للباحثين، صور خيانة الأمانة العلمية في الجامعات وفق دليل النزاهة الأكاديمية    مكاسب في وول ستريت بعد قرار المحكمة العليا رفض رسوم ترامب الجمركية    الدولار يواصل الصعود.. طلب متزايد وشح معروض يعيدان الضغوط إلى سوق الصرف    لضخ دماء جديدة، محافظ الوادي الجديد تصدر قرارا بنقل وتصعيد رؤساء المراكز ونوابهم    هاني قسيس    طهران تعد مقترحا مضادا وترامب يدرس خيارات عسكرية    إسرائيل تتهيأ لضربات عسكرية واسعة ضد وكلاء إيران في اليمن ولبنان والعراق    زعيم الطائفة الدرزية في إسرائيل يطلق تحذيراً إنسانياً بشأن دروز سوريا    عودة موائد الإفطار الجماعي في شوارع الخرطوم لأول مرة منذ الحرب    ضربة موجعة لسياسات ترامب.. كيف يؤثر رفض المحكمة العليا للرسوم الجمركية على الاقتصاد؟    معتمد جمال: الفوز على حرس الحدود مهم.. والزمالك مقبل على مواجهات قوية    مدرسة شوبير ولا مدرسة إبراهيم فايق في الإعلام الرياضي؟.. سيف زاهر يكشف رأيه    معتمد جمال: الفوز على الحدود كان صعبا.. وبانزا غاب لهذا السبب    بريست يهزم أولمبيك مارسيليا في الدوري الفرنسي    فتوح: لعبت في مركز جديد أمام الحدود.. وشباب الزمالك مميزون    الدبابة في الطريق ل«الليجا».. ديانج يجتاز الكشف الطبي للانضمام إلى فالنسيا    بايرن ميونخ يحسم موقفه من التعاقد مع برونو فيرنانديز    فشل في الاختبار الأول.. مارسيليا يسقط أمام بريست بقيادة حبيب باي    مقتل رجل على يد شقيقة في الأقصر بطلق ناري بسبب الميراث بثاني أيام رمضان    إصابة 6 أشخاص في تصادم دراجة نارية ب"تروسيكل" بالفيوم    كشف ملابسات واقعة تعدٍ وسير برعونة بالجيزة    لليوم الثالث على التوالى.. مصطفى شعبان حديث السوشيال ميديا بمسلسل درش    سمية درويش تتحدث عن تأثير سعاد حسني على مسيرتها    في بيان عاجل، أسرة مسلسل فخر الدلتا تحذف اسم المؤلف بعد اتهامات بالتحرش    وفاء عامر : مقدرش أقدم دور إغراء في سني    منال الوراقي تكتب: إسطنبول الأقرب لقلبي    هيئة الكتاب تصدر «التحطيب وأعلامه في جنوب مصر».. توثيق شامل ل239 لاعبًا وحفظ لذاكرة فن مسجل باليونسكو    أشرف محمود: الخاسر الحقيقي في رمضان من قدم الدراما على القيام    دعاء الليلة الثالثة من شهر رمضان.. نفحات إيمانية وبداية رحمة ومغفرة    ما حكم مراسلة مقامات آل البيت بالرسائل المكتوبة؟.. المفتي يوضح    المفتي: إخراج الزكاة نقدا أو حبوبا كلاهما صواب وصحيح    «مستشفى أبوتشت العام» تجري جراحة لاستئصال كيس على المبيض مع الحفاظ على الخصوبة    طريقة عمل البيض سوبر سوبريم لسحور لذيذ ومميز    هند صبرى تخطو أولى خطواتها بعالم المخدرات فى مسلسل منّاعة    أهم الأخبار العالمية والعربية حتى منتصف الليل.. إجلاء مئات الجنود الأمريكيين من قطر والبحرين تحسبًا لهجوم إيرانى محتمل.. 