أصدر مركز كارنيجى للشرق الأوسط، دراسة تحت عنوان ” مستقبل رأس المال الكبير في مصر السيسي “، أكد فيها أن الجيش المصرى قد يحلّ محلّ رأس المال الكبير على المدى القريب، بما يعنى سيطرة الشركات العسكرية المملوكة للجيش المصرى على الاقتصاد، فدخول الجيش إلى قطاعات جديدة يمكن أن يؤدّي إلى إعادة رسم خطوط التفاعل بين الجيش والرأسمالية الكبيرة، ولاسيما في حقول مثل البناء والتشييد والبنية الأساسية والنفاذ إلى الأراضي. الدراسة التي أعدها الباحث عمرو عادلى، قد أكدت أن التحوّلات الاقتصادية في مصر قد تعيد تشكيل شبكات المحسوبية القديمة الموروثة من الرئيس الأسبق حسني مبارك، لصالح جهات فاعلة جديدة على حساب أصدقاء النظام القديم، فالتوسّع الاقتصادي للجيش، قد يعني إلغاء الدور المتنامي للقطاع الخاص في مصر على المدى البعيد. وقالت لدراسة قالت أنه من المستبعد أن يحافظ الجيش على دوره باعتباره المتلقّي الرئيس لرأس المال الأجنبي. ففي السياق السياسي الحالي تبدو الحكومات الخليجية، التي تعتبر الجهات المانحة الرئيسة لمصر، أكثر ارتياحاً إزاء الاستثمار عن طريق الجيش الذي يعمل كطرف ضامن نوعاً ما. لكن من المرجّح أن يفضّل المستثمرون الأجانب، الذين تبدو الحاجة ماسّة إلى رؤوس أموالهم لتحقيق أي قدر من الانتعاش على المدى الطويل، العمل من خلال القطاع الخاص كما فعلوا في الماضي. وأكد الباحث أنه ثمّة دلائل لا لبس فيها تشير إلى أن التغييرات القانونية والاقتصادية تمثّل ضغطاً على رأس المال الكبير على ثلاث جبهات هي: الدور الموسّع الذي يقوم به الجيش، وإعادة ترتيب علاقات الدولة وقطاع الأعمال، والأعباء المالية الجديدة على القطاع الخاص. توسيع دور الجيش لعب الجيش المصري دوراً اقتصادياً نشطاً منذ ثمانينيات القرن الماضي، وبدأ يؤدّي دوراً أكبر في الاقتصاد في سياق الأزمة المالية التي واجهتها الدولة في ذلك الحين. وقد جرى تخفيض المخصّصات العامة للقوات المسلحة تدريجياً، ولاسيما بعد اتفاقية السلام التي وقّعتها مصر مع إسرائيل في العام 1979. 6 وفي المقابل، مُنِح الجيش الفرصة لتطوير اقتصاده الخاص وتشغيله للمساعدة في تخفيف العبء على الدولة. منذ ذلك الحين، بنى الجيش قاعدة واسعة من الصناعات والأنشطة التي تُستَخدَم في إنتاج مجموعة واسعة من المنتجات، بما في ذلك الأسلحة والسلع المعمّرة والغذاء والمياه المعدنية. إضافة إلى ذلك، نشط جهاز خدمة المشروعات الوطنية التابع للجيش في مشاريع البنى التحتية المدنية، ولاسيما الطرق السريعة والطرق والجسور والأنفاق. ففي خلال الأشهر الأخيرة، تُرجِمَت السيطرة السياسية الجديدة للجيش إلى توسّع اقتصادي غير مسبوق. إذ تنشط الشركات والهيئات التابعة للجيش في مجالات طالما كانت معاقل تقليدية لرأس المال الخاص، مثل البناء والإسكان والبنية التحتية والتنمية الحضرية، فضلاً عن تحديث القطاع الصحي. وبالنسبة إلى الكثيرين داخل مجتمع رأس المال الكبير، فإن ثمة مخاوف مبرّرة من أن الجيش يحجب القطاع الخاص عن فرص الانتعاش الاقتصادي المأمول في مصر، باعتباره المستفيد الرئيس من الإنفاق التحفيزي للدولة. فقد استُبعِدَت الشركات الكبرى الخاصة من الأنشطة الاقتصادية المهمة، ومن تدفّقات رؤوس الأموال الضخمة المخطّط لها، والتي تهدف إلى قيادة الاقتصاد المصري نحو التعافي وزيادة الاستثمار والتوظيف. ويبدو حضور وحجم المشروعات الخاصة بالجيش، منذ حزيران/يونيو 2013، استثنائياً مقارنةً بالفترات السابقة. ومن الجدير بالذكر أن معظم هذه المشروعات حكومية ويتم تمويلها من الدولة مباشرة أو من بعض دائنيها من دول الخليج ومن الجهات المانحة. والواقع أن الجيش قد برز كشريك رئيس لرأس المال الأجنبي. ومن الأمثلة على ذلك أن شركة “أرابتك”، وهي شركة إنشاءات مقرّها في دولة الإمارات العربية المتحدة، أعلنت عن خطط للعمل مع الجيش لبناء مليون وحدة سكنية لذوي الدخل المحدود في مصر. في هذه الحالة، تواصلت الشركة الإماراتية مع الجيش مباشرة وجعلته شريكاً كاملاً في المشروع. وقد جرى تكليف الجيش بتوفير الأرض التي ستُبنى عليها الشقق وذلك على الرغم من عدم وضوح وضع المشروع حالياً مع خفوت التغطية الإعلامية، وتوقّف الكلام عنه بدرجة كبيرة.ف وفقاً لتقديرات أحد الصحافيين الاقتصاديين، خصّصت الحكومة المؤقّتة التي كان يقودها حازم الببلاوي، خلال الأشهر العشرة التي تلت إطاحة محمد مرسي، مشروعات تبلغ قيمتها حوالى 5.5 مليار جنيه مصري (حوالى 770 مليون دولار أميركي) للجيش ومؤسّساته والشركات التابعة له ويشمل هذا المبلغ المشروعات الكبيرة التي أعلنت عنها مصادر رسمية، إلى جانب مشروعات أخرى ورد ذكرها في مصادر صحفية. غير أن هذه التقديرات ليست نهائية ولاحصرية، إذ أنها لاتشمل، على سبيل المثال، مشروع قناة السويس الجديدة الضخم، والذي قُدِّرَت تكلفته بحوالى 8 مليارات دولار في السنوات الثلاث المقبلة. (يتوقّع أن يلعب الجيش دوراً رئيساً في تنفيذ المشروع والإشراف عليه، على الرغم من أن تفاصيل دوره ليست واضحة بعد). واستناداً إلى تلك التقديرات، فإن إجمالي قيمة المشروعات المعلن عنها، والتي تم إسنادها للجيش بشكل أو بآخر، تناهز نحو 10 في المئة من إجمالي الموازنة الاستثمارية للدولة للسنة المالية 2014-2015. (علماً أن الكثير من المشروعات المسندة إلى القوات المسلحة لايجري تمويلها مباشرة من ميزانية الدولة. ومع ذلك، إن النظر إلى توزيع الاستثمارات الحكومية باعتباره أساساً مرجعياً، يساعد على فهم السياق الذي تم فيه ذلك). وتبرز من بين الأعمال المسندة إلى الجيش مشروعات عدة، مثل مشروع صيانة 27 جسراً ونفقاً بقيمة 4.5 مليار جنيه (625 مليون دولار)، كُلِّفَت بتنفيذه الهيئة الهندسية للقوات المسلحة، وأُعلِن عنه بموجب قرار مجلس الوزراء الصادر في تشرين الثاني/نوفمبر 2013؛ ومشروع تطوير 30 منطقة عشوائية في القاهرة والجيزة (350 مليون جنيه، أي مايعادل 49 مليون دولار)؛ ومشروع بناء مجمع للخدمات الحكومية في محافظة الغربية في دلتا النيل (240 مليون جنيه، أي مايعادل 34 مليون دولار)؛ ومشروع بناء جسرين في محافظة القليوبية (80 مليون جنيه، أي مايعادل 11 مليون دولار). كما مُنِح الجيش امتياز تحصيل الإيرادات على بعض الطرق السريعة الرئيسة، بما في ذلك جزء من الطريق الدائري حول القاهرة، لمدة تسعة وتسعين عاماً، وطريق القاهرة-الإسكندرية الصحراوي، الأكثر ازدحاماً في مصر، لمدة خمسين عاماً. ووفقاً للتقرير نفسه، صرّح وزير الصحة، في آذار/مارس 2014، أن الجيش سيتولّى تطوير 40 مستشفى عاماً. يأتي النشاط الاقتصادي الموسّع للجيش بالتوازي مع تعديلات في قانون المشتريات الحكومية، بما يسمح لكبار المسؤولين بالقيام بعمليات الشراء وإسناد الدراسات الاستشارية والفنية والبناء بالأمر المباشر، بدلاً من العطاءات التنافسية، ما يجعل من السهل توجيه الإنفاق التحفيزي الحكومي للجيش؛ هذا من الناحية النظرية على الأقلّ. وبالتالي، يمكن أن يكون قانون العطاءات أداة اقتصادية فعّالة عندما يجري صرف الأموال العامة على المشروعات الاقتصادية عن طريق التعاقد مع الشركات الخاصة أو الحكومية. إعادة تشكيل شبكات المحسوبية ثمّة دلائل على إجراء عملية إعادة تشكيل شبكات المحسوبية في مصر. وهذا يعني أنه من المرجّح أن تستمر العلاقات الوثيقة بين الدولة ورأس المال الكبير، لكن مع حدوث تغييرات كبيرة في اللاعبين، حيث يتم استبدال المحاسيب والمقربين القدامى بآخرين جدد، سواء أكانوا أفراداً أم جماعات أم حتى أجهزة دولة. وسيتمكّن هؤلاء القادمون الجدد من استغلال علاقاتهم وصلاتهم السياسية لتأمين الوصول إلى الأصول والجهات الرقابية والاحتكارات والمعلومات الداخلية بصورة تنطوي على نوع من المحاباة، تماماً كما فعل أسلافهم. وقد ينتهي الأمر بالجيش، بما يمتلك من قوة سياسية جديدة، باستبدال بعض المقرّبين السابقين بآخرين جدد. ومن المحتمل أن يظهر المحاسيب الجدد أيضاً كأعضاء في البرلمان في الانتخابات المقبلة، عندما يبدأ النظام المدعوم من الجيش رحلة البحث عن وسطاء وحلفاء لشغل المناصب داخل المجلس التشريعي. بعد وصول السيسي إلى السلطة مباشرة، أقرَّت الدولة تدابير عدة خاصة بالإيرادات، بما في ذلك ضرائب على الأرباح الرأسمالية وضريبة مؤقّتة لمدة ثلاث سنوات على الدخل الذي يتجاوز مليون جنيه مصري للأفراد والشركات. كما تعتزم الحكومة تفعيل الضرائب العقارية في المستقبل. وليس من المتوقّع أن يتعاون رأس المال الكبير في الخطط المستقبلية لفرض الضرائب. ويبقى أن ننتظر لنرى ما إذا كان قادة هذه الشركات قادرين على تنسيق مواقفهم وتوظيف ثقلهم الاقتصادي ونفوذهم السياسي لإفشال هذه الخطط.