المنشاوي يشارك اجتماع المجلس الأعلى للجامعات برئاسة وزير التعليم العالي بالعاصمة الجديدة    توطين صناعة النقل في مصر.. إنتاج 100 عربة بضائع متنوعة و1300 أتوبيس وتوفير أكثر من 867 مليون يورو    الوادي الجديد تستعين بتجربة جنوب سيناء لتطوير العمل المؤسسي    وزارة الداخلية تمد مبادرة "كلنا واحد" وتوسع المنافذ استعدادًا لعيد الأضحى    وزير التموين يصدر حركة تنقلات موسعة تشمل 35 وظيفة قيادية في 13 محافظة    إدارة ترامب تدرس 3 خيارات عسكرية ضد إيران    الجمود فى لبنان سينتهى عندما يتم الحسم فى إيران    من قلب الحرب.. أربعة دروس أربكت العالم    رجال يد الأهلي| عبد العزيز إيهاب: التتويج بكأس مصر يعبر عن شخصية الفريق    وزير الشباب يلتقي رئيس الاتحاد الافريقي للجودو لبحث التعاون المشترك ونشر الرياضة    مصرع نائب رئيس بنك مصر إثر انقلاب سيارته على الطريق الإقليمى    الداخلية تضبط صانعة محتوى لنشر فيديوهات خادشة للحياء بهدف الربح بالإسكندرية    الداخلية تضبط شبكة لاستغلال الأطفال في التسول بالجيزة    المخرج محمد فاضل ينفي شائعات تعرضه لوعكة صحية    البورصة وتلاميذ ثانية ثانوى    شيخ الأزهر خلال لقائه سفير عمان: مستعدون لاستقبال وتدريب أئمة السلطنة    رجال على قلب رجل واحد.. لحماية مصر    حسن رداد: تصديق الرئيس على قانون العمل الجديد حقق العدالة بين أطراف العملية الإنتاجية    ارتفاع الصادرات وترشيد الطاقة    رئيس وزراء فلسطين يبحث مع شبكة المنظمات الأهلية الأوضاع في غزة    تأجيل محاكمة المتهم بقتل مهندس كرموز في الإسكندرية ل24 مايو لفحص تقرير اللجنة الثلاثية    المديرة الإقليمية لصندوق الأمم المتحدة: أكثر من مليونى شخص حياتهم مهددة فى لبنان    تحرك فوري لدرء خطورة مئذنة مسجد جوهر المعيني بالقاهرة    وزير الأوقاف يهنئ عمال مصر: «العمران ثلث الدين»    المستشار حامد شعبان سليم يكتب عن : عم (على) " حكاية "!?    محافظ الدقهلية ومحافظ الشرقية يفتتحان مؤتمر الشرقية لأمراض الكلى بنادي جزيرة الورد بالمنصورة    عبدالرحيم علي: الاقتصاد الإيراني يخضع لحصار بحري مضاعف منذ تصعيد 2025    الإسكندرية الدولى للفيلم القصير من فعالية فنية إلى ظاهرة ثقافية    طريقة عمل كبدة الفراخ لغداء سريع التحضير واقتصادي آخر الشهر    مصطفى الشهدي يجري جراحة الرباط الصليبي الاثنين المقبل    فيلم إذما يطرح إعلانه الرسمي    الطقس غدا.. ارتفاع جديد فى الحرارة وشبورة صباحا والعظمى بالقاهرة 31 درجة    «صناع الحاضر وبناة المستقبل».. السيسي يشاهد فيلم تسجيلي في حفل عيد العمال    خالد الجندى: اختيار الأفضل فى الطاعات واجب شرعى    منافس مصر - "سلوك غير مقبول".. الاتحاد الإيراني يعلن منع وفده من دخول كندا قبل اجتماع فيفا    بتهمة التزوير.. تأجيل محاكمة موظفى الشهر العقارى بالبحيرة لجلسة 23 يونيو    محافظ الشرقية يشهد فعاليات القافلة الطبية المجانية بمركز شباب بردين    البورصة تخسر 4 مليارات جنيه في ختام