10 قتلى فى غارات إسرائيلية على لبنان.. ترامب يتعهد برفع الرسوم الجمركية عالميًا 10%    أولمبيك مارسيليا يسقط بثنائية أمام بريست في الدوري الفرنسي    أخبار × 24 ساعة.. الأزهر يقدِّم طالب بكلية الطب كأول طالب جامعى يؤم المصلين فى الجامع الأزهر    تحرش بها فى الشارع.. سقوط «عاطل بولاق» بعد فيديو استغاثة ربة منزل بالقاهرة    صيام "الجوارح الرقمية".. تحديات الخصوصية الروحية للمرأة المعاصرة    بوتين يوقع قانونا يلزم شركات الاتصالات بتعليق تقديم خدماتها بطلب من الأمن الروسى    أشهر بائع زلابية فى كوم أمبو بأسوان.. يعمل فى رمضان فقط.. صور وفيديو    توصيات برلمانية بشأن تحقيق استدامة التغطية الشاملة في منظومة التأمين الصحي    الأرصاد: طقس الغد دافئ نهارا بارد ليلا.. والعظمى بالقاهرة 21    غدًا أولى جلسات محاكمة الفنان محمود حجازي بتهمة التعدي على زوجته    سعر الدولار اليوم في البنوك المصرية يشهد استقرارًا كاملًا    طب الأسرة بجنوب سيناء يطلق حملة رمضان بصحة لكل العيلة لتعزيز الرعاية المنزلية    د. أحمد فرج القاصد: الجامعات الأهلية والتكنولوجية الجديدة جزء من منظومة تطوير شاملة تخدم التعليم والتنمية    وزير الاتصالات يعزز شراكات الذكاء الاصطناعي في ختام مشاركته بقمة الهند 2026    أوقاف الأقصر تفتتح مسجدين في الجمعة الأولى من شهر رمضان المبارك    محافظ الجيزة: حملات مكثفة على مستوى الأحياء لمواجهة النباشين والفريزة    "الأعلى للجامعات" ينظم فعاليات لدعم البرامج البينية وتعزيز التعاون مع جامعة الأزهر    "الصحة الحيوانية" يحصل على شهادة المنظمة العالمية للسيطرة على مرض "الجلاندرز" بالخيول    «القومي للمرأة» يطلق المرصد الإعلامي لرصد الدراما الرمضانية    منير أديب يكتب: لماذا يُمارس الإخوان العنف وينكرونه؟    «المكرونة بالبشاميل والمحاشي».. تمثل عبئا صحيا كبيرا على مائدة رمضان    تعديلات موسعة في مواعيد وتركيب القطارات على خطوط الوجهين البحري والقبلي    إنجاز مصري مشرف في المعرض الدولي للاختراعات بالكويت 2026    د. ممدوح الدماطي يحاور أعظم محارب في الدولة الحديثة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



في رحاب سورة إبراهيم.. معنى الكفر
نشر في الشعب يوم 15 - 08 - 2011

ومعنى الكفر هو السَّتْر والتَّغْطية، إنهم غَطَّوا على الحقيقة، طمسوا على الحقيقة باتِّباع أهوائهم، لم ينظروا إلى النُّور، ولكنهم غَشَّوا أعينهم فلم يروا هذا النور، الكفر هو التغطية، حتى كلمة (كَفَر) في اللغات الإنجليزية وغيرها تفيد معنى التغطية، يغطُّون ويسترون الحقيقة ولا يرونها وهي واضحة أمامهم: {وَوَيْلٌ لِلْكَافِرِينَ مِنْ عَذَابٍ شَدِيدٍ}
مقابلة الكفر بالشكر:
الكفر أحيانًا يقابل بالشكر، وأحيانًا يقابل بالإيمان، فالكافرون هنا يعني: هم الذين كفروا النِّعمة ولم يشكروا نِعْمَةَ الله، أو الذين كفروا بالمُنْعِم عزَّ وجل.
فالكفر في القرآن يأتي على وجهين: أحيانًا الكفر يقابل الشكر كما في قوله تعالى: {إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً}[الإنسان: 3].
وكما في سورة إبراهيم نفسها بعد آيات قليلة: {وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ} [إبراهيم:7]. فقابل بين الشُّكر والكفر.
