في هذه الظروف الصعبة التي تمر بها بلدنا الغالية مصر، ينتظر البسطاء والعامة من الناس ما يقدمه لهم النخبة المثقفة، والطليعة النابهة من حلول مبتكرة لتلك الأزمات التي يعيشونها، كما ينتظرون من قادتهم وحكومتهم تحديد بوصلة السير، وطريق العبور من هذا النفق المظلم الذي يسيرون فيه. وبينما هم على هذا الحال إذا بمثقفيهم وقادتهم قد وفَّوا فعلاً بواجبهم، وحددوا لهم أولوياتهم، فلا تكاد تسمع صوتاً في وسائل الإعلام (المسموعة أو المرئية أو المقروءة) إلا لخبير اقتصادي يشرح للناس أسباب هذه الأزمة الطاحنة التي يعيشونها، وكيفية التعامل معها، والحلول التي يجب أن يتبناها الأفراد والجماعات حتى يخرجوا منها، ولخبير آخر يقدِّم للشباب أفكاراً لمشروعات صغيرة يمكنهم القيام بها، وما يلزم ذلك من دراسات للجدوى، وطرق للتمويل وتوزيع الإنتاج. أو لخبير في التنمية البشرية يطرح على الناس المشكلات التي تعيقهم عن التطور والتميز كل في مجاله وتخصصه. أو لخبير زراعي يشرح للفلاحين البسطاء الطرق المثلى لاستثمار الرقعة الزراعية المحدودة التي يعيش عليها أهل بلدنا جميعاً. أو لرجل دين يشرح للناس صحيح دينهم، ويبين لهم القيم الروحية النبيلة التي يجب أن يتحلى بها الفرد المسلم والجماعة المسلمة، وما لكل منهم من حقوق وواجبات شرعية. أو لعالم متميز يشرح للشباب تجربته العلمية، وما لاقاه فيها من عقبات ومشاكل، وكيف للشاب النابه أن يصل إلى بغيته وهدفه حتى مع وجود المشكلات والأزمات. أو لمسابقة منعقدة لاختيار أفضل الأبحاث أو المقالات المكتوبة، أو أفضل الخطب والقصائد الملقاة، أو أفضل اختراع يحل مشكلة ما من مشاكل واقعنا الأليم. هذا في بلدنا الحبيب مصر؛ بينما الحال على خلاف ذلك تماماً في بلد آخر مجاور، لا يجد مثل هذه النخبة المثقفة، ولا هذه الطليعة النابهة، ولا هذه الحكومة الرشيدة. فتجد أهل هذا البلد المسكين (البلد المجاور) محاصرين ببرامج (التوك شو) التي لا تعدو أن تكون مباريات أو مبارزات كلامية لا طائل منها، ولا يَعلم ما وراءها من أغراض ونوايا إلا الله، في مخالفة صريحة لمقصود الشارع الذي يحبز كثرة العمل على كثرة الكلام -قال تعالى: "وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون" وقال صلى الله عليه وسلم: "من بات كالاً من عمل يده بات مغفوراً له"- خصوصاً إذا كان الكلام غير نافع في جملته، ولا يعدو أن يكون متاجرة بآلام البسطاء والمهمشين من الناس، أضف إلى ذلك ما يتقاضاه هؤلاء المتكلمون من مبالغ طائلة لا يحصل على معشارها ذلك الفلاح المسكين الذي يسقي الأرض بعرقه ودمه ليخرج للناس غذاءهم، ولا ذلك العامل الذي يقضي أمام آلته أوقاتاً طويلة ويكاد يحادثها وتحادثه من كثرة اللقاء بينهما ليُخرِج للناس كساءهم وكل ما يحتاجونه في حياتهم اليومية، ولا ذلك العالم النابه الذي يقضي في معمله وفي أبحاثه أوقاتاً مضنية طويلة ليُخرِج للناس دواء نافعاً، أو حلاً ناجعاً لمشكلة تؤرق حياتهم. وتجد أهل هذا البلد المسكين محاصَرين –أيضاً- بمجموعة من البرامج الاستهلاكية البحتة، التي لا تقدم للناس إلا كيفية الاستهلاك، كبرامج الطبخ التي امتلأت بها شاشات التليفزيون عندهم، في مخالفة صريحة لِمَا ينبغي أن يكون عليه حال المسلم من انصراف إلى معالي الأمور وترك لسفسافها؛ وانهماك في المقاصد وعدم اكتراث للوسائل، فلا تنقلب الوسيلة عنده مقصداً، ولا المقصد وسيلة، قال صلى الله عليه وسلم: "ما ملأ ابن آدم وعاء شراً من بطنه، بحسب ابن آدم لقيمات يقمن صلبه"، فبدلاً من أن يكون الأكل وسيلة لغاية عظيمة هي القدرة على العمل والإنتاج، ومِن قبلهما القدرة على عبادة الله عز وجل- انقلب في هذا البلد إلى غاية في حد ذاته، تقضي فيه الفتيات والسيدات معظم أعمارهن، ويقضين القليل الباقي في مشاهدة المسلسلات والأفلام التركية والخليجية؟!! كما تجدهم محاصرين بمجموعة من برامج المسابقات التافهة التي تروج للبطالة وعدم الإنتاج، وانتظار الحظ الجيد الذي سيحمل لصاحبة آلاف الجنيهات من خلال مكالمة هاتفية أو الإجابة على مجموعة من الأسئلة مِن عَيِّنة: "ما اسمك"، الأمر الذي يخالف مقصد الشارع في ربط الربح بالعمل والإنتاج، والمساهمة في تنمية وتطوير المجتمع والبيئة، قال صلى الله عليه وسلم: "مَا أَكَلَ أَحَدٌ طَعَامًا قَطُّ، خَيْرًا مِنْ أَنْ يَأْكُلَ مِنْ عَمَلِ يَدِهِ، وَإِنَّ نَبِيَّ اللَّهِ دَاوُدَ عَلَيْهِ السَّلاَمُ، كَانَ يَأْكُلُ مِنْ عَمَلِ يَدِهِ". أو ببرامج المسابقات التي تجمع المتسابقين والمتسابقات من جميع الدول العربية في مكان واحد يعيشون فيه ويأكلون ويشربون وينامون ويغنون ويرقصون، في رسالة إلى شباب الأمة أن تباروا في الوصول إلى هذا المكان، أو شجعوا المتسابق الذي يمثلكم، أو على الأقل اجلسوا أمام التلفاز لتقضوا أوقاتاً طويلة في المشاهدة غير المجدية وغير المنتجة. وآخر التقليعات في برامج التسلية في هذا البلد (المسكين) المجاور: هو برنامج عن الرقص، تعقد فيه راقصة شهيرة مسابقة في الرقص الشرقي، تشترك فيها سيدات من جميع دول العالم، ليتبارون في عرض رقصاتهن وحركاتهن الإيقاعية الجميلة مع إبداء أجزاء من أجسادهن غير قليلة، ولا أدري ما الرسالة التي يريد هذا البرنامج توجيهها إلى الناس؟ وعندما اطلعت على حال هذه البلدة المجاورة، حمدت الله أن عافاني مما ابتلاهم، وأن جعلني أعيش في هذه البلدة العاقلة الراشدة، التي تؤمن بالله رباً، وبالإسلام ديناً، وبمحمد –صلى الله عليه وسلم- نبياً ورسولاً، والتي لا يمكن أن تكون هذه البرامج الهدامة هي أولوياتها على حساب البرامج الهادفة التي تنتشر في بلدنا الغالية.