله ما وضعته؟! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «فأين؟» قال: ها هنا. وأومأ إلى بني قريظة)، فأذن عليه الصلاة والسلام في الناس: «لا يصلين أحد العصر إلا في بني قريظة».
وهذا يدل على أن غزو بني قريظة واستئصال شأفتهم جاء الأمر به من عند الله -عز وجل- عن طريق جبريل عليه السلام، وليس فعلاً فعله النبي -عليه الصلاة والسلام- وأقره الله تعالى عليه، بل إن جبريل -عليه السلام- أنكر على النبي صلى الله عليه وسلم وضع السلاح والاغتسال قبل إيقاع العقوبة بالخونة المجرمين من يهود بني قريظة، وأخبره أن الملائكة -عليهم السلام- لم يضعوا أسلحتهم.
خرج النبي صلى الله عليه وسلم إليهم وقد بعث عليًّا -رضي الله عنه- على مقدمة الجيش ومعه اللواء، فحاصرهم خمسًا وعشرين ليلة، فلما اشتد حصرهم، واشتد البلاء قيل لهم: انزلوا على حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم. فاستشاروا أبا لبابة بن عبد المنذر، فأشار إليهم أنه الذبح، قالوا: ننزل على حكم سعد بن معاذ (وكان سعد رضي الله عنه حليفًا لهم، فظنُّوا أن يحابيهم ويخفف الحكم عليهم). فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «انزلوا على حكم سعد بن معاذ».
فنزلوا، وبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى سعد بن معاذ فأُتي به على حمار عليه إِكاف من ليف قد حمل عليه وحفَّ به قومه، يحاولون الشفاعة في بني قريظة، فقالوا: يا أبا عمرو، حلفاؤك ومواليك وأهل النكاية ومَن قد علمت. وهو رضي الله عنه ساكت لا يرجع إليهم شيئًا، ولا يلتفت إليهم، حتى إذا دنا من دورهم التفت إلى قومه فقال: "قد آن لي أن لا أبالي في الله لومه لائم"، وفي رواية: قال رضي الله عنه: "قد آن لسعد أن لا تأخذه في الله لومة لائم". فجيء بسعد -رضي الله عنه- وهو جريح، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «أنزلوه»، فأنزلوه، ثم قال عليه الصلاة والسلام: «إن هؤلاء نزلوا على حكمك». قال: فإني أحكم فيهم أن تُقتل مقاتلتهم وتُسبى ذراريهم. قال عليه الصلاة والسلام: «حكمت بحكم الله عز وجل»، فقتل رجالهم وكانوا بين ستمائة وتسعمائة، إلا من أسلم منهم حَقَن إسلامه دمه، وسُبيت نساؤهم وذرياتهم، وقُسِّمت في المسلمين.
فكان هذا العقاب الشديد مناسبًا لجرمهم الشنيع!
وقد وجد بعض المعاصرين من المسلمين في نفوسهم شيئًا من هذا الحكم الشديد، مع أنه حكم الله تعالى من فوق سبع سموات، ولسان حالهم يقول: كيف تُفنى قبيلة كاملة من اليهود بسبب خيانتهم، والإسلام دين الرأفة والرحمة، والسماحة والمسامحة؟ ويزداد حرجهم حين يستغل الأعداء هذه المواقف من السيرة النبوية ليشغبوا بها على الإسلام، ويتهموه بالفاشية والدموية.
ولا شك في أن هذا الحرج الذي يجده بعض المسلمين من هذه الحادثة ومثيلاتها ينطوي على عدم استسلام كامل لله تعالى، ويدل على شك داخل تلك القلوب في حكمه عز وجل، والله تعالى يقول: {فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} [النساء: 65]. فلا يسع مسلمًا إلا الرضا بحكم الله تعالى وأمره، واليقين بأنه الحق والعدل، وأن ما عارضه هو الباطل والظلم.
وسبب هذا الضعف في الاستسلام لشريعة الله تعالى هو أن من سلك هذا المسلك الخاطئ قد سلّم بحكم الطاغوت المتمثل فيما يُسمَّى بحقوق الإنسان، ثم جعله حاكمًا على شريعة الله تعالى، فما وافق قوانينهم الوضعية من شريعة الله تعالى رضيه وصاح بأن الإسلام قد سبق إليه، وما خالف قوانينهم طعن فيه وتأوّله، وفي أحسن الأحوال يقبله على استحياء ويخفيه كأنما هو عارٌ ونقص وخلل في الإسلام.