مقابلة الكفر بالإيمان:
وأحيانًا يقابل بين الإيمان والكفر، كما في قوله تعالى: {وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَلَكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ}[البقرة:253]. وكما في قوله تعالى: {هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ}[التغابن:2].
دلالة كلمة الكفر عند الإطْلاق:
فالكافرون هنا: هل هم الكافرون بنعمة القرآن وإنزال القرآن؟ أم الكافرون بالمُنْعِم، بالله عزَّ وجل؟
الظاهر أنَّ كلمة الكافرين إذا أُطلقت في القرآن تعني الكفر المقابل للإيمان، هذا هو الأظهر، فهؤلاء كفروا كفرًا لأنهم لم يؤمنوا بالله، ولم يؤمنوا بكتابه، ولم يؤمنوا برسوله، فحُقَّ عليهم العذاب.
العذاب الشديد للكفار في الآخرة:
{وَوَيْلٌ لِلْكَافِرِينَ مِنْ عَذَابٍ شَدِيدٍ} الويل – كما سبق - عذاب وهلاك، وَيْلٌ لهم من عذاب شديد، فإنَّ لهم عند الله عزَّ وجل عذابًا شديدًا يوم القيامة، فقد لا يُعذَّبون في الدنيا، فكثيرٌ من الكافرين ينجون من عذاب الدنيا، يُمهلهم الله إلى الآخرة، فمن شأن الله تعالى أن يُمْهل ولا يُهْمل، كما قال جلَّ وعلا: {سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ * وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ}[الأعراف: 182-183]. قد يؤخِّرهم إلى الآخرة. كما قال تعالى في هذه السورة: {وَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ}[إبراهيم: 42].
العذاب الحسِّي والمعنوي:
فالعذابُ المقصودُ هنا هو عذابُ الآخرة، وهو أخْزَى وأشد وأنكى من عذاب الدنيا بمرَّات ومرَّات، فالعذاب في الآخرة هو عذاب النار التي أعدَّها الله، ومعه عذاب الخزي والهوان كما قال سبحانه:{اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ} [المؤمنون:108] وهذا نوعٌ من العذاب المعنوي بجوار العذاب الحسِّي.
اختلاف وَصْف عذاب النار في القرآن:
عذاب النار عذابٌ شديدٌ، وعذابٌ غليظٌ، وعذابٌ أليمٌ، حسب تعبيرات القرآن وَفْقَ المقامات المختلِفة، هنا قال: {عَذَابٍ شَدِيدٍ}(1) وأيُّ: عذاب أشدّ من عذاب النار؟ وليست أيِّ نار.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إنَّ ناركم هذه جزء من سبعين جزءًا من نار جهنم، وضربت بالبحر مرتين ولولا ذلك ما جعل الله فيها منفعة لأحد"(2) إننا لا نتحَّمل لسعة من هذه النار كما قال الشاعر:
جسمي على الشمس ليس يَقْوى ولا على أهْون الحَرارة
فكيف يَقْوى على جحيم وَقَودُهَا النَّاسُ والحجارة
جاء في الحديث الصحيح، أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قال: " يُؤْتَى بأنْعم أهل الدنيا من أهل النار يوم القيامة - الذي عاش في النعيم والرفاهيَّة والطيِّبات، وما لذَّ وطاب من الطعام والشراب والنِّساء والخدم والحشم.- فيُصْبغ في النار صَبغة - يغمس في النار غمسة واحدة- ثم يقال: يا ابن آدم هل رأيت خيراً قط؟ هل مرَّ بك نعيمٌ قط؟ فيقول: لا والله يا رب . غمسةٌ واحدةٌ تُنَسيه كلَّ ملذَّات الدنيا، كل ما أصابه من شهوات، كل ما جمعه من أموال، كل ما بناه من قصور، بغمسة واحدة في النار ينسى كلَّ لذائذ الدنيا وطِّيباتها.
