كلمة دقيقة قالها أحد كبار قضاة مصر المؤرخين: أن مصر بها كيانين منظمين فقط أو كتلتين على درجة عالية من الهيكلية والتنظيم هما: الجيش المصري، والإخوان المسلمين. وخلال الخمس سنوات الماضية والتي كنا شهود على أحداثها أي منذ بدء الثورة المصرية في 25 يناير 2011 وحتى فشلها ونجاح الثورة المضادة في 3 يوليو 2013 كان جوهر الصراع الاجتماعي والسياسي في مصر هو بين هذين الكيانين المنظمين، أولهما: هو النظام السياسي (الذي يمثل الجيش جوهره وكتلته الصلبة) وثانيهما: هو التنظيم الذي يمثل الكتلة الصلبة داخل جماعة الإخوان المسلمين. وحول هذين التكتلين كانت هناك مجموعة من الكيانات الصغيرة التي تدور في فلكهما، وترسم خطواتها حسب ما تحدد حركة التكتل الكبير أو قطب الرحى فيهما. سار الصراع بين الكتلتين الصلبتين في مصر علانية حينا ومكتوما أحيانا كثيرة، وكانت سنوات الصراع بين مدّ وجزر، وكل طرف فيهما يفكر بعقلية أنه يمكن تجيير الطرف الآخر لمصلحته في السيطرة على الجهاز الإداري للدولة المصرية. سلّم مبارك الحكم للمجلس العسكري، وظنت قيادات كبيرة في التنظيم أنه يمكن توظيف قيادات المجلس العسكري على خطة مشروع التمكين، قد يكون هذا التصور يحمل شيئا كبيرًا من السذاجة وعدم التفكير بمنطق الدولة ولا رجال الدولة، لكن منذ متى والعقلية التنظيمية تفكر بمنطق الدولة أو رجال الدولة؟ وكان المجلس العسكري أشد تعقيدًا في التعامل والتلاعب بالمكونات السياسية داخل المجتمع المصري الذي انفجر سياسة، وأصبح كل الشباب ناشطين سياسيين، وأصبحت الساحة المصرية تعج بالباحثين السياسيين حيث أصبحت السياسة مهنة من لا مهنة له، وعرف الكثيرون طرق البزنسة من العمل السياسي والحقوقي، وبيع المواقف وكيفية أخذ ثمن الاصطفاف، وعرف البعض طرق التمويل الأجنبي، وكيفية كتابة المشاريع التي تجد صدى عند الممول الأجنبي، وأي المواضيع تجد الخزائن مفتوحة، وظهرت طبقة سماسرة التمويل الأجنبي الذين يأخذون حصتهم من ميزانية المشروع جراء تزكية أصحابه عند مؤسسات التمويل الدولية، وهم معروفون بالاسم، ونسبة ما يأخذون نتيجة شهادتهم. والأخ الأكبر يراقب ويشاهد ويبني الملفات ويعبئ الاسطوانات لوقت العوزة ووقت التجريس، ولأول مرة نسمع عن الإدارة بالتجريس والشرشحة. نعلم أنه منذ الستينات والجهاز الأمني في مصر أحد أهم وظائفه هي "السيطرة" على المعارضين وأصحاب المواقف وأصحاب الشهرة حتى يمكن توظيفهم فيما كان يظنه القائمون على الأمر مصلحة الدولة، إلا أن الهدف كان هو "السيطرة" فقط، وليس التجريس والشرشحة، حتى وإن كانت دولة الستينات دولة مستبدة إلا أنه كانت إلى حد كبير دولة مسؤولة، أما النسخة الحديثة منها فهي دولة مهزأة. وعلى مدى السنوات الخمس الماضية كان جوهر الصراع بين النظام والتنظيم: من يسيطر على الدولة المصرية، ومن يستطيع أن يضع التابعين له في مفاصلها ويحدد وجهتها؟ ليس من المروءة الإجهاز على جريح، والتنظيم في أقصى مراحل جرحه وفشله وصراعاته الداخلية وتآكل بنيته الصلبة، إنما ليست الخطورة فيما وقع من أحداث بل فيما سيقع من حوادث، فالقادم أسوأ وينذر بشر العواقب لأن من الحماقة أن يسلك الإنسان نفس المقدمات ويتوقع نتائج مختلفة. وسنن الله غلابة ونواميس الكون قاضية، وكما يقول الراحل العظيم الشيخ محمد العزالي: إذا نزل اثنان البحر فسينجو الذي يعرف السباحة منهما. وربما كان بحر السياسة أشد عمقا وأكثر مخاطرة من بحر الماء. وكما يحتاج السابح في بحر الماء إلى معرفة قوانين الطفو وطريقة التجديف وقدرًا من اللياقة البدنية، يحتاج السابح في بحر السياسة إلى معرفة قوانين المصالح والصراع، وموازين القوى على الأرض، وقوانين أو معادلات التحالفات، ومآلات الاختيارات السياسية، وعلم بناء السيناريوهات، وكيفية صنع المستقبلات البديلة، وشبكة الصراعات الحالية والمحتملة، وشبكات العلاقات الدولية والإقليمية وحدود تداخلها مع الشأن الداخلي. وعلى مدى السنوات الخمس الماضية لعب كل من النظام والتنظيم لعبة السياسة بنفس العقلية وبنفس المنطق، وهو المنطق الاستحواذي على كل شيء. والمنطق الصفري: إما كل شيء أو لا شيء. تلك هي المعضلة، المستقبل هو ما يشغلنا وليس الماضي حتى القريب منه. القادم مرشّح لمزيد من التفاقم: لغلبة التيار الاستئصالي على النظام، ويزيده الفشل الاقتصادي بطشا وتسليمًا للعقل الأمني. وفي الجهة الأخرى غلبة التيار الثوري على التنظيم، ويزيده الفشل في تحقيق انجاز ملموس على الأرض احتماءً بالخيار الثوري واعتباره خيارًا وحيدًا في إدارة أزمة سياسية واجتماعية مركبة، وهو سلوك أقرب ما يكون إلى سياسة الهروب إلى الأمام، حيث شعار لا صوت يعلو فوق صوت المعركة هو الشعار المفضل للنظام والتنظيم.