المجتمع المتدين يعنى أن تدينه يطبع علاقاته السياسية وتصويته ونقاباته، وهذا أمر طبيعى ولا يفقد هذا المجتمع معناه المدنى الطبيعي، وكل المجتمعات المدنية المعاصرة حتى فى الدول الغربية والأمريكية يوجد بها معنى دينى يسهم فى صنع هوية المجتمع أو يتحدث عن مرجعية القيم العليا بطريقة أو بأخرى. ففى العرف السياسى البريطانى الدستورى أن الملك لابد أن يكون بروتستانتياً، وفى الدنمارك تتحدث المادة الرابعة من الدستور أن الكنيسة "البروتستانتية" فى جناحها "اللوثري" هى الدين الرسمي, وفى أمريكا الشعار الرسمى للدولة الذى تعتمده حتى فى عملاتها بالدولار "بالله نعتمد" أو "نثق" “In God we trust”، حتى أن هذا الشعار يثير جدلاً سياسياً وقانونياً بين فينة وأخرى حين يعترض الكثير من أصحاب أديان مختلفة ومن الملحدين على هذه العبارة الدينية، ولا يزال الجميع فى المحاكم والكونجرس وتنصيب الرؤساء وغيرها من المراسم يحلفون على الإنجيل، ويستخدمون العبارات الدينية لذلك، حتى أن مسلماً دخل الكونجرس الأمريكى، فأثار جدلاً صاخباً حول إمكانية القسم على القرآن. الغرض من هذا هو القول إن القيم الدينية فى مجتمع ما ستجد طريقها فى المجتمع المدني؛ لأن المجتمع المدنى لا يقدم بديلاً دينياً، ولكنه يتيح المجال لكل الفئات بما فيها الفئات المتدينة لممارسة نشاطها الطبيعى والسياسى فى التعامل مع هذا المجتمع. والأحزاب الدينية فى الدول الإسكندنافية وغيرها تكون حاضرة ومؤثرة، وتعيش حياتها السياسية ومحاولة التأثير والضغط بشكل طبيعي، ويتاح لها فرصة التأثير، والرهان يكون على الناس وقناعتهم، وليس على فرض الرأى والبرنامج السياسى بالقوة.. وهذا بالضبط ما يتيحه المجتمع. تغول الدولة على مفاصل الحياة؛ هو مشكلة سياسية عصيبة جاء المجتمع المدنى ليكافحها، ويتحفظ عليها، فى ممارسته للرقابة الشعبية وتفعيل دور الناس بشكل مباشر، ليس فقط من خلال الممثلين والسياسيين المنتخبين فحسب، بل ومن خلال الهيئات والمؤسسات والجمعيات والنقابات المدنية؛ التى تخفف من تسلط الدولة على الناس وعلى كل الحياة. يرى بعض الباحثين أن مبدأ المجتمع المدنى جاء كشعار حرب ومواجهة ضد الحكومات المستبدة، وضد يسارية أوروبا الشرقية والمركزية.. وأنه لا مفر من أى حالة سياسية من خيارين مختلفين جداً: إما التعاقد الاجتماعي.. عبر توافق شعبى يحصل بطريق التمثيل الانتخابى والمؤسسات الشعبية. أو الاغتصاب والتغلب.. حينما تستولى فئة صغيرة على الحياة السياسية والاقتصادية والإعلام .. إلخ. التعاقد الاجتماعى بالمقابل يقدم المجتمع كطرف نافذ يفرض شروطه ويقدم حقوقه، فقيمه الثقافية والدينية والاجتماعية ليست مجالاً للغمط أوالتضييق، بل هى تشكل القاعدة المرجعية لتصور الناس فى السياسة وغيرها، فانتماءات الإنسان هى إطارات غير متنافسة بل متعاضدة ومتعايشة، فالإنسان جزء من مجموعات متعددة؛ فهو إنسان، وعربي، ومسلم، وخليجي، وإسلامي، وقبلي، ومن شريحة التجار، أو المثقفين، أو الصاغة.. وكل هذه الانتماءات تعيش داخل المجتمع المدنى بشكلها الطبيعي؛ التى لا تحتاج أن تقاتل لتعيش، وهى تشكّل جزءاً من الهوية. المجتمع المدنى - حسب بعض الناظرين - هو الذى يحفظ الضرورات الخمس؛ بمصطلح الأصوليين وما شاكلها.. أو على الأقل يقدم الآليات الطبيعية لحفظ هذه الضروريات.. ومن هذه الضروريات «الدين»، فهذا المجتمع المتدين سيجد مجالاً حراً للحفاظ على دينه، وللضغط السياسى من أجل قيمه ونحو ذلك.. والنشاطات الدينية ستكون أكثر حرية وفاعلية، وربما تصبح جزءاً من أدوات التأثير المدنية الطبيعية فى المجتمع حتى ولو كانت ذات طابع ديني.. فهى قد تكون دينية من جهة قيمها وأهدافها، مدنية من حيث وسائلها وطرق التأثير فيها.. فالمساجد، والنشاطات الاجتماعية، والمؤسسات الخيرية والطوعية، والبرامج والأنشطة المستقلة عن سلطة الدولة يمكن أن تكون جزءاً من المجتمع المدني. المجتمع هو مجال لحماية الانتماءات، والقيم، والتوجهات، والمصالح الثقافية والاجتماعية والاقتصادية، وليس فى هذا أى إشكال من الوجهة الفقهية الشرعية، بل فى القرآن الكريم والسنة الأمر بالتعاون فى هذا، وتأمين الحياة والمصالح، والبر والتقوى، ومتطلبات الحياة الدنيا.. (فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً * يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَاراً * وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَاراً) (نوح:10-12)، فجعل البنين والبنات وبركات السماء فى الدنيا والازدهار الاجتماعى والاقتصادى جزءاً من الأهداف الدينية.. وسمّى النبى - صلى الله عليه وسلم - من مات دون أرضه أو ماله أو عرضه شهيداً، مع كونها أشياء قد يصنّفها البعض فى إطار الأغراض الدنيوية.