جلسة نهاية الشهر    ليفربول يطلق تصويتًا لاختيار أفضل 10 أهداف في مسيرة محمد صلاح قبل وداعه المرتقب    غذاء وأدوية.. الهلال الأحمر المصري يطلق قافلة مساعدات جديدة إلى غزة    ضبط 8 أطنان دقيق في حملات مكثفة لمكافحة التلاعب بأسعار الخبز    موعد وقفة عرفات وعيد الأضحى 2026.. الحسابات الفلكية تكشف التفاصيل الكاملة    مسابقة جديدة بالأزهر للتعاقد مع 8 آلاف معلم لغة عربية    «الأعلى للإعلام» يستدعي الممثل القانوني لموقع إخباري لنشره حوارا "مفبرك" ل ضياء رشوان    رئيس الوزراء يقرر منح الجنسية المصرية ل 48 شخصًا    أوبلاك يشيد بالحكم ولا يتخوف من مواجهة آرسنال في لندن    يسري نصر الله: أحب أن تكون شخصيات العمل الفني أذكى مني    تحت رعاية وزارة الثقافة.. ليلة رقص معاصر تنطلق ب" كتاب الموتى" | صور    رجال طائرة الأهلي يواجه الفتح الرباطي المغربي في ربع نهائي بطولة إفريقيا    الصحة: فحص 2.127 مليون طالب بالصف الأول الإعدادي للكشف المبكر عن فيروس سي    قرارات استراتيجية جديدة لمجلس إدارة هيئة الرعاية الصحية | تفاصيل    تزامنا مع عيد العمال.. الأوقاف: العمل والسعي طريق بناء الحضارات    انطلاق الجولة الثامنة من مجموعة الهبوط بالدوري الأحد.. وصراع مشتعل للهروب من القاع    وزير «التخطيط» يبحث مع البنك الدولي تطورات إعداد استراتيجية الاستثمار الأجنبي المباشر    أميرة النشوقاتي: النساء العاديات مصدر الإلهام الحقيقي في «المقادير»    جيش الاحتلال: توقيف 21 سفينة من أصل 58 في الأسطول المتجه إلى غزة    الأرصاد تحذر: شبورة كثيفة وطقس متقلب اليوم الخميس على أغلب الأنحاء    يسرا ودينا الشربيني في العرض الخاص لفيلم The Devil Wears Prada 2.. صور    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



«المصرى اليوم» حاورتها لتكتشف معنى جديد للصبر: الحاجة سوسن مواطنة «شقيانة» مهتمة بالشأن العام ولا تترك حقها

لا تملك وأنت تستمع لها وهى تقص عليك حكايتها مع الزمان إلا أن تقول: «يا صبر أيوب» ويا لقوة تحمل تلك المرأة التى لم تتجاوز السادسة والأربعين، ولكنها تبدو فى الستين من عمرها بعد أن زادتها الهموم سنوات فوق سنوات، بملامحها التى تقترب من الشيوخ، وأسنان فمها التى خلعتها، حتى خطواتها المتثاقلة بعد أن بتروا لها الإصبع الكبير فى قدمها، لتسير بقدم لا يفارقها التورم أبداً.
الملمح الأساسى فى حياة الحاجة سوسن، كما يطلق عليها معارفها وجيرانها، هو أنها مواطنة من بين ملايين الناس فى مصر، اختلط شأنها الخاص بما تعيشه مصر من شأن عام، بدءاً من بيعها كل ما تملك لعلاج زوجها الراحل من دون جدوى، مروراً بوفاة ثلاثة من أبناء أشقائها وهم فى أعمار مختلفة، انتهاءً بفشل زيجة ابنتها الكبرى، تؤكد لك أن شكواها تتلخص فى كلمة واحدة هى «الفساد» الذى صار مأساة حياتها هى وكل المصريين، ولذا فهى مصرية لا تختلف كثيرا عن بقية المصريين سوى أنها لم تعتد إغلاق الباب فى وجه الريح، بل تصر على مواجهتها مهما كانت شدتها.