أسباب الضلال
{الَّذِينَ يَسْتَحِبُّونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الْآخِرَةِ}(4)
استحبابُ الحياةِ الدنيا على الآخرة:
من هم هؤلاء الكافرون (5)؟ {الَّذِينَ (6) يَسْتَحِبُّونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الْآخِرَةِ} ما الذي جعل هؤلاء الكافرين يَعْمَوْنَ عن النُّور وهو واضحٌ أمامهم، عن الحقِّ وأدلته، وهي كالشَّمس في رابعة النهار؟! ما الذي جعلهم يسيرونَ وراء الطاغوت ويكفرون بالله ويكفرون برسالاته؟! سرُّ هذا أنهم اسْتحبُّوا الحياةَ الدنيا على الآخرة، كانت الدنيا أكبرَ همِّهم، ومَبْلغَ علمهم، فاستحبُّوها على الآخرة، جَعَلوا حُبَّها فوق حُبِّ الآخرة، آثروا الدنيا على الآخرة، وهذه هي مشكلة البشر إيثار الأُولى على الآخرة: {بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا} [الأعلى:16]، {فَإِذَا جَاءَتِ الطَّامَّةُ الْكُبْرَى* يَوْمَ يَتَذَكَّرُ الإِنْسَانُ مَا سَعَى* وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِمَنْ يَرَى * فَأَمَّا مَن طَغَى * وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا * فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى} [النازعات:34، 39]، {كَلاَّ بَلْ تُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ * وَتَذَرُونَ الآخِرَةَ}[القيامة:21،20].
ما موقف الناس في هذه الحالة؟ هما موقفان وهما صنفان لا ثالث لهما: {فَأَمَّا مَنْ طَغَى * وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا * فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى* وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى * فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى} [النازعات: 34-41].
المعضلة هي إيثارُ الدنيا على الآخرة، الذين اسْتَحبُّوا الحياة الدنيا على الآخرة، كانت الدنيا فوق كلِّ شيء عندهم.
سبب جحود هِرَقْل لرسالة النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم:
من قرأ صحيح البخاري وجد في أحاديثه الأولى - بعد حديث: (إنما الأعمال بالنيات) - حديث هِرَقل الذي وَصَلته رسالة النبي يدعوه فيها إلى الإسلام قائلاً له: بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد عبد الله ورسوله، إلى هرقل عظيم الروم، سلام على من اتَّبع الهدى، أما بعد: فإني أدعوك بدعاية الإسلام، أسلم تَسْلَم يُؤْتك الله أجرك مرتين، فإن تولَّيت فإنَّ عليك إثم الأريسيين. -ودعاه إلى آية في سورة آل عمران -: {قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ}" [آل عمران: 64](7) .
كان هِرَقل رجلاً عاقلاً، أحبَّ أن يستوثق من صدق الرسالة التي بُعث بها إليه محمد ، وقال: هاتوا لي ناسًا من العرب، فجاءوا له بأبي سفيان، وكان في رحلة تجارية في ذلك الوقت. جاءوا به، فظلَّ يسأله عن النبيِّ أسئلةً في غاية الدقة، وأبو سفيان يجيب، ويخشى أن يكذب فَيُؤْثر عنه الكذب.
فقال هرقل: هذا هو النبيُّ الذي بشَّرنا به المسيح، ولو خَلَصْتُ إليه لغسلت عن قدميه، ثم عَرَضَ الأمر على رجال الدين القسس والرهبان، فهاجوا عليه، فقال لهم: أنا أردت أن أختبر حفظكم على دينكم، وبعد أن اقتنع أنَّ محمدًا رسول الله غلَّب الدنيا، غلَّب حُبَّ مُلْكِهِ على الدخول في الإسلام، وبقي يحارب الإسلام، ثم هزمه الإسلام بعد ذلك، والحمد لله.
موانع الإيمان واتِّباع الحق:
الذين حاربوا رسول الله من مشركي قريش، كانوا يعلمون أنه على حقّ، ولكنه الكِبْر من ناحية، والحَسَد من ناحية، والتقليد الأعمى لآبائهم من ناحية أخرى.
