كانت معرفتي به قد بدأت من خلال القراءة لما كان يكتبه في مطلع الثمانينات في صحيفة الأهالي ، لسان حزب التجمع اليساري ، أيام كان حزبا معارضا حقيقيا ويضم قامات سياسية وفكرية وقانونية من الطراز الرفيع ، كان صلاح عيسى وحسين عبد الرازق قد حولوا تلك الصحيفة إلى منبر وطني وشعبي يعبر عن لسان الطيف المصري بكامله ، ويحظى بمصداقية وقبول نادر ، حتى أبناء التيار الإسلامي كانوا أول من يشترون الأهالي (اليسارية) ، ويحرصون على الاحتفاظ بنسختها طوال الأسبوع ، وكنت كغيري وأنا طالب جامعي أنبهر من أسلوب صلاح عيسى اللاذع والسهل والممتع في آن وسعة اطلاعه على الصحف المصرية والثقافة بشكل عام ، ثم كانت معرفتي المباشرة به في أواخر الثمانينات تقريبا عندما تشرفت بعضوية نقابة الصحفيين المصريين ، قبل حوالي ثلاثين عاما ، وكان صلاح لا يترك حدثا نقابيا إلا كان حاضرا في الصدارة مفعما بالحيوية والحماسة والصراحة ، ورغم أنه غير متخصص في القانون ، إلا أنه كان يأتينا دائما بمقترحات قانونية دقيقة للغاية بما يحمي الصحافة والصحفيين والصحف والنقابة من تغول السلطة ، كان نموذجا لليساري المصري "النظيف" في جرأته وشفافيته وحماسته في العمل العام . سجن صلاح عيسى أكثر من مرة ، أيام عبد الناصر وأيام السادات ، وأذكر أن أستاذنا المحامي الكبير والعظيم الدكتور عبد الحليم مندور يرحمه الله ، وكنت أعتز بصداقته وأخوته الأبوية لي ولكثيرين من جيلي ، كان يحكي لي عن أحداث يناير 77 ، وكان محامي صلاح فيها مع آخرين ، وكيف ألقوا القبض على صلاح عيسى ومعه جركن بنزين في ميدان الأوبرا وسط البلد ، ولما قابلت صلاح بعد ذلك كنت أقول له دائما : الدكتور مندور يقول أنهم مسكوا الواد صلاح عيسى بجركن بنزين في الأوبرا ، وكان يضحك كثيرا عندما أقولها له ، لم يكن صلاح وقتها صغيرا في السن ، كان يقترب من الأربعين ولكن جذوة الغضب والاحتجاج في داخله كانت أكبر من أن يعوقها السن أو الرهق . في النصف الثاني من عصر مبارك ، التقيت به كثيرا ، خاصة عندما كنت أقدم برامج تليفزيونية ، وكنت أستضيفه فيها سواء في مدينة الانتاج الإعلامي أو في مسرح سينما أوبرا وسط البلد حيث استأجرتها قناة "اقرأ" فترة من الزمن كاستديو لأنتاج البرامج ، في تلك الفترة كان شيئ في داخل صلاح عيسى "اليساري الثائر" قد انطفأ ، وبدا أنه استسلم لسيرورة واقع هزمه ، خاصة بعد أن استبان انهيار المشروع الماركسي في مهده وفي العالم كله تقريبا وانهيار حزب التجمع وتحوله إلى فناء خلفي للحزب الحاكم وتبخر الحركة اليسارية المصرية وتحول بعض رموزها إلى إنشاء مراكز حقوقية وآخرون إلى مسار التطبيع مع "إسرائيل"، وعندما يرى الإنسان أن العقيدة والأيديولوجيا التي أضاع فيها زهرة عمره تبخرت وتبين أنها محض خرافة أو "يوتوبيا" في أحسن الأحوال ، فإن شيئا في داخله ينكسر ولا يصلح معه علاج ، هكذا كنت أشعر من كلامه معي دائما ، لدرجة أنني ذات مرة بدأت حديثي معه بعبارة : يا عمنا الناس تقول ... ، فقاطعني قائلا : أن صلاح عيسى تخلى عن مبادئه وباع لفاروق حسني ، لم أكن أقصد ذلك أبدا ولا في خاطري ، ولكن حساسيته من الوضع الذي انتهى إليه ، وتخيله لنظرة رفقائه والآخرين له كان يجعله يستشعر تلك "البطحة" دائما ، ويتخيل أن هذا ما أفكر أنا فيه . صلاح عيسى لم يكن مجرد كاتب صحفي ، كان مثقفا من طراز فريد ، وقارئا نهما ، خاصة في التاريخ الحديث ، وعديد من الكتب التي أمتعنا بها تدل على ذلك بوضوح ، مثل كتابه "رجال ريا وسكينه" الذي أرخ به للحادثة الشهيرة ، وطرح وجهة نظر مختلفة ، وجهة نظر يسارية بالطبع تركز على أسفل المجتمع وليس أعلاه ، وكذلك كتاباته عن رموز وشخصيات سياسية وصحفية وفكرية كان مولعا بالتأريخ لها كما فعل في "مثقفون وعسكر" وفي "شخصيات لها العجب" وغيرها من كتبه ، وكان في كتاباته الأخيرة عن الشخصيات اليسارية التي كان ينقدها سابقا لانكسارها وتخليها عن ثوريتها يحاول أن يلتمس لها العذر ، مثلما فعل مع "لطفي الخولي" وكأنه كان يلتمس لنفسه هو العذر لتحولاته وانكساراته من خلال كتابته عن تحولات الخولي وغيره ، وكانت الفترة التي عمل فيها في صحيفة "القاهرة" التي أصدرتها وزارة فاروق حسني هي الأسوأ في محطاته العملية . صلاح عيسى جزء من تاريخ مصر ، واشتبك مع أحداثها على مدار نصف قرن تقريبا ، وستجد حتما ما تأخذه عليه ، ولكن الإنصاف أن تعترف بما كان له ، فقد كان صحفيا وطنيا ، ومناضلا حقيقيا ، دفع الكثير من الثمن من حريته والمعاناة في معيشته والطرد من عمله من أجل اعتصامه بمبادئه في مرحلة طويلة من عمره ، بينما الآخرون كانوا يرتزقون ببيع مبادئهم وأقلامهم ، وامتلك صلاح وعيا نضاليا مبكرا لم يجعله أسير الدعاية الصاخبة سواء في عصر عبد الناصر أو السادات أو حتى مبارك في بدايات حكمه ، كما كان له فضل كبير في حماية نقابة الصحفيين ومجمل أمور مهنة الصحافة في مصر سنوات طويلة ، كما أضاف للثقافة المصرية الكثير من الكتابات الرائعة والمبهجة والتي انفرد بها ولم تتكرر ، وكان في كل ذلك يحتفظ بقلب طيب نقي ، وبساطة في الحياة والمعاملات ، وعفوية في الصداقة جعلت كل من اقترب منه أحبه ، حتى وإن اختلف معه . رحم الله صلاح عيسى ، لقد خسرت الثقافة المصرية والصحافة المصرية بفقده خسارة كبيرة . [email protected] https://www.facebook.com/gamalsoultan1/ twitter: @GamalSultan1