الاسم فى الرقم القومى، سوسن على سليمان، وسنة الميلاد 1963، أم بالفطرة، تحملت مسؤولية أشقائها الست ومن بعدهم أخوتها الأربعة من أبيها، فى حياة أبويها وزوجة أبيها، اعتادت أن تواجه الحياة بابتسامة يساندها فيها حبها لابن عمها يحيى الذى ارتبطت به منذ أن وعت للمشاعر لغة. قصة حب كادت أن تفشل بسبب رفض الآباء لمشاعر الأبناء لولا أحكام القلوب التى جمعت الحبيبين، ليصرا على إتمام الزواج والعيش فى منوف حيث يعمل يحيى، ومن دون الاعتماد على الأهل.
وهو ما تحكى عنه سوسن بالقول: «عشت مع يحيى أجمل 11 سنة فى عمرى كله كان كل شىء، أنجبنا ثلاثة أبناء، طارق وغادة ونورا، وحانت لحظة الفرج حينما عثر زوجى على عقد عمل فى قطر فى مطلع التسعينيات، ليسافر ويعود لى بعد عام واحد مصابا بفيروس سى انتقل له أثناء تلقيه علاجاً بأسنانه.
خشيت على يحيى من المرض وكانت صحته فى تدهور مستمر، طرقت كل الأبواب لعلاجه، بعت كل شيء فى البيت حتى قطن المراتب من أجل أن يستعيد يحيى صحته ولكن فى أقل من عام كان كل شىء قد انتهى، تركنى أنا وأولاده نواجه الحياة وحدنا، وجدت نفسى الأب والأم لثلاثة أبناء ربيتهم منذ اللحظة الأولى على رفض أى محاولة مساعدة من المحيطين بنا حتى ولو لم تتجاوز حدود طبق حلوى أو بعض الفاكهة من الجيران. ولم أجد أمامى كى أعيل أبنائى سوى أن أشترى الملابس من سوق الجملة وأبيعها فى المصالح الحكومية بهامش ربح يكاد يكفينا ويكفى تعليمهم».
كانت الكرامة، والاعتزاز بالنفس والاستغناء عن مظاهر الحياة التى لا يقدرون عليها هى أهم ما يعنى الحاجة سوسن فى تربيتها لأبنائها، يتظاهرون بالشبع والبيت خال من الطعام، يرتدون ما يسترهم دون طمع فى مزيد.
الشيء الوحيد الذى كانت تقتطع من قوتها لتشتريه هو جريدة الأهرام يوم الجمعة كى تقرأ بريد الأستاذ عبد الوهاب مطاوع. وفى أحد أيام جُمع عام 1996 قرأت رسالة لزوج وكيل وزارة جار عليه الزمان وأصابه المرض فأقعده، وأرسل رسالة يشكو فيها سوء معاملة زوجته له وضيقها بمرضه وخدمته.
شعرت سوسن أن واجبها يحتم عليها توعية تلك الزوجة الجاحدة لنعمة وجود زوجها بجوارها، فأرسلت رسالة لبريد الأهرام تحكى قصتها وزوجها وكيف أن وجوده بجوارها حتى فى أشد لحظات المرض، كان أفضل بكثير من وحدتها هى وأبنائها.
لتفاجأ بنشر رسالتها فى بريد الجمعة وباستدعاء عبد الوهاب مطاوع لها فى الجريدة، وهى ما تتذكره بالقول: «ذهبت للأستاذ مطاوع فى مكتبه فوجدته يسلم على ويسلمنى شيك بمبلغ 5000 جنيه، فقلت له إننى لا أقبل المساعدة من أحد، فقال لى إنه مبلغ تبرع به أحد القراء من دون أن يذكر اسمه لمساعدتى فى تسديد الديون التى تراكمت على بسبب مرض زوجى.
كما أخبرنى برغبة دكتور محمد إبراهيم سليمان بالذهاب له، فقلت له إننى بخير ولا أحتاج للذهاب لأى طبيب، فضحك وقال لى إنه وزير الإسكان قرأ رسالتى ويريدنى فى مكتبه، فذهبت لمكتب الوزير فى الموعد المحدد، فعرض على المساعدة المالية كل شهر وقال لى إن أولادى الثلاثة صاروا مسؤوليته لحين تخرجهم، فرفضت وبررت له ذلك بأن أبنائى يستحيون ارتكاب الأخطاء بسبب رؤيتهم لتعبى وسعيى عليهم، وأننى لو اعتمدت على الوزير فى تربيتهم فسوف يفقدون هذا الحياء لأن كل شىء بات سهلاً».
طلبت سوسن من وزير الإسكان الأسبق أن يوفر لها وظيفة بالقرب من محل سكنها، فصدر قرار تعيينها فى وظيفة كتابية فى مديرية إسكان منوف قبل أن تغادر مكتبه، براتب 140 جنيهاً، وهو مبلغ بالنسبة لها بالإضافة لمعاش زوجها الراحل، إلا أن أهم ما فى قصة تعيينها كما تقول كان فرحة أبنائها بوظيفتها التى حالت بينها وبين المرور على المكاتب تبيع الملابس، حتى إنها فوجئت فى أحد الأيام بابنها طارق وقد أتى لمحل عملها ومعه أصدقاءه يبرهن لهم أن أمه موظفة حكومية.
ولم تقتصر مساعدة الوزير للحاجة سوسن على ما فعل ولكنه كان دائم المتابعة لها فى العمل للاطمئنان عليها وعلى أبنائها، كما كان وراء منحها شقتين فى مساكن محدودى الدخل فى السادس من أكتوبر واحدة لها وأخرى لطارق كى يتزوج بها.
فى مكتب الوزير عرفت الحاجة سوسن بعضا من ملامح العلاقة بين السلطة وبعض الصحفيين فى مصر، بعد أن سمعت ورأت كتاباً سعوا وراء مصلحتهم بقطعة أرض أو امتيازات من الوزارة، وعندما فشلوا قرأت هجومهم على صفحات الجرائد بعدها على الوزير وسياساته، لتؤكد لك: «هناك أسماء رنانة فى الصحافة لها بريقها عند الناس ولكنها لا تساوى شيئاً عندى إنهم يبتزون الحكومة فى الخفاء، ويهاجمونها فى العلن، وهذا عين الفساد يا أستاذه.
ما عدا الأستاذ مجدى مهنا، لم ألتق به ولا مرة فى حياتى ولكنه كاناً رجل كنت أصدقه فى حواره الذى لا زيف فيه مع المسؤولين، كان هو الذى يصبرنى على أمور كثيرة أراها فى البلد وتؤلمنى، كان نفسى أقابله لكن الموت كان أسرع منى».
وتسير الحياة بالحاجة سوسن تتابع وترصد ما يحدث للوطن، تتابع الغلاء الذى لا يرحم ميزانيتها ذات ال480 جنيهاً، ورغم ذلك تتحايل على المعيشة كشأن كل المصريين، تسعى لزواج الابن والابنة ولو الدين والتقسيط والاقتراض من البنك بضمان راتبها، الذى لم يعد يتبق لها سوى نصفه بعد خصم أقساط الدين، وعقلها وقلبها يؤكدان لها أن تزويج الأبناء سترة، وتشريفهم أمام الناس واجب ورسالة، فتهون الديون ومتاعب العيشة، ولكن الألم والمرض والموت هم الذين لا يهونون بسهولة. هكذا تقول الحاجة سوسن حينما تتذكر نور عينيها «منير» الذى خطفه الموت وهو فى الثامنة والثلاثين من العمر، وتتهم الفساد بأنه السبب فى موته.