اليهود الذين وقفوا ضدَّ رسول الله كان الحَسد وحُبُّ الدنيا وراء ذلك؛ قال تعالى: {وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّاراً حَسَداً مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ }[البقرة:109].
{وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ }(8)
الصَّدُّ عن سبيل الله عزَّ وجل:
لم يكتفوا بأن يكفروا في أنفسهم، بل ظلُّوا يصُدُّون غيرهم عن سبيل الله، صدٌّ عن سبيل الله بمعنى: منع الناس عن الدخول في دين الله، صَرْف الناس عن الدخول في الإسلام؛ كالذي يقف في الطريق يمنع الناس من السير فيه، كقطَّاع الطريق الذين يقفون يمنعون الناس إلا إذا دفعت لهم إتاوة أو ما عندك أو غير ذلك، فهذا صدٌّ عن سبيل الله.
كما قال سيدنا شعيب : {وَلا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِرَاطٍ تُوعِدُونَ وَتَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِهِ وَتَبْغُونَهَا عِوَجاً }[الأعراف:86]. وكما قال تعالى: {قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ تَبْغُونَهَا عِوَجاً وَأَنْتُمْ شُهَدَاءُ}[آل عمران:99]. هؤلاء يَصُدُّون عن سبيل الله ويبغونها عوجًا.
يقول بعض المُفسِّرين: يَصُدُّون أنفسهم ويَصُدُّون غيرَهم. ولكن يَصُدُّون أنفسهم يكفي أنهم كفروا، إنما المعنى هنا يصدُّون عن سبيل الله.
فِعْلُ صَدَّ: يأتي في اللغة لازمًا أو قاصرًا ومتعديًا، صدَّ بمعنى أعرض، كما قال الله تعالى: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُوداً}[النساء:61]. فهذا صَدٌّ قاصرٌ لازمٌ، وصدَّ أي: أعرض.
هناك صدٌّ بمعنى منع الغير، يعني يريد منع الناس من الدخول في الإسلام، وإذا دخلوا في دين الله يفتنهم ويؤذيهم ويعذِّبهم، كما فعل مشركو مكة بالمستضعفين، عذَّبوا عمَّار بن ياسر وأباه ياسرًا وأمه سميَّة، ومات أبوه ياسر وأمه سميَّة تحت العذاب، عذَّبوا بلالاً وغيره من المسلمين، فهؤلاء المشركون يصدون عن سبيل الله.
سبيل الله عز َّوجل:
سبيلُ الله هو الطريق المُوصل إلى الله، أي: إلى رضوان الله، إلى مثوبة الله، إلى جنَّة الله، ثم سبيل الله لأنَّ الله هو غايته، إنه يوصل إلى الله وإلى رضوان الله، ولأنَّ الله هو الذي شرع هذا السبيل، وهو الذي دعا إليه، وهو الذي هدى إليه، ولذلك نُسِبَ إليه، فسبيلُ الله هو صِراطُ الله كما قال الله تعالى: {وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ * صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ} [الشورى:52 - 53].
هؤلاء يصدُّون عن سبيل الله، عن الطريق الموصلة إلى الله، وقفوا قطَّاعًا للطريق، يصدُّون عن سبيل الله.
{وَيَبْغُونَهَا عِوَجاً}(9)
ابتغاء العوج لسبيل الله سبحانه:
يريدونها سبيلاً عوجاء غير مستقيمة، والله جعل هذه السبيل سبيلاً مستقيمًا لا عوج فيها ولا أمْتًا، لا تميل إلى اليمين ولا إلى الشمال.
الصِّراط المستقيم هو أقرب طريق إلى الهدف، الله جلَّ وعلا يريدها مستقيمة وهم يريدونها عِوَجًا.
قال: {وَيَبْغُونَهَا}، لأنَّ السبيل تُذكَّر وتؤنَّث، فأحيانًا تذكَّر كما في قوله تعالى: {وَإِنَّهَا لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ} [الحجر:76]. وأحيانًا تؤنَّث كما في قوله تعالى: {قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ } [يوسف:108]. فهؤلاء يريدون هذه السبيل عوجاء (10).