وقوانينهم الدولية الوضعية المتعلقة بالسلم والحرب، وحقوق الإنسان والمرأة والطفل، وحقوق الأسرى وغيرهم، فيها ما يوافق شرع الله تعالى فيكتسب شرفًا بذلك، وإن لم يكن لواضعيه فيه نيّة ولا احتساب، كما أن في قوانينهم ما يعارض شرع الله تعالى وهو تحت الأقدام وإن زمّر له المزمرون، وطبّل له المطبلون، وجعله المنافقون في هذا العصر شريعتهم التي لا يأتيها الباطل من بين يديها ولا من خلفها، وما هو إلا من وحي الشيطان ووساوسه، وكل ما عارض الشريعة فهو الباطل والظلم، ولا يحق الحق، ولا يقضي بالعدل، ولا بد أن يوقن المسلم بذلك؛ لأنه ما صار مسلمًا إلا لقناعته بالإسلام، واستسلامه لأحكام الله تعالى.
وغالب الذين يداخلهم شك في بعض أحكام الشريعة، ويجدون حرجًا من قضاء المسلمين على بني قريظة - إنما نظروا إلى المجرم حال سفك دمه، ولم يستحضروا جريمته الشنعاء، فامتلأت قلوبهم بالرحمة والشفقة على المجرمين فزعموا حفظ حقوقهم، ونسوا مَن ظلمهم وغدر بهم هؤلاء المجرمون.
ومعلوم أن الدول في هذا العصر مجمعة على قتل الجاسوس الذي ينقل الأخبار للدول المعادية، ويعينها على دولته، وأين فعل جاسوس واحد خان وطنه من نقض اليهود للعهد وهم أمة كاملة تتطلع لإبادة المسلمين، وتقابل عظيم إحسانهم إليهم بحفظ العهد معهم مع القدرة عليهم، وإحسان جوارهم، والدفاع عنهم، تقابل أمة اليهود ذلك بأعظم الإساءة، وأشد دركات الغدر والخيانة.
لقد نقضت قريظة عهدها في أصعب موقف، وأشد ساعة، ولو أن مظاهرة اليهود للمشركين، وخيانتهم للمسلمين تمت على ما أرادوا، ودخل المشركون المدينة، وتمكن اليهود من نساء المسلمين وأطفالهم لأبادوهم عن بكرة أبيهم، أفإن سلّم الله تعالى المؤمنين، وردّ المشركين، وأنزلت العقوبة الشرعية بالخونة الغادرين يجد المسلم حرجًا في نفسه من حكم الله تعالى، فيتذكر حال اليهود وهم يُقتلون، ولا يستحضر حال المسلمين لو تَمكّن منهم المشركون بسبب خيانة اليهود؟!
ولمن في قلبه أدنى حرج من ذلك عبرة وعظة فيما يفعله اليهود في أهل فلسطين، من الغدر والخيانة، ونقض العهد، وقصد الآمنين والنساء والأطفال بالقتل والترويع، وهدم الدور على أصحابها، ولا يكاد يمر يوم دون أن يقتلوا نساء وأطفالاً، فتبًّا لقوانين وضعية توجد حرجًا في قلوب بعض المسلمين من شريعة الله تبارك وتعالى!
من دروس غزوة بني قريظة
في غدر بني قريظة وغدرهم للمسلمين دليل على أن الطوائف والأقليات التي ليست على دين أهل البلد هي أقرب للخيانة والغدر من الأداء والوفاء متى ما رأت الفرصة سانحة لذلك، وأن إحسان أهل البلد إليهم سنوات متتابعة، وحمايتهم لهم، وحفظ حقوقهم، لا يمنعهم أبدًا من الغدر والخيانة، وممالأة الأعداء على أبناء أوطانهم، وأنّ زعمهم أنهم وطنيون، وأن مصلحة الأوطان فوق أديانهم وطوائفهم ومذاهبهم - ما هو إلا شعار يخدرون به أهل الغفلة من الناس.