ما الحكاية يا حاجة سوسن، وهل تلصقين كل شىء فى حياتنا بالفساد؟ ومالك أنت والحديث عن الفساد وناسه؟ تجيبك قائلة:» صبرك بالله، الحكاية بدأت مع عودة منير، الابن الأكبر لشقيقتى وكنت أعتبره ابنى، من مقر عمله كمشرف فى شركة مقاولات فى محافظة البحر الأحمر، بوجبة السمك التى اعتاد أن يحضرها لنا فى كل مرة، تجمعنا فى منزل شقيقتى كلنا، أكلنا وضحكنا، ولعبنا كبارا وصغار، وفجأة شكا منير من ألم فى ساقه، تفحصتها فوجدت دائرة صغيرة حمراء كما لو كان لدغة حشرة.
حاولت التهوين عليه ولكن زاد الألم، فذهبنا لطبيب طلب عمل تحاليل وفحوصات، نفذنا ما طلب وعدنا له فأخبرنا أن منير يعانى من جلطة وقرر دخوله مستشفى الزراعيين، فصرفنا فى الأيام العشرة التى قضاها فيها 9000 جنيه، وأصرت المستشفى على أن ندفع قبل دخول منير 2000 جنيه، و2000 جنيه أخرى أجرة يد الطبيب، ويا ليتها جاءت بنتيجة، فقد خرج من المستشفى وقد زاد الألم عليه وانتفخت بطنه، ذهبنا للطبيب فطلب فحوصات أخرى أكدت وجود خلايا سرطانية، يومها شعرت بالانهيار فأخفيت على أختى الحقيقة لأن منير كان نور عينيها، كان يتألم وأنا عاجزة عن عمل شىء،
لم يكن أمامنا سوى المستشفيات الحكومية، التى أتمنى أن يُعالج بها جميع السادة المسؤولين فى بلادنا، ليعرفوا أن ميزانية وزارة الصحة فى بلادنا مهدرة على مستشفيات تهين كرامة الإنسان ولا تعالج، أليس فساداً أن يكون ابنى فى المستشفى يعالج من مرض خطير كالسرطان ويطلب منى الطبيب علبة دواء ب13 ألف جنيه، من أين للبسطاء بهذا المبلغ؟
أليس من الفساد أن تجلس الممرضة على مقعدها عند باب العنبر الممتلئ بالمرضى ثم تطلب منهم أن يأتوا ليحصل كل منهم على الدواء؟ أليس فساد أن تسيطر على العنبر رائحة عفونة لا يتحملها بشر نتيجة وجود ماسورة مكسورة فى أرضيته دون أن يهتم أحد بإصلاحها وكأن المرضى ليسوا بشراً؟ ثم من أين جاء لمنير ومن كانوا معه فى المستشفى وغيرهم ممن لا نعلم عنهم شيئاً، السرطان ذلك المرض اللعين؟ أليست مبيدات «يوسف والى» التى أغرقت خضروات المصريين وفاكهتهم؟
أيستطيع يوسف عبد الرحمن وراندا الشامى أن يفعلا ما فعلاه بدون إذن الوزير أو معرفته؟ ولماذا لم يحاكم يوسف والى أو يحقق معه كما أوصت المحكمة فى حيثيات حكمها على مساعديه؟ الفساد يا أستاذه يتوحش عندما يُطبق القانون على الغلابة، ولا يستطيع الاقتراب من المسنودين».
مات منير، وكان يوم موته مأساة فى حياة الخالة سوسن، ليس فقط لأنها تلعن الفساد الذى خطف منها ابن شقيقتها، أو لكون الفراق صعباً ومريراً، ولكن أيضاً بسبب إصرار إدارة المستشفى الحكومى الذى كان يعالج به منير على تحصيل رسوم إدارية من أسرته قبل السماح لهم بالحصول على جثمانه، لتثور ثائرة الحاجة سوسن وهى تتساءل أمام باب الإدارة فى المستشفى عن سبب تلك الرسوم التى لم تجد لها معنى فى غياب الرعاية الحقيقية بالمستشفى، وفى وجود وفر من فاتورة العلاج على نفقة الدولة يقدر بنحو 5000 جنيه.