{أُولَئِكَ فِي ضَلالٍ بَعِيدٍ}(11)
الضلال البعيد:
هؤلاء الكافرون المستحبُّون للدنيا على الآخرة، الصَّادُّون عن سبيل الله الذين يريدونها سبيلاً عوجاء {أُولَئِكَ فِي ضَلالٍ بَعِيدٍ}. كأنَّ هناك ضلالاً قريبًا وضلالاً بعيدًا.
ما معنى الضلال؟ الضلال هو: الغياب والذهاب عن الحقِّ والصواب، ضلَّ أي: ذهب، كما في قوله تعالى: {وَقَالُوا أَإِذَا ضَلَلْنَا فِي الْأَرْضِ أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ}[السجدة:10]. أي: أإذا غبنا في الأرض وأصبحنا عظامًا ورُفاتًا واختلطنا بالتراب وانتهى الأمر؛ أإنا لمبعوثون؟!
الضلال الدنيويّ والدينيّ:
هنالك ضلال دنيويّ وضلال دينيّ.
فالضلال الدنيويّ: في أمور الدنيا كما قال تعالى: {وَقَالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ امْرَأَتُ الْعَزِيزِ تُرَاوِدُ فَتَاهَا عَنْ نَفْسِهِ قَدْ شَغَفَهَا حُبّاً إِنَّا لَنَرَاهَا فِي ضَلالٍ مُبِينٍ} [يوسف:30].
أي: أساءت التَّصرُّف، تترك العزيز، وتحب الخادم الذي يخدمها ويعمل عندها!
ومثل ذلك ما قال أبناء يعقوب: {إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ}[يوسف:8]؛ لأنه أحبَّ أخوينا الصغيرَيْن ونحن عُصْبة: {إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ}، ولما قال لهم: {إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْلا أَنْ تُفَنِّدُونِ} [يوسف:94] قالوا له: {تَاللَّهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلالِكَ الْقَدِيمِ} [يوسف:95]. فهذا ضلالٌ دنيويٌ.
لو أرادوا الضلال الديني لكفروا، كيف يصفون أباهم وهو نبيُّ ابن نبيّ ابن نبي، الكريم بن الكريم أنه في ضلال ديني؟! لا.. فمعنى الضلال هنا: {إِنَّكَ لَفِي ضَلالِكَ الْقَدِيمِ} أي: إنَّ رأيك غير سليم.
وهناك الضلال الدينيّ: والقرآن حين يذكر كلمة ضلال يراد به في الأكثر الضلال الدينيّ، الضلال عن الحق وعن الهدى، فهؤلاء:{فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ} [الأنعام:74]، ضلال ظاهر،لأنَّ الحق ظاهر أمامهم وضلُّوا عنه، وضلُّوا عن الطريق عن الاتجاه.
إذا كان الضلال عن الاتِّجاه الأساسي، فالإنسان كلما مشى في الطريق كلما أوْغَلَ في البُعد. الطريق شرق وهو يذهب إلى الغرب، كلما مشى كيلو متر بَعُد عن الهدف، وكلَّما مشى عشرة كيلو متر صار أبعد عن الهدف، كلما مشى يزداد بُعدًا، هذا هو الضلال البعيد، الله تعالى يقول: {وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً بَعِيداً}[النساء:116]. ويقول: {وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالا بَعِيداً}[النساء:136].
ضلال الكفار البعيد:
فضلال هؤلاء الكفَّار الذين لم يهتدوا بهُدى الله، ولم يهتدوا بالكتاب المُنزل، ولم يُخْرجهم من الظلمات إلى النُّور، ولم يهتدوا إلى صراط العزيز الحميد، واستحبُّوا الحياة الدنيا على الآخرة، وَصَدُّوا عن سبيل الله، وبَغَوْها عِوَجًا؛ هؤلاء في ضلالٍ بعيد، لا يُرْجى لهم منه عودة إلا أنْ يأذن اللهُ عزَّ وجل ويهديَهُم إلى صراطه المستقيم.
