في ختام هذه السطور التي استعرضنا فيها موقف أم المؤمنين السيدة عائشة بنت أبي بكر الصديق. وكيف كانت صدمتها شديدة في أولئك الأفراد الذين تناولوها بسوء. وقد كتمت غيظها وتشبثت بالإيمان الذي استقر في قلبها. ولم تزد عن قولها: "فصبر جميل والله المستعان" هكذا شأن كل مؤمن ومؤمنة يتعرض لمثل ما تعرضت السيدة عائشة إذ ليس أقسي علي نفس أي فتاة أو سيدة من أن تتعرض لشخص يرميها بافتراءات هي منها بريئة. وتصبح مثار الحديث بين أبناء مجتمعها زوراً وبهتاناً. وقد حذر الله في قوله: "إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا" ونبه إلي أن الحديث في هذه الأمور التي تتعرض بأعراض المحصنات الغافلات قد يستهوي البعض فيجلسون يتبادلون الحديث حول الاتهامات وبعض الأقوال السيئة دون التفات للآثار التي تنعكس علي أي امرأة أو فتاة. ولذلك قال رب العالمين "يعظكم الله أن تعودوا لمثله أبداً إن كنتم مؤمنين". ولذلك فليحذر أولئك الذين يبادرون بأمثال هذه الأحاديث أن الله لهم بالمرصاد وسوف يسلط الله عليهم من يتتبع عوراتهم. ونبه الرسول إلي ضرورة الابتعاد عن مثل هذه الأحاديث التي يثيرها الشيطان في نفوسهم وأن الشيطان يأمرهم بالفحشاء. وقد سأل رجل ابن مسعود فقال: إني حرمت أن آكل طعاماً وسماه له. فقال ابن عباس: هذا من نزغات الشيطان. وليدرك كل من يلوك أعراض الناس أن هذا سلوك تبغضه الأعراف الإنسانية ويرفضه الذوق السليم. وفي هذا السياق يقول رب العالمين متوعداً قالة السوء: "إن الذين يرمون المحصنات الغافلات المؤمنات لعنوا في الدنيا والآخرة ولهم عذاب أليم. يوم تشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم بما كانوا يعملون. يومئذ يوفيهم الله دينهم الحق ويعلمون أنه هو الحق المبين" ورغم أن هذه الآيات نزلت في السيدة عائشة تبريء ساحتها وتشير إلي ما ينتظر هؤلاء من انتقام رب العالمين إلا أن ذلك عام في امرأة مؤمنة. وليحذر كل إنسان مسلم هذا المنزلق. ومن الطرائف التي يحسن أن نذكرها في هذا المقام أن ابن جرير قال: فسر ابن عباس سورة النور فلما أتي علي آية "والذين يرمون المحصنات الغافلات المؤمنات" قال: في شأن عائشة وأزواج وهي عامة في تحريم قذف كل محصنة وليس لهؤلاء توبة. وعندما قرأ ابن عباس "والذين يرمون المحصنات لم يأتوا بأربعة شهداء" إلي قوله: "إلا الذين تابوا". قال ابن عباس: فقد جعل الله لهؤلاء توبة ولم يجعل لمن قذف أولئك توبة قال فهم بعض القوم أن يقبل رأس ابن عباس من حسن ما فسر به سورة النور. وقد اختار ابن جرير العموم أي أن هذا الحكم عام في قذف المؤمنات المحصنات عامة. ولاخطار هذا الفعل الشنيع قال رسول الله - صلي الله عليه وسلم: اجتنبوا السبع الموبقات. قيل وما هن يارسول الله؟ قال: الشرك بالله. والسحر. وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق. وأكل الربا. وأكل مال اليتيم. والتولي يوم الزحف. وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات" والذين ورد ذكرهم في آخر الحديث الذين يتعرضون لقذف المحصنات. هؤلاء ينتظرهم وأن الله سوف يحاسبهم وهو العدل الذي لا جور فيه. إن هذا الأسلوب يهدم البيوت ويدمر العلاقات بين الناس ويثير في النفوس البغضاء والحسد ويتيح الفرصة لقالة السوء لكي يضيفوا من كلماتهم الكثير من العبارات التي تشوق السامع للاستزادة والانصات لكلمات السوء وبذلك تتضخم الشائعات وتزداد النيران لهيباً. ولذلك يجب أن يحذر المومنون ذلك.