تؤكد كل المؤشرات أن السلطة الحالية فى مصر أصبحت مدمنة للدخول فى أزمات , وأصبحت تتعامل مع الشعب والبرلمان الذى يمثله وكأنه غير موجود . والأمر المؤكد أن نفس السلطة لا تجيد كغيرها من الأنظمة السابقة التعامل مع الأزمات بشكل علمى وعملى وسياسى وقد وضح ذلك بشدة فى التعامل مع العديد من الأزمات من بينها على سبيل المثال لا الحصر أزمة سد النهضة الأثيوبى وأزمة مقتل الشاب الإيطالى باولو ريجينى .
وجاءت المشكلة الحالية والخاصة بتنازل مصر عن جزيرتى تيران وصنافير للمملكة العربية السعودية لتؤكد مدى الفشل الذى وصلت اليه السالطة الحالية فى التعامل مع الازمات وعدم تعاملها بالشكل المطلوب مع هذه الأزمة التى كان وما يزال لها صدى شعبياً وسياسياً واسع النطاق , بلغ ذروته عبر وسائل التواصل الإجتماعى وفى مقدمتها الفيس بوك , والذى وصل الأمر بالكثيرين إلى اتهام السلطة بالخيانة والعمالة وبيع أرض الوطن , وهو اتهام رغم اعتراضى عليه إلا أننى كنت أتمنى أن يتم التعامل معه بشكل جاد وليس بطريقة (التطنيش وتكبير الدماغ ) , وكنت أتمنى أن تكون هناك مصارحة من جانب السلطة مع الشعب قبل أن يورط النظام نفسه فى مثل هذه الأزمات التى لن يتوقف الحديث عنها لفترات طويلة قادمة .
وكنت أتمنى قبل كل شيىء أن يكون هناك احترام للدستور المصرى الجديد ولمجلس النواب الذى يقال أن الشعب هو الذى إختاره وكذلك احترام الإرادة الشعبيىة .. حيث نصت المادة (151) من الدستور المصري على أن " يمثل رئيس الجمهورية الدولة في علاقاتها الخارجية، ويبرم المعاهدات، ويصدق عليها بعد موافقة مجلس النواب، وتكون لها قوة القانون بعد نشرها وفقًا لأحكام الدستور, ويجب دعوة الناخبين للاستفتاء على معاهدات الصلح والتحالف وما يتعلق بحقوق السيادة، ولا يتم التصديق عليها إلا بعد إعلان نتيجة الاستفتاء بالموافقة. وفى جميع الأحوال لا يجوز إبرام أية معاهدة تخالف أحكام الدستور، أو يترتب عليها التنازل عن أى جزء من إقليم الدولة " .
وبصراحة شديدة لم أكن أتمنى أن تدخل مؤسسة الرئاسة ومعها الجهات الرسمية المعنية فى مثل هذه الورطة التى سيخسرون بسببها كثيراً على كافة الأصعدة , وسوف يستغلها أعداء مصر فى الخارج وايضاً فى الداخل من جانب بعض التنظيمات الإرهابية والمتطرفة أسوأ إستغلال ضد مصر . فى هذا السياق أسأل : لماذا تجاهل الرئيس عبدالفتاح السيسى وجود الدستور المصرى الذى وضع شروطاً وقواعد محددة لتوقيع مثل هذه الإتفاقيات الخاصة بترسيم الحدود والتنازل عن جزء من أرضنا الغالية التى قدمنا من أجلها ألاف الشهداء الأبرار ؟ ولماذا لم يعرض الرئيس الأمر على مجلس النواب الذى أصبح كيانا موجودا بالفعل ؟ ولماذا تجاهل إجراء استفناء شعبى على هذا الأمر وفقا لما يتضمنه الدستور من نصوص واضحة لا تقبل التأويل ؟ .
وإذا كان صحيحاً أن جزيرتى "تيران وصنافير"، كانتا – قبل عام 1950 – محل نزاع بين مصر والسعودية، وفي هذا العام أبلغت السعودية بريطانيا والدولة العثمانية بتخليها عن الجزيرتين للقوات المصرية نتيجة ضعف القوات البحرية .. وأنه في عام 1950 أى قبل هزيمة 67 ب 17 عامًا، اتفقت مصر مع السعودية على ضم "جزيرتي تيران وصنافير"، خوفا من طمع إسرائيلي متوقع في الجزيرتين. وبالفعل احتلت إسرائيل الجزيرتين في عام 1967، وتواجدت القوات البحرية الإسرائيلية بكثافة فيهما ، وأغلقت إسرائيل خليج العقبة بشكل تام وأصبحت الجزيرتين تحت السيادة الإسرائيلية. وبعد انتصار أكتوبر ظلت إسرائيل متحكمة في الجزيرتين، إلى أن تم توقيع اتفاقية السلام بين مصر وإسرائيل عام 1979 لتدخل الجزيرتين في نطاق المنطقة "ج" وتعود ملكيتهما إلى مصر من جديد شريطة ألا تتواجد بهما قوات أخرى بخلاف الشرطة وهو ما تم بالفعل .. فلماذا لم يتم الكشف عن ذلك من خلال بيان رسمى يصدر عن مؤسسة الرئاسة ليرد على كل التساؤلات والإتهامات التى وجهت إلى النظام الحالى بكل شفافية ووضوح إذا كان موقف الرئيس ومؤسسات الدولة المعنية صحيح ومطابق للدستور والقانون ولا يتعارض مع الأمن القومى لمصر ؟.
وأسأل أيضاً : لماذا لم تنشر الإتفاقية الموقعة بين مصر والسعودية فى عام 1950 بشأن هاتين الجزيرتين ؟ واذا كانتا من حق السعودية – كما يقال- فلماذا تم إجراء 11 جولة مفاوضات قبل اتمام الإتفاق على اعادتهما للسعودية ؟ وإذا كانتا سعوديتين فلماذا تقوم المملكة بدفع مليارين من الدولارات إلى جانب ربع الموارد فيهما سنوياً لمصر ؟ . ياسادة .. كفاكم تلاعبا بالشعب وبرلمانه ودستوره . وعليكم أن تكشفوا الحقيقة كاملة للرأى العام , وكفاكم حديثاً عن الأمن القومى الذى ترتكب الكثير من الجرائم تحت ستاره . من حق الشعب أن يعرف الحقيقة , ومن واجبكم أن تكشفوها لها والا تتعاملوا معه وكأنه ( أطرش فى الزفة ) , وتعلموا من أخطائكم وأخطاء الأنظمة السابقة قبل أن يدفع الجميع الثمن الذى سيكون غالياً على كافة المستويات والأصعدة .