بلاغة الفيلم الروائي القصير "الببغان" انه يختزل قضية كبري في تلغراف سريع علي طريقة "ما قل ودل" ومن دون ان يبدو سطحيا أو ضحلا.. و"الببغان" انتاج مشترك بين الأردن وألمانيا وسبق أن عرض في مناسبات عديدة منها مهرجان دبي السينمائي "2016" وحصل علي جائزة المؤسسة الألمانية "روبرت بوش" والفيلم من إخراج كل من الأردنيين أمجد الرشيد ودارين سلام عن سيناريو لهما بالتعاون مع رفقي سعيد.. وقد شاهدناه في مصر مؤخرا ضمن برنامج مهرجان شرم الشيخ الذي انتهي يوم السبت الماضي وكان فرصة اتاحت لعشاق السينما بضع تجارب سينمائية جيدة وممتازة. يقول الببغان دون ثرثرة ولا مباشرة وبلا اطالة ان التهجير القسري للفلسطينيين باطل وان الاستيلاء علي بيوتهم لا يجوز يقول هذا ببساطة ومن دون استخدام مصطلحات سياسية كتلك التي استخدمتها انا في هذا المقال ومن دون أن يعلن إدانة سافرة للاحتلال الاستيطاني أو الاحلال أو "الترانسفير" ومع ذلك فإن الإدانة الضمنية واضحة وبلا لبس عبر الكثير جدا من "العلامات". احداث الفيلم الذي يمتد لمدة 17 دقيقة فقط تبدأ مباشرة بعد قيام دولة إسرائيل عام 1948 بأسرة فلسطينية لم نرها يتم ازاحتها من منزلها إلي حيث لا نعلم. لكي يحل محلها اسرة يهودية تونسية تتكون من ام واب وابنة في سن الطفولة أما الأسرة التي أجبرت علي الخروج فقد تركت الاثاث والملابس وجميع ما يضمه البيت بالاضافة إلي "ببغان" أزرق سليط اللسان. تركوه سهوا أو عمدا المهم أنها ابقت في المنزل "شاهدا" من أهل الدار ينعص علي المغتصب اليهودي القادم من تونس الذي تهلل بحصوله علي بيت ووعد بالعمل وحياة ميسورة بينما "الببغان" يردد ما يذكرهم بأنهم جسد غريب وأن البيت مازال مسكونا بصوت عربي ويسخر ممن جاءوا يتحدثون اليديشيه والعبرية. ولم يقتصر الطائر الفصيح بما يردده من كلمات دالة ولكنه "ينقر" طفل الأسرة الإسرائيلية التي جاءت لزيارة الساكن اليهودي القادم من تونس. وأمام خوف الطفل تحتج الأم وتغضب وتلعن الأسرة الوافدة وتكشف في غضبها عن مشاعر عنصرية متجذره ضد يهود الشرق.. مما يستدعي للذاكرة التفرقة العنصرية في إسرائيل بين يهود الغرب ويهود الشرق "الاشكناز والسفارويم".. وقد اتضح ذلك ليس فقط من ردود الفعل إزاء ما فعله "الببغان" وإنما اثناء تناول الطعام "التونسي" الذي أعدته الزوجة لضيوفها. ويمثل "السلطة" في هذا الفيلم جندي إسرائيلي مبرمج بتعاليم صهيونية ينصح بها الوافد الجديد. والأسرة التونسية تتكون من "راشيل" التي تؤدي دورها هند صبري "وموسي" يؤدي دوره الممثل الفلسطيني أشرف برهوم والطفلة عزيزة "ياسمين بن عمار" إلي جانب الأسرة الإسرائيلية التي يلعب أدوارها مجموعة الممثلين اياد حوراني وفراس طيبه ولارا صوالحه واحمد المدني. والفيلم يعتبر تجربة سينمائية تعتمد علي لغة الصورة والتفاصيل المرئية الدقيقة التي تبعث البيت الفلسطيني حيا بصور اصحابه المعلقة علي الجدران والتي حاولت الاسرة التونسية استبدالها وعجزت عن محو أثارها والفيلم يبدأ وينتهي باغنية ليلي مراد "بتبصلي كده ليه والمكر جوه عينيك" التي تضيف إلي بلاغة الفيلم ومعانيه الضمنية التي تجعل اختيار "ليلي مراد" ذات الاصل اليهودي ينطوي علي مفارقة. فهي وان كانت يهودية إلا أنها مصرية حتي النخاع فنا وثقافة وانتماء عاشت في مصر ودفنت في ترابها ورفضت الهجرة إلي إسرائيل. تمنيت بعد انتهاء الفيلم لو طالت المساحة الخاصة "بالببغان" دقيقة أو دقيقتين وذلك للتأكيد علي دوره كشاهد ينغص حياة من يحتلون البيت ويمنح الفكره الطريفة المثيرة للضحك والتي يتمركز حولها الفيلم ويشير إليها العنوان مزيدا من اللمعان والحضور الممثلة التونسية هند صبري اثبتت بالفعل انها رسول النوايا الحسنة كممثلة فنانة لأن الفارق كبير جدا بين الممثل والمثل الفنان. فهي بهذا العمل تضيف بعدا انسانيا قوميا وخيريا يعكس انتماء اصيلا لقضايا العالم وعالمنا العربي بالضرورة. فقد تطوعت بأجرها للاجئين السوريين وساعدت في القاء الضوء علي قضية العرب الكبري المحتاجة دوما إلي الدعم الفني ولعبت دورا يتضمن ادانة وتذكيرا بالمحنة. فالفيلم إلي جانب التمثيل الناعم لقضية شائكة متفجرة يقوم علي سيناريو سلس يعتمد لغة سردية طولية سهلة ومونتاج بدعم عفوية الأداء وديكوراً كاشفاً ينفي تلك المقولة الاستعمارية البغيضة ان "فلسطين أرض بلا شعب وأن اليهود شعب بلا أرض" وأن "أرض الميعاد" ليست سوي احتلال استيطاني يعتمد علي الإرهاب والترهيب. فالأسرة التي تركت البيت قسرا. تركت خلفها اثاثا يعبر عن ذوق سليم وبيت مريح وببغاء جميل يدين بالولاء لاصحاب البيت الاصليين. لقد قال الفيلم في مساحة صغيرة اشياء كثيرة وأشار إلي قضايا ساحنة بهدوء رغم مرور 69 سنة علي قيام الدولة الصهيونية. "الببغان" الذي انتهي مصيره علي رصيف شارع في حيفا. لم يخفت صوته حتي وهو يشاهد رتلا من الجنود الصهاينة يمرون من أمامه.