جامعة قناة السويس تقود فعاليات توعوية وتدريبية بمحافظة الإسماعيلية لتعزيز الوعي المجتمعي وبناء مهارات الطلاب والمعلمين    قطاع الأعمال الخاص يحصل على 59.9% من إجمالى التسهيلات غير الحكومية    نائب محافظ الفيوم يتابع تطوير مواقف"دمو" و"سنهور"و"إطسا".. صور    استقرار الدولار أمام الجنيه في التعاملات المسائية اليوم السبت 2 مايو 2026    خبير أممي: أزمة الوقود كابوس يضرب السياحة العالمية وأوروبا الأكثر تضررًا    مستشارة بالناتو: أوروبا مطالبة برفع جاهزيتها العسكرية وتقليل الاعتماد على واشنطن    الصحة اللبنانية: 2659 شهيدا جراء العدوان الإسرائيلي منذ 2 مارس الماضي    روسيا تنفي سيطرة المتمردين على مواقع عسكرية في مالي    مدريد: احتجاز إسرائيل لناشط إسباني من أسطول الصمود غير قانوني    بدون مصطفى محمد.. نانت ينتصر على مارسيليا ويحيي آماله في تجنب الهبوط    صلاح مرشح لجائزة فردية داخل ليفربول    كورتوا يعود لحراسة ريال مدريد في الكلاسيكو أمام برشلونة    جيوكيريس يقود هجوم أرسنال ضد فولهام    وفاة موظف بجامعة الