حرب العاشر من رمضان وتحديات الأمن القومي ندوة تثقيفية بحزب الوفد    "فيتش" تتوقع زيادة إنتاج الغاز المصري 8% في 2026    تقارير عبرية: رصد طائرات أمريكية للتزود بالوقود في مطار بن جوريون    سكاي: إلغاء مؤتمري مورينيو الصحفيين قبل وبعد لقاء ريال مدريد    قابيل حكما لمباراة سيراميكا والإسماعيلى..ووفا للمحلة وبيراميدز    محمد الغازى حكما لمباراة الزمالك وزد فى الدورى المصرى غدا    مصرع شخص وإصابة 2 آخرين في انقلاب سيارة ملاكي بقنا    محافظ الشرقية يوجه بالدفع بسيارات شفط وكسح مياه الأمطار وإزالة آثارها    الحلقة 7 من الست موناليزا، مقتل إنجي المقدم ووفاة والد مي عمر    محافظ شمال سيناء يتفقد مستشفى العريش العام ويلتقي بالمصابين    وزير الصحة يبحث مع سفير فرنسا دعم علاج مرضى الأورام القادمين من غزة بمستشفى «جوستاف روسي»    تقرير: أتلتيكو مدريد يحدد سعر ألفاريز.. وثنائي إنجلترا ينافس برشلونة    عاجل- اكتشاف مدينة سكنية من القرن الثامن عشر وجبانة قبطية أسفلها بموقع شيخ العرب همام في قنا    عليه المؤاخذةُ وإثمُ المخالفةِ.. الإفتاء توضح حكم صيام من نهاه الطبيب عنه    مطبخ المصرية بإيد بناتها.. رحلة عطاء تصنع الفرح على موائد رمضان بعروس الدلتا    مصلحة الضرائب: تعليمات تنفيذية جديدة لحسم آلية احتساب مقابل التأخير وتوحيد التطبيق بكل المأموريات    "معًا بالوعي نحميها".. ندوة لتعزيز حماية الأسرة والمرأة بالهيئة القبطية الإنجيلية    كوريا الشمالية.. إعادة انتخاب كيم جونج أون زعيما للحزب الحاكم    وزير الري: مصر حريصة على تعزيز التعاون مع دول حوض النيل ونقل الخبرات لها    شركة بترول خليج السويس «جابكو» تعتمد موازنتها 2026 /2027    بعد حكم المحكمة الدستورية …هل تتحول شوارع المحروسة إلى ساحات مفتوحة لتجارة المخدرات ؟    جامعة قناة السويس تعزز بناء الوعي القيمي والمهاري لدى طلاب المدارس بسلسلة ندوات نوعية بالتعاون مع المجمع التعليمي    كلاكس عصام السقا يُهين الاحتلال.. رسالة مصرية بلا كلمات في «صحاب الأرض»    مصر تعزي نيجيريا في ضحايا الهجوم الإرهابي بولاية زامفارا    مواقيت الصلاة اليوم الأثنين في الاسكندرية    هل الغيبة والنميمة تبطل الصيام في رمضان؟.. أمين الفتوى يجيب (فيديو)    سابالينكا تحافظ على صدارة التصنيف العالمي لتنس السيدات    الإسماعيلي يجدد الثقة فى طارق العشري    لتحلية رمضانية سريعة، طريقة عمل الكنافة السادة    فضل صلاة التراويح وكيفية أدائها في رمضان (فيديو)    ضبط طرفي مشاجرة بسبب خلافات عائلية دون إصابات بالدقهلية    انطلاق تداول العقود الآجلة في البورصة المصرية.. الأحد المقبل    المسرح القومي يقدم العرض الشعبي «يا أهل الأمانة» في رمضان    محافظ القليوبية يتفقد مدرستين وطريق شبين–طوخ ويوجه بتذليل العقبات أمام تطويره    جوتيريش يندد بتصاعد «شريعة القوة» في العالم    كبار القراء ونجوم «دولة التلاوة» يواصلون إحياء ليالي رمضان في المساجد الكبرى    تراجع أسعار النفط مع إعلان أمريكا وإيران جولة جديدة من المحادثات النووية    إيران وسلطنة عمان تبحثان ترتيبات الجولة القادمة من المفاوضات النووية    رئيس الوزراء يتابع مُستجدات تنفيذ مشروع "رأس الحكمة" بالساحل الشمالي    مصر تتابع باهتمام وقلق بالغين مسألة الحدود البحرية بين الكويت والعراق    محافظ البنك المركزي يبحث مع وزير «التعليم العالي» أوجه التعاون المشترك    إخماد حريق داخل شقة سكنية فى المريوطية دون إصابات    الأوبرا تطلق لياليها الرمضانية فى القاهرة والإسكندرية    تموين المنيا: خطة متكاملة لتأمين احتياجات المواطنين طوال شهر رمضان    تصل ل 8 درجات مئوية.. أجواء باردة ورياح قوية محملة بالأتربة    بدء اجتماع لجنة الصحة بالنواب لبحث مشكلات قطاع الدواء وتراخيص التركيبات الخطرة    العشري: لم ننسحب أمام دجلة.. وما حدث كان رسالة اعتراض على الظلم التحكيمي    بالأسماء، 20 شخصًا يتنازلون عن الجنسية المصرية    ماجد الكدواني: «كان ياما كان» يسلط الضوء على التأثير النفسي للطلاق    استشاري مناعة يوضح دور الصيام في تعزيز كفاءة الجهاز المناعي (فيديو)    إحالة عاطلين للجنايات بتهمة التنقيب غير المشروع عن الآثار في المطرية    جمال العدل: الزمالك «نور العين والروح والقلب».. وفتحت الشركة الساعة 8 الصبح علشان 15 ألف دولار للاعب    «معبر رفح» يستقبل دفعة جديدة من الفلسطينيين العائدين من مصر إلى غزة    "حماس" تجري انتخابات لاختيار رئيس لها والمنافسة تنحصر بين مشعل والحية    مقتل أكثر من 80 شخصًا فى غارات جوية باكستانية على معسكرات طالبان    إصابة سيدة أشعل زوجها النار في جسدها بالفيوم    فيلم «One Battle After Another» يتوج بجائزة أفضل فيلم في جوائز بافتا 2026    ياسر جلال: «كلهم بيحبوا مودي» قائم على بناء درامي محكم لا اسكتشات    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



الاقتباس من القرآن في الشعر ضوابطه ومحاذيره
نشر في المصريون يوم 19 - 02 - 2010

في الأسبوع الماضي كتبت مقالا عن موقف الإسلام من الشعر ، فطلب أحد المعقبين الكرام أن أتبعه بمقال عن ضوابط الاقتباس من القرآن في الشعر ، وهذا ما وصل إليه اجتهادي تلبية لرغبة ذلك المعقب الكريم :
يتفق معظم المتخصصين في العلوم اللغوية والشرعية على أن القرآن يمثل أرقى مستوى للأداء اللغوي العربي ، لدرجة أن طه حسين كان يفضل اعتبار القرآن الكريم نمطاً خاصاً من أنماط التعبير البياني العربي ، فيقول “ إن لدينا القرآن والشعر والنثر فيجعل القرآن مستوى خاصاً من مستويات التعبير أرقى من المستويين المعروفين في لغة العرب ، وهما الشعر والنثر ، والمقصود بالطبع هو النثر الفني ” .
ويحسن بنا قبل البدء في مناقشة القضية أن نتوقف عند ثلاث مسائل متشابهة أو لعلنا نقول [ غير واضحة ] في أذهان كثير من أدباء هذه الأيام من الذين لم يتح لهم قسط وافر وقدر كاف من التخصص العلمي أو الدراسة المتعمقة .
أولهما : مسألة السرقة :
فقد اعتقد البلاغيون العرب أبواباً خاصة في مؤلفاتهم لدراسة السرقات الأدبية ويمكن للقارئ أن يجد كتاباً خاصاً بمسألة السرقات مثل الوساطة بين البحتري وأبي تمام والصبح المتنبي عن حيثية المتنبي ، ودفع الظلم والتحري عن أبي العلاء المعري ، وغيرها ، ويعد كتاب الدكتور بدوي طبانة : السرقات الأدبية دراسة في ابتكار الأعمال الأدبية وتقليدها ، نشر بمكتبة الأنجلو – القاهرة – 1969م. مرجعاً وافياً في هذا المجال .
وتقوم دراسة البلاغيين للسرقات الأدبية على أساس من الذوق الخاص الناقد الذي يوازن بين علمين أدبيين محتكماً إلى ذوقه ، فيرى أين يقف كل منهما من الآخر ؟
ويحفل القسم الثالث من “ المثل السائر لابن الأثير ” بنماذج متنوعة من السرقات الأدبية مرتبة وفقاً لتقسيم وضعه ابن الأثير لأنماط السرقات المختلفة مثل : أخذ المعنى واللفظ معاً أو ما يسميه قدامى البلاغيين وقوع الحافر على الحافر ، أو أخذ المعنى وأكثر اللفظ ، أو أخذ المعنى وأيسر اللفظ ، أو أخذ المعنى ثم قلبه ، أو أخذ المعنى ثم الزيادة عليه . . إلخ .
ولعل الإطار العام لقضية السرقات الأدبية – بالرغم من اتساعه – قد ظل محصوراً في نطاق الشعر لأسباب منها : أن البحث عن توارد الخواطر والمعاني بين الشعراء هو ما كان يشغل بال نقادنا القدامى فيقومون أحكامهم على أساس الموازنة الفنية بين شاعرين ومنها كذلك الإدراك الواعي المبكر لذى نقادنا وبلاغيينا القدامى لكون القرآن الكريم أرفع من أن يتطاول الأدباء إلى تقليده أو مسخ معانيه ، ومن هنا قوبلت بالتوبيخ والاستهجان كل محاولات اصطناع لغة أدبية تحاكي لغة القرآن نثراً ، وربما اعتبر ذلك في وقت من الأوقات " هرطقة تستحق المحاكمة " .
أما استفادة الشعراء من القرآن الكريم فلم يدخلها النقاد القدامى في إطار السرقات ، ومن هنا نخلص إلى استبعاد أن يكون تأثر الشاعر بالقرآن الكريم سرقة أدبية .
ثانيتهما : التضمين :
والمقصود بالتضمين : استخدام بعض آيات القرآن الكريم في العمل الأدبي وقد قسمه “ القلقشندي ” في كتابه “ صبح الأعشى 1/234 ” إلى قسمين :
أولاً : الاستشهاد بالقرآن : وهو أقل وقوعاً في الكلام ودوراناً في الاستعمال كما يقول القلقشندي ، وهو أن يضمن الكاتب كلامه شيئاً من القرآن بشرط تنبيه القارئ أو المستمع إلى أن هذا قرآن مثل قول أبي إسحاق في عهد كتبه نيابة عن خليفة إلى والٍ من ولاته بعد أن أمره بالتقوى :
“ فإذا اطلع الله منه على نقاء جيبه ، وطهارة ذيله ، وصحة مروءته ، واستقامة سيرته ، أعانه على حفظ ما استحفظه ، وأنهضه بثقل ما حمل ، وجعل له مخلصاً من الشبهة ومخرجاً من الحيرة ، فقد قال الله تعالى { . . وَمَن يَتّقِ اللّهَ يَجْعَل لّهُ مَخْرَجاً . وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَحْتَسِبُ . . . } [الطلاق/2،3].”
فالكاتب هنا استشهد بآية قرآنية ولكنه نبه إلى ذلك بقوله : فقد قال الله تعالى ، فالاستشهاد لا يكون إلا بهذا الشكل .
ثالثتهما : الاقتباس من القرآن :
وهو أن يضمن الكاتب كلامه شيئاً من القرآن دون أن يشير إلى ذلك أو ينبه عليه ، وساق القلقشندي أمثلة لذلك منها :
قول ابن نباتة السعدي في بعض خطبه : فيا أيها الغفلة المطرقون ! أما أنتم بهذا الحديث
مصدقون ؟ ما لكم لا تسمعون ؟ { فَوَرَبّ السّمَآءِ وَالأرْضِ إِنّهُ لَحَقّ مّثْلَ مَآ أَنّكُمْ تَنطِقُونَ } .
وقول الشيخ شهاب الدين الحلبي من عهد السلطان “ . . وجمع بك شمل الأمة بعد أن { كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مّنْهُمْ } وعضدك لإقامة إمامته بأولياء دولتك الذين رضي الله عنهم .
وفي هذين النموذجين تجد الخطيب أو الكاتب استخدم بعض آيات القرآن الكريم وتركها تنساب بين كلامه كما لو كانت من كلامه ، وهو يقصد بذلك إلى تقوية أسلوبه ودعمه بالأسلوب القوي المؤثر المبني على أرقى مستوى بياني عربي .
التفرقة بين نوعين من التضمين :
وقد يكون مفيداً للقراء أن أنبه إلى أن هناك نوعين من التضمين : الأول هو التضمين بالمعنى الذي عرضناه وهو وضع آية من القرآن ، أو حديث شريف ، أو قول مأثور ، أو بيت شعر ، وسط العمل الأدبي الجديد نثراً كان أو شعراً بهدف ترقية الأسلوب وهو ما سماه القلقشندي بالاقتباس ، والثاني : هو التضمين الذي نجده في كتب النحو والعروض والبلاغة بمعنى تعليق معنى بيت على بيت سابق له ، مثل قول امرئ القيس :
فقلت له لما تمطى بصلبه / وأردف أعجازاً وناء بكلل /
ألا أيها الليل ألا انجلِ / بصبح وما الإصباح منك بأمثلِ /
فالبيت الأول لا يتم له معنى إلا بوجود البيت الثاني ، وقد فطن ابن الأثير حين تناول هذا النوع من التضمين إلى نقطة هامة سبق بها عصره ، وهي أن النقاد السابقين عليه كانوا يعتبرون هذا النوع من التضمين معيباً لأنه يقوم على ربط بيت ببيت ، ولكن ابن الأثير تفطن إلى ما في هذا النوع من ترابط للمعنى الكلي ، أو بلغتنا المعاصرة “ الوحدة العضوية ” فقال عن هذا النوع من التضمين :
“ وهو عندي غير معيب لأنه إن كان سبب عيبه أن يعلق البيت الأول على الثاني فليس ذلك بسبب يوجب عيباً ؛ إذ لا فرق بين البيتين من الشعر في تعلق أحدهما بالآخر ”.
وزاد على هذا بأن استشهد بآيات من القرآن الكريم ارتبط بعضها ببعض كقوله { فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَىَ بَعْضٍ يَتَسَآءَلُونَ . قَالَ قَآئِلٌ مّنْهُمْ إِنّي كَانَ لِي قَرِينٌ . يَقُولُ أَإِنّكَ لَمِنَ الْمُصَدّقِينَ . أَإِذَا مِتْنَا وَكُنّا تُرَاباً وَعِظَاماً أَإِنّا لَمَدِينُونَ }[الصافات/51-53].
يقول ابن الأثير : “ فهذه الفقر الثلاث الأخيرة مرتبطة بعضها ببعض ، فلا تفهم من كل واحدة منهن إلا بالتي تليها ، وهذا كالأبيات الشعرية في ارتباط بعضها ببعض ولو كان عيباً لما ورد في كتاب الله عز وجل .
التي لا بد أن نتوقف عندها هي : الحكم الشرعي في الاقتباس ، وهنا لابد من الرجوع إلى المصادر التاريخية الموثوق بها لمعرفة ما إذا كانت هنا سوابق قضائية في مثل هذه المسألة أم لا ؟ وقد سبق لنا أن ناقشنا علاقة الإسلام بالشعر في مقال كبير استوفى جوانب هذه العلاقة نشرته مجلة العربي الكويتية في عدد أغسطس 1988م. ، وخلصنا فيه إلى أن الإسلام لم يحرم الشعر كما أنه لم يحرم الغناء على إطلاقه . . بل إن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يستمع إلى الشعراء ن ويشجع شعراءه على الرد على شعراء الكفار . غير أن معرفة موقف الرسول صلى الله عليه وسلم والصحابة رضوان الله عليهم من مسألة الاقتباس لابد لها من الرجوع إلى دواوين شعراء صدر الإسلام ودراسة شعرهم درساً تحليلياً ، وربما تخصص لذلك مقالاً آخر ، وأما ما يقتضيه المقام هنا فهو الاكتفاء بما ذهب إليه الإمام الشافعي من أن “ الشعر ضرب من الكلام حسنه حسن وقبيحه قبيح ” .
وفي رأينا أن الوجه الذي طرحت به القضية كثيرا وهو : أمن الأفضل الاقتباس من القرآن الكريم أم من أساطير الغرب وثقافته ؟ليس سليما ، إذ إن هذا الطرح لا يبرر كل أساليب الاقتباس ، بل لابد من وجود معايير فنية/أخلاقية تحدد كيف يمكن الإفادة من التراث الإسلامي عامة – وليس القرآن فقط – في بناء العمل الفني .
وقبل أن ينفعل أدعياء الحرية ويثيروا التراب في وجهي أبادر بالقول : إنني لا أقصد بالمعايير الفنية/الأخلاقية أية قيود تقيد حرية الإبداع ، فهذا ما لا يمكن أن يخطر لي ببال ، ولكني أقصد ضرورة مراعاة مشاعر المتلقي الدينية ، وهذا هو ما جعلني أصر على وضع “ الحكم الشرعي ” كمسألة ثابتة من المسائل التي تلتبس بقضية الاقتباس القرآني .
وعلى سبيل المثال ، فقد انتقدت في مقال نشرته مجلة أدب ونقد المصرية عام 1987م. عدد مارس ، إعجاب أحد الكتاب بقول أمل دنقل :
المجد للشيطان معبود الرياح
من قال : لا في وجه من قالوا نعم ؟
وكان انتقادي منصباً على أسلوب الناقد الذي كتب أن أمل دنقل يمجد قيمة الرفض المطلق ويمثل ذروته الشيطان حين رفض – بتعبير ذلك الكاتب الماركسي – " السجود في وجه الخانعين الخائفين " فكتبت معقباً على ذلك الهراء : أن كون أمل شاعراً عظيماً لا يعطي له الحق في المساس بعقائد الناس ، وكون الكاتب ماركسياً لا يبرر له هذا السخف باسم النقد .
لماذا نقتبس . . وكيف نقتبس ؟
ربما يكون مدهشاً أن نفترض أن بعض الشعراء يسعون إلى الاقتباس دون وعي بسبب هذا السعي ، وبتفسير أوضح لا يعرفون لماذا يقدمون على الاقتباس ، ليست هذه نظرة تشاؤمية ، ولكنني أشك في أن بعض الشعراء – وأنا أتحدث عن الموجات الحداثية أو الموجات التي طرأت على أرض الشعر العربي بعد حملة التخريب التي قادها أدونيس ومحمد عفيفي مطر ومن جرى مجراهما – يمارسون الشعر أو يرتكبون الشعر كما كان يتندر أستاذنا طاهر أبو فاشا رحمه الله لمجرد أنهم يرغبون في ذلك لا لأن عندهم ما يقولونه ، ودليلي على ذلك أنك تقرأ كثيراً مما ينشر الآن في المجلات الأدبية التي تزعم أنها " حديثة أو حداثية " كما يفضلون التعبير عن أنفسهم ، فلا تجد فيها إلا غثاء كغثاء السيل ، ورغاء وهراء لا طائل من ورائه ، وتجدهم وسط هذا الهراء يزجون بآية قرآنية أو جملة قرآنية لا لشيء إلا لمجرد التقليد ، وقد انعكس هذا الوضع للأسف الشديد على بعض الكتابات النقدية التي أسرفت في الآونة الأخيرة في استخدام مصطلحات مثل الصوفية للتعبير عن تلك التهويمات الغبية المستترة خلف سياق ذي طابع ديني في بعض الأحيان .
وحتى تكون البداية صحيحة لابد من وضع هذا السؤال :
لماذا نقتبس ؟
الاقتباس في نظرنا يستهدف هدفين :
1- ترقية لغة التعبير .
2- تفجير طاقات دلالية خاصة .
فمن حيث الهدف الأول لا خلاف على أن التركيبة اللغوية لآيات القرآن الكريم تأتي على أرقى مستوى يمكن أن يتضمنه الأسلوب العربي . وفي الشعر الحديث تعد التركيبة اللغوية أضعف بكثير من الشعر القديم من حيث الصحة اللغوية ومن حيث الصحة الصرفية ومن حيث الألفاظ التي شاع استخدامها حتى أسماها د.عبد القادر القط في تقديمه لديوان “ بدلاً من الكذب ” للشاعر محمد مهران السيد ب ‘الأكليشيهات' ويندر أن تقرأ ديواناً لشاعر معاصر فتجده خالياً من مثل هذه التعابير الجاهزة ، ويكفي للتدليل على ذلك أن ضرب مثلاً بحافظ إبراهيم – وهو من هو بالقياس إلى شعراء هذه الأيام – ففي صفحة 60 يقول :
ظنتا ذلك المكان خلاء لا رقيباً يُخشى ولا نماما
والحديث عن فتاتين ، والفعل يخشى مبني للمجهول ، وكان الأصوب أن يقول لا رقيب لأنه لا وجه للنصب هنا إلا على تأويل سخيف .
وفي صفحة 61 يقول في ذات القصيدة عن الشاعرين أحمد شوقي وإسماعيل صبري :
ملئا الشرق حكمة وأقاما في ثنايا النفوس أنى أقاما
وعند قراءة البيت وقفاً للوزن المستخدم الخفيف لابد من إسقاط ألف الاثنين من الفعل ملأ ، أما إذا بقيت الألف – وهي ركن ركين لا يصح حذفه – فسينكسر الوزن وهذه في عرف علماء اللغة مخالفة لغوية/صوتية .
فإذا تركنا حافظاً إلى أمل دنقل – وهو من هو بالقياس إلى أدعياء الحداثة – وجدنا الخطأ اللغوي يشيع حتى ليصبح من الصعب حصره ، وسأختار أمثلة من ديوان البكاء بين يدي زرقاء اليمامة – أرقى دواوينه وأعظمهما – ففي صفحة 114 يقول :
"يا سيد الشواهد البيضاء"
فهذا خطأ صرفي لغوي ، لأن وزن أفعل ( أبيض) ، يُجمع على فُعْل بضم الفاء وسكون العين فيكون الصواب الشواهد البيض .
نستخلص من هذا أن ضعف التركيبة اللغوية في الشعر الحديث يدفع الشاعر إلى الاستعانة بالتعبير القرآني ، في محاولة لترقية لغته الشعرية .
