لعله قد أصبح معروفاً لدي الدنيا بأسرها.. أن الشعب المصري قد خرج من عقاله بكل ما تملك الكلمة من معني.. فلم يعد يطيق الظلم بأي شكل أو لون.. ولا يقبل الهوان.. ولا يرضي أن يتحكم في مصيره كائن من كان.. لقد عرف هذا الشعب طريق ميدان التحرير.. وما أدراك ما ميدان التحرير.. فلقد أصبح الرمز الحقيقي والأساسي لانتزاع الحقوق..! * * * .. وها هي المطالب قد تعددت.. ودوائر الأحلام والآمال قد اتسعت.. وبما أن المطالب السياسية أصبحت متفقا عليها.. فإن الرغبات الاقتصادية والاجتماعية قد فرضت نفسها علي التظاهرات التي عمت أمس أرجاء الوطن..! لقد طالب المصريون -ولديهم الحق كل الحق- في أن يحيوا حياة كريمة هانئة تتمثل في عدة نقاط أساسية. * أولاً : توفير فرص العمل.. بعد أن ضج الشباب وملوا من أزمة البطالة التي تطاردهم علي مدي سنوات.. وسنوات. * ثانيا : مواجهة ظاهرة ارتفاع الأسعار.. مواجهة صارمة.. وحاسمة.. بعد أن انفلتت المعايير.. وأصبح السوق دون ضابط أو رابط. * رابعا : تطوير التعليم تطويرا حقيقيا.. فكم سمعنا من قبل عن نهضة تعليمية مرتقبة.. لنفاجأ في النهاية بأننا جميعا "محلك سر".. بينما العالم يخطو من حولنا خطوات واثبة.. وسريعة. * خامسا : إصلاح صحي عام وشامل.. بحيث ينال الإنسان حقه المشروع في الحصول علي الدواء. وإجراء العمليات الجراحية إذا تطلب الأمر. ثم.. الأهم.. والأهم.. أن يجد سريرا يرقد عليه داخل المستشفي. نحن نسمع كل يوم.. تصريحات من هنا. ومن هناك.. حول العلاج علي نفقة الدولة ومئات الملايين التي تنفق في سبيله.. بينما ما نراه بعيوننا يتناقض تناقضا كليا مع الواقع المرير القاتم..! ودعوني في هذا الصدد أن أسرد عليكم تلك الحكاية الموحية التي بدأ فصلها المأساوي.. وجاءت نهايتها الأكثر مأساوية في مدينة الأقصر. وللأسف.. كان بطلها.. طيار شاب.. وابن زميل كريم وكبير هو الكاتب الصحفي محمد عبدالمنعم. لقد غادر الطيار "إيهاب" مطار القاهرة في طريقه إلي الخرطوم.. وبعد أن أقلع بطائرته.. بدقائق معدودة.. انتابته موجة قيء وإسهال مع آلام مبرحة في المعدة لم يتحملها.. مما اضطره للهبوط في مطار الأقصر.. عسي أن يجد هناك من يسعفه..! علي الفور.. تم نقله إلي المستشفي.. وما ان شهده الأطباء علي تلك الحالة حتي أخذوا يعالجونه بما يتلاءم مع المظهر العام.. بينما في حقيقة الأمر.. كان الطيار "إيهاب" قد أصيب بجلطة في القلب سرعان ما غادر علي إثرها الحياة بعد يومين قضاهما في المستشفي.. وسط مناخ من "الجهل الطبي" الصارخ.. وعدم المبالاة.. وإهمال ما بعده إهمال..!! طبعا.. لقد وقع النبأ المفجع وقع الصاعقة علي أسرته.. علي أبيه وأمه وابنه وابنته.. وشقيقيه.. لكن ماذا في مقدورهم أن يفعلوا..؟؟ لقد سلموا أمرهم لله.. باعتباره سبحانه وتعالي صاحب القرار "الأوحد".. وله ما أعطي.. وله ما أخذ..! * * * لكن "الحكاية" علي المستوي البشري.. لابد أن تثير التساؤلات.. وتدعو للحيرة.. والأسي.. وإذا كانت متكررة كثيرا قبل ثورة "25 يناير".. فلا ينبغي أبدا.. أن تعود بنفس الصورة من السلبية.. والخطر..! * * * ومع ذلك فدعونا نطرح علي الجانب المقابل.. عدة أسئلة مهمة: * كيف تتوفر فرص العمل دون أن يكون لدينا انتاج حقيقي.. تشهده المصانع.. والمزارع.. والمعامل..؟؟ قطعا.. سوف ندخل نفس الدائرة المفرغة.. فالشباب يسألون أين.. وكيف ننتج بينما كافة الأبواب موصدة دوننا..؟؟ ونحن إذا رفعنا أيدينا.. مستسلمين.. وخاضعين.. ومحبطين.. فصدقوني لن نفعل شيئا..! وبالأمس.. ضبطت السلطات الايطالية مركبا مصريا تحمل ما يزيد علي 450 شابا مصريا.. من المهاجرين هجرة غير شرعية..!! هؤلاء الشباب.. ألم يكن في وسعهم أن ينتظروا.. وأن يتحملوا ويصبروا.. عسي أن يجنوا ثمار الثورة..؟؟ أم أنهم قد تبينوا ان الأحوال سوف تظل نفس الأحوال..! تلك هي القضية..! الموقف لا يختلف كثيرا بالنسبة لرفع مستوي دخل المواطن.. إذ كيف يتحقق هذا الأمل.. بينما معظم النشاطات الاقتصادية متوقفة.. والتي يستحيل أن تتحرك.. إلا بتعاون مشترك بين الحكومة والجماهير..! * * * .. ونأتي إلي ظاهرة ارتفاع الأسعار.. التي يجب أن نعترف بأنها قد زادت عن حدها في الآونة الأخيرة..! وصدقوني.. صدقوني.. الناس لم يعد في استطاعتهم أن يتحملوا أكثر من ذلك..! لذا.. لابد من اتخاذ خطوات عاجلة. وحاسمة لانقاذ "الأمور".. وإلا ازدادت المشاكل تفاقما وتعقيدا. أما فيما يتعلق بتطوير التعليم.. فإنه مسئولية الحكومة وحدها.. فهي التي تملك القدرة.. والامكانات.. والمقومات.. والمواطنون هم الأدوات التي تستثمرها وتستغلها الاستغلال الأمثل.. والملاحظ أن "هذا التطوير".. لم يجد الاهتمام الكافي حتي الآن..!! كذلك الحال بالنسبة "للصحة" صحة هذا المواطن الذي فجر الثورة.. من أجل أن يحقق الأمان لنفسه ولأسرته.. وغني عن البيان.. أن هذا الأمان.. لا يتحقق إلا حينما يشعر بأنه إذا وقع فريسة المرض.. فلن يتقدم أحد لإنقاذه..! * * * في النهاية تبقي كلمة: كم نتمني أن تأتي المظاهرات القادمة.. ولدي الحكومة.. والشعب.. كشف حساب.. كل طرف يقدم كتابه بيمينه. عندئذ.. نؤمن بأن الثورة بخير.. وأنها -بالفعل- أولاً..!