وتشكو لك قائلة: «علاج منير كلفنا 200 ألف جنيه لم تمنحنا منهم الدولة غير 25 ألف جنيه، أليس هذا فساداً يا عالم؟ ثم يطالبوننى بدفع رسوم إدارية هو موت وخراب ديار؟».
كان لموت منير الدافع للحاجة سوسن فى أن تتقدم ببلاغ للنائب العام تتهم فيه يوسف والى وزير الزراعة الأسبق بالتسبب فى موته هو ومن معه فى العنبر محمود ومأمون، اعتقدت أنه سيكون من سيهتم ببلاغها وأنه قد يكون دافعاً للمسؤولين لفتح التحقيق مع الرجل الذى أوصت المحكمة به، ولكن الحياة فى مصر لا تعترف بأحلام البسطاء وخيالاتهم الساذجة،
فبدلا من أن يفتح باب التحقيق مع الوزير ومساءلته فى بلاغ رسمى طبقا للقانون، استدعت نيابة السادس من أكتوبر الحاجة سوسن لتحقق معها فى سبب تقديمها البلاغ، وسألوها عن أى علاقة لها بيوسف والى، فنفت، فاتهموها بالسب والقذف فى حق وزير الزراعة الأسبق، ولكنها لم تشعر بالخوف كما تقول: «أعلم أننى كنت كمن يصدم رأسه فى حائط، ولكننى لم أكن أريد أن أصبح شيطاناً أخرس، فعلت ما يجب على فعله ويكفينى هذا».
وتواصل الأحداث صدامها مع سوسن، لتعلم أن الابنة التى اقترضت من أجل سترتها، غير سعيدة فى حياتها مع زوجها الذى لم يتورع عن تكرار ضربها إلى حد أنه كسر لها أنفها. فتسارع بإخراجها من بيت الزوج ومعها ابنتها الصغيرة، وتتجه لتحرير محضر رسمى له استندت عليه فى الدعوى التى أقامتها لتطليقها من زوجها.
لتفاجأ بإحضار الزوج شهادة مختومة من محل عمله يؤكد فيها أنه كان غائباً فى محل عمله بسيناء فى يوم الواقعة، لتجابه الحاجة فساداً آخر فى الضمائر، يضطرها للسفر إلى سيناء أكثر من مرة لمناشدة المسؤولين فى مدرسة زوج ابنتها قول الحق، فيعترفون بأنه لم يكن موجوداً فى ذلك اليوم. تحكى وتقول: «عدت للمحكمة التى أصرت على تشكيل لجنة للسفر والتأكد مما قلت لهم، فسافرت معهم وعدنا ليعرف الجميع أن زوج ابنتى كاذب وغير أمين عليها، وكاد الفساد أن يمنحه حق التسلط عليها».
آه... نسيت أن أحكى لكم قصة بتر الأصبع الكبير فى قدم الحاجة سوسن، الذى أضاف لمعاناتها معاناة، تحكى عنها قائلة: «ارتطم أصبع قدمى بشدة وأنا أجرى فى الشارع للحاق بابنتى غادة بعد مكالمتها الباكية من زوجها، تجاهلت الألم وواصلت السير، وبعد عدة أيام لاحظت ورماً فى قدمى فذهبت للطبيب الذى أكد ضرورة بتر الأصبع، من يومها وقدمى هكذا تعانى ورماً يمنعنى من السير بشكل طبيعي. الحمد لله بسيطة».