--------------------------
(1) العذاب: التعذيب عقوبة وتنكيلاً. والشديد: القوي الذي لا مثيل له من ثقله وأثره، صفة مشبهة تفيد المبالغة.
(2) رواه أحمد (7327) وقال مخرجوه : صحيح على شرط الشيخين، والترمذي في صفة جهنم (2589) وقال : حسن صحيح، والبيهقي في شعب الإيمان كتاب الإيمان(143) وصححه الألباني في الترغيب والترهيب (3666)، عن أبي هريرة.
(3) رواه مسلم في صفة القيامة والجنة والنار(7266)، وأحمد (13112) عن أنس بن مالك.
(4) أيك يحبون الحياة الدنيا حبًا شديدًا ويؤثرونها علىالآخرة. (يستحبون) يعني فعل (يؤثرون) فقُدِّي تعديته بحرف (على).
(5) بيّنت الآيات أن أسباب وقوع الكافرين في العذاب الشديد نابعة من داخل نفوسهم! وهي نتيجة كسبهم واختيارهم، ولاتصافهم بثلاث صفات: الصفة الأولى: أنهم يستحبون الحياة الدنيا على الآخرة. الصفة الثانية: أنهم يصدّون عن سبيل الله. والصفة الثالثة: أنهم يبغون أن تكون وسيلتهم في الحياة وسبل غيرهم سبلاً عوجاء غير مستقيمة على الحق والخير والهدى.
(6) أي: الاسم الموصول (الذين) في محل جر صفة ل (الكافرين).
(7) متفق عليه: رواه البخاري في بدء الوحي(7)، ومسلم في الجهاد والسير (4707)، كما رواه أحمد في المسند (2370)، و الترمذي في الاستئذان (2717)، والنسائي في الكبرى كتاب التفسير(11064)، عن ابن عباس.
(8) يصدُّ: يمنع ويرد. والسبيل: الطريق الواضحة.
(9) يبغي: يطلب ويريد، أي: يريدونها عوجاء منحرفة عن الحق، لتوافق شهواتهم ومنافعهم. والعوج: مصدر فعل (عَوِجَ، يَعْوَج، عِوَجًا) أي: مال وانحرف عن الحق والخير والهدى. والعِوَج – بكسر العين – عدم الاستقامة في الأشياء المعنوية: الفكرية والقولية والنفسية والسلوكية. أما العَوَج – بفتح العين – فهو الميل والانعطاف في الأشياء التي تدرك بالحواس، وهو أيضًا مصدر: (عَوِج، يَعْوَج، عَوَجًا)، فيقال: في القضيب عَوَج، وفي الطريق عَوَج.
(10) من أسباب ضلال الكفار: أنهم يطلبون أن يروا في دعوة الله تعالى ما يكون عوجًا قادحًا فيها، أو: ويصفون الله تعالى وشريعته بالاعوجاج بواسطة الافتراء والكذب، كما يفعل ملاحدة هذا العصر من دعاة الإلحاد والعلمانية، فهم يصفون الشريعة الإسلامية بالقصور والجمود، والعجز عن تلبية الحاجات التشريعية للعصر الحاضر، وهي في الحقيقة مستقيمة وقوية وغنية، تلبِّي حاجات الناس في كل عصر ومصر، وصدق الله العظيم القائل: {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أُوْلَئِكَ يُعْرَضُونَ عَلَى رَبِّهِمْ وَيَقُولُ الأَشْهَادُ هَؤُلاء الَّذِينَ كَذَبُواْ عَلَى رَبِّهِمْ أَلاَ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ * الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا وَهُم بِالآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ}[هود: 18، 19] ويمكن أن يكون المعنى: ويريدون من أهلها أن ينحرفوا عنها، بهجرها والإعراض عن أحكامها.
(11) أولائك، أي: أولائك البعداء عن تنزلات الرحمة، المنحطون في الدركات في ضلال بعيد. والضلال: الخطأ والضياع والانحراف. والبعيد: المتناهي في الانحراف، صفة مشبَّهة تفيد المبالغة.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.