ومن حيث الهدف الثاني وهو تفجير طاقات دلالية خاصة نجد أن الشاعر الحديث يعتمد في تشكيل صورته الشعرية على مصادر يستولد منها الصورة ، منها المصادر المادية مثل الطبيعة الحية كالإنسان والحيوان والنبات ، والطبيعة الجامدة وهي معروفة وما أكثر مفرداتها في الشعر الحديث كالسماء والليل والمطر والرعد والبرق . . إلخ . ثم المصادر الثقافية وهي خلاصة التكوين الثقافي للشاعر بما يشمله هذا التكوين من ثقافة دينية وتاريخية وعلمية . . إلخ . ومن هذا المصدر الثقافي يستولد الشاعر صوره الشعرية فتأتي لتعكس لنا حصيلته الثقافية بشكل غير مباشر عند تحليلنا للعمل الفني .
ولما كان الشعر بطبيعته فناً جماهيرياً تلقائياً ، فإن واحداً من أهداف الشاعر هو أن يتقبل جمهوره شعره قبولاً حسناً بالإعجاب والتقدير وهو في سبيل تحقيق هذا الهدف يحتاج إلى عدة تكنيكات فنيى أحدهما : إيجاد تفاهم مشترك بينه وبين المتلقي ، هذا التفاهم إن لم يكن في الفكرة كان في الخيال ، وإن لم يكن في الخيال كان في الألفاظ وإن لم يكن في الألفاظ كان في العاطفة ، هذه هي المكونات الأساسية للفن الشعري ، وإذا فقد الشاعر التواصل مع جمهوره فمعنى ذلك أنه لم ينجح في إيجاد خط فكري أو عاطفي أو لغوي بينه وبين الجمهور ، ولعل هذا هو السر في فشل من يكتبون القصيدة الحديثة المسرفة في التعامل مع الصورة الغامضة في الوصول إلى المتلقين ( هذا على افتراض أن ما يقولونه فيه شيء من ماء الشعر ) .
وهنا يأتي احتياج الشاعر للاقتباس من التعابير القرآنية بوضعها حد أدنى من المشترك الثقافي العام بين المبدع وجمهوره يلجأ إليه الشاعر لتقريب الهوة بينه وبين جمهوره .
ولكن المحذور الأعظم هو أن يسيء الشاعر الاقتباس ، وهذا ينقلنا إلى سؤال تال مهم وهو :
كيف نقتبس ؟
إن الشاعر حين يلجأ إلى التعبير القرآني ينبغي أن يكون حريصاً على تفادي مأزقين هما :
1- ألا يتحول إلى واعظ ديني .
2- ألا يتحامل على النص الديني فيسطو على معظمه .
فالمأزق الأول يأتي من ضعف الوعي الفني وضحالة الفكرة لدى الشاعر ، وقديماً قال علي بن الجهم يمدح أحد الخلفاء :
الله أكبرُ والنبي محمد / والحق أبلج والخليفة جعفرُ !!
فسخر منه شاعر آخر فقال :
أراد ابن جهمٍ أن يقولَ قصيدةً / بمدحِ أميرِ المؤمنينَ فأذَّنا !!!!
فهنا جاءت السخرية لأن افتتاح القصيدة بتعبير جاهز هو " الله أكبر " مع ضعف البناء الفني في البيت ككل ؛ أعطى الجمهور إحساساً بأن الشاعر تحول من فنان إلى مؤذن ، وحين يقول ابن سناء الملك مقتبساً من القرآن :
رحلوا فلستُ مسائلاً لديارهم ْ / أنا باخعٌ نفسي على آثارهم !!
فأي فن في هذا البيت ؟
وحين يقول شاعر مغربي مقتبساً وهو يرثي أحد أصدقائه :
قد كان ما خفتُ أن يكونا / إنا إلى الله راجعونا !! /
ذا رمت منها سلوة قال شافع
ستبقى لها في مضمر القلب والحشا
من الحب : ميعاد السلو المقابر
سريرة حب يوم تبلى السرائر
فما الجديد الذي أضافه اقتباسه للتعبير القرآني ؟ أما ما القيمة الجمالية التي اكتسبها البناء الشعري ؟ في رأينا أن الاقتباس القرآني لابد أن يتفادى مأزق الخطابة والوعظ ، وفي الوقت نفسه لابد أن يتفادى مأزق التحامل الكامل على النص ، فلا يأتي شاعر فينظم قصة أهل الكهف مثلاً برمتها ويدعي أنه شاعر !
إن الاقتباس لابد له من أن يكون مجرد لمحة فنية تثير انفعالاً ذاهلاً في المتلقي وتجعله – من تلقاء ثقافته الخاصة – يستعيد دلالة قصة معينة أو يدرك ما وراء تعبير معين استخدمه الشاعر بحنكة .
فالشاعر حين يتحدث عن حالة حب يريد أن تخلص منها فيستخدم تعبيراً مثل : اركض برجلك ، ويكتفي بهذا ، فإنه يثير مشاعر المتلقي بذكاء ، فتجيش أحاسيسه بدلالة تاريخية لهذا التعبير الذي استخدمه القرآن لإخراج النبي أيوب  من حالة الإحباط والمرض إلى حالة أخرى تتجدد فيها حياته ومعنوياته وهكذا ، والشاعر الذي يقول : " سيوضع الصاع برحل الشعراء " ويكتفي بهذا يستثير في نفس متلقيه مشاعر ضد التلفيق وتزوير التهم للشعراء ، استئناساً بالحيلة الطريفة التي لجأ إليها رجال النبي يوسف عليه السلام لإبقاء أخيه معه .
وهناك نماذج لاقتباسات رشيدة مثل قول الشاعر محمد يوسف في ديوانه " غربة الفرفور " صفحة 38 : “ أبيضت عينا النهر ” ، فهو هناك يقول لنا أن النهر حزين وأصبح شيخاً كبيراً هرماً ، ويفقد أبناءه فيحزن عليهم ويشكو إلى الله . . إلخ ، هذه الدلالات التي لم يصرح بها الشاعر ، ولكنه تركنا نهيم معها استئناساً بتعبير “ أبيضت عيناه من الحزن ” الوارد في حق نبي الله يعقوب عليه السلام .
ولكن حين يقول أمل دنقل :
والتين والزيتون
وطور سينين وهذا البلد المحزون
لقد رأيت ليلة الثامن والعشرين من سبتمبر الحزين
رأيت هتاف شعبي الجريح
رأيت خلف الصورة
وجهك يا منصورة !!
فما الذي أضافه تضمين آيات القرآن وتحريفها ؟ وهل لو أقسم بالطلاق مثلاً بدلاً من أن يقسم بالتين والزيتون . . كنا سنكذبه ؟
ختاماً نوجز رؤيتنا في أنه من الضروري أن توجد معايير فنية/أخلاقية لضبط عمليات الاقتباس القرآني مثل :
1) أن يكون الاقتباس ضرورة فنية ولا تضعف العمل الفني .
2) ألا يأتي الاقتباس في إطار يصادم العقيدة أو الشريعة التي هي جزء أساسي من ثقافة المتلقي ، والجرأة في مثل هذا ليست من الفن في شيء ، ولا تعدو كونها وقاحة أخلاقية .
3) ألا يكون الاقتباس بتضمين نص قرآني بصورة مباشرة مثل حالة القسم بالتين والزيتون على شيء يمكن القسم عليه " بالعيش والملح " كما يقولون في مصر ! .
4) يمكن أن يتفرغ الاقتباس القرآني إلى نوعين :
I- اقتباس دلالات قصصية .
II- اقتباس تعابير أو تراكيب لغوية .
وآمل أن أكون قد وضّحت وجهة نظري . . . والله من وراء القصد .


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.