ما زال شأنها الخاص يختلط بِشأن البلد العام ليخلق واقعاً مؤلماً وصعباً إلى حد كبير. فدخلها الذى لا يتجاوز الخمسمائة جنيه، وتنفق منه على ابنتيها ولمة عائلتها يوم الجمعة، يؤرق حياتها ويجعلها لا تحسب فقط نفقاتها اليومية ولكن أنفاسها أيضاً، وهو ما جعلها تقف حاملة لافتة كبيرة علقت عليها قرن بازلاء، وثمرتى كوسة وطماطم، وتقف بها أمام مجلس الوزراء مستنكرة غلاء الأسعار الذى لم يترك للفقير فرصة العيش بأبسط الإمكانيات. وهو ما تصفه قائلة: «من قال إننا نأكل فى كل يوم لحماً مع الغذاء؟
يوم لحم وأيام خضر وأرز وكله رضا من الله، ولكن أن يصبح حتى توفير الخضر على الأقل فى 20 يوماً من الأمور المشكوك فيها، هنا يجب التوقف وإلا فما معنى البقاء. فقررت عمل احتجاج أمام مجلس الوزراء بجوار مجلس الشعب، الذى كان مشغولاً وقتها بمسرحية روايح التى كانت تقدمها فيفى عبده على أحد مسارح الدولة، والأعضاء يحتجون كيف لراقصة أن تمثل على مسرح قطاع عام؟
تعجبت يومها من أعضاء البرلمان الموقر الذين تركوا همومنا والأسعار تكوى جلودنا والناس تموت فى طوابير العيش، وتفرغوا لمناقشة قضية فيفى عبده. أخذونى من يدى إلى شرطة مجلس الوزراء، وسألونى عمن حرضنى لفعل ما قمت به لأن شكلى وهيئتى لم تقنعهم أننى مهتمة بالسياسة أو أفهم بها.
ولما تأكدوا من حديثى سألونى عما أريد، فأجبتهم أننى أريد التحدث لرئيس الوزراء، فطلبوا منى كتابة طلب، كتبته ولكن فاتت الأيام ولم يسأل فى رئيس الوزراء، ولم يطلب لقائى. لا أعلم لماذا؟
هل هو رئيس حكومة أخرى غير حكومة المصريين؟ هل لديه عقد عمل إضافى ولذا لا يجد الوقت للقاء الغلابة الذين بحاجة لمن يسمع همومهم ويهون عليهم».
حزينة هى الحاجة سوسن بما حدث للمصريين فى السودان عقب مباراة مصر والجزائر، تؤكد لك أن ما حدث ليس ذنب الجزائريين بل ذنب المصريين الذين ذهبوا إلى هناك فضُربوا وعادوا ليبكوا كالنساء فى التلفزيونات، وتضيف: لن نفعل شيئاً كالعادة، لو هناك نية فعل أى شىء كنا وقفنا بشدة فى حادث الطيارة المصرية سنة 99 والتى اتهموا البطوطى أنه السبب فى سقوطها لمجرد قوله «توكلنا على الله»، لقد أضاعتنا الحكومة وأهدرت حقوقنا فلماذا يبكى عليها غيرنا؟
أصبح هم غالبية المصريين «الطفشان» والبحث عن أى فرصة فى بلاد الله، وأضرب كفاً بكف حينما أرى أحد المسؤولين فى التلفزيون يتساءل عن سبب الهجرة غير الشرعية واندفاع الشباب فى اتجاه سفر لا ينتهى بهم إلا إلى موت. ألا تعرف يا سيادة المسؤول لماذا يهرب هؤلاء الشباب؟
ألا ترى الموت فى عيونهم وهم هنا أحياء، يذهبون للبحث عنه بدلاً من انتظاره؟ ألا تشعر بمرارة الغلب تعتصرهم بلا أمل فى غد يغير طعم أيامهم؟ أين زراعة الصحراء فى مصر؟
أين اقتصاد طلعت حرب؟ أين المعامل لدكتور زويل الذى لم أصدق مبرراته فى عدم فعل شىء لمصر، فمن يرد فعل شىء يفعله؟ أين مصر يا ولاد؟ أين؟ أين ابنتى؟ أين؟


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.