ولئن كانت خيانة بني قريظة شاهدة على ذلك، فإن التاريخ مليء بالنماذج التي تدل على هذه السُّنَّة، وتؤكد تلك الحقيقة.. ففي أثناء الحروب الصليبية أسس نصارى الشرق من الأقباط والموارنة لواء كاملاً يعين نصارى الغرب على إبادة المسلمين، ويدل على عوراتهم، رغم العداوة الشديدة بين نصارى الشرق وهم الأرثوذكس، ونصارى الغرب وهم الكاثوليك.
وفي اجتياح التتار لبلاد المسلمين، وقضائهم على الخلافة العباسية انحاز ابن العلقمي الرافضي الباطني إلى المغول ضد المسلمين، رغم أنه كان يشغل وزيرًا للخليفة العباسي، فما ردّه عن خيانته توزير العباسيين له، وإغداقهم الأموال عليه، وتمكينه من مفاصل الدولة وثرواتها وقراراتها، بل استغل ذلك في نسج المؤامرات التي قَضَى بها على من أحسنوا إليه.
وهذه النماذج الخائنة تتكرر عبر العصور والدول، وما أكثرهم في هذا العصر، وأشد تمكنهم في كثير من بلاد أهل الإسلام!!
ولئن دلّ التاريخ على هذه الحقيقة فإن في واقعنا المعاصر نماذج منها، ففي اجتياح الصرب للبوسنة كان صرب البوسنة يدلون المحاربين من صربيا على جيرانهم وأبناء وطنهم من المسلمين، ويشاركون العدو الغاشم في إبادة أبناء وطنهم، وكذلك فعلوا في كوسوفا.
وفعل مثل ذلك الباطنيون الصفويون والعلمانيون في أفغانستان، كما فعلوه في العراق -وما زالوا- ومذابحهم ضد جيرانهم من أهل السنة على أشدها! وما زالت الأقليات النصرانية في بلاد المسلمين تحرض الغرب على دولها، وتدل على عورات المسلمين، وتسرّب الأخبار والمعلومات للدول المستكبرة، وتستنجد بها على أوطانهم، وليس بعيدًا عن ذلك ما حصل وما يحصل في السودان والصومال وإرتيريا وغيرها.
ورأينا في حرب لبنان القريبة أصحاب الطوائف الضالة قد ركلوا وطنيتهم بأقدامهم، وانحازوا بولائهم للدولة الصفوية الفارسية الطامعة في إعادة أمجاد كسرى بن هرمز وأنو شروان، رغم إحسان دولهم إليهم. كما رأينا أن أتباع التيارات الليبرالية الغربية قد أجروا أنفسهم لما يخدم مصالح الدول التي تستأجرهم، وتأمرهم وتنهاهم، بعيدًا عن مصالح أوطانهم.
وكل هذه النماذج السيئة من الغدر والخيانة ما هي إلا صورة مكرورة من خيانة بني قريظة، وإذا ما ألمت بأهل أي بلاد ملمة، ودهمها عدوها ظَهَر هؤلاء الخونة على حقيقتهم، وخرجوا من تقيتهم، وركلوا وطنيتهم، وأعلنوا العداء السافر لمن أحسنوا إليهم، وحفظوا لهم حقوقهم، ولم يكرهوهم على دينهم..
والتاريخ والواقع المعاصر مليئان بالشواهد على ذلك، والكيّس الفطن لا ينخدع بالشعارات دون الحقائق، ولا يغشى على بصره لحن القول، وكثرة الوعود والعهود.. فكم من وعد أخلف! وكم من معاهد غدر! ولا قوة للمسلمين ولا نجاة لهم من غدر الغادرين، وخيانة الخائنين، ورد كيد الكائدين إلا بالتمسك بدينهم، وتحكيم شرع ربهم، ومخالفة من يريدون إضعاف المسلمين بتبديل دينهم، وتغيير مناهجهم، وحرفهم عن منهجهم، مع أخذ الحيطة والحذر من الطوائف الضالة، وعدم تمكينهم في بلاد المسلمين، والاستعانة بالله تعالى على كل خائن وغادر، وإعداد العُدّة لإرهاب أعداء الخارج، وتخويف أهل الغدر والخيانة من أعداء الداخل {وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ} [الأنفال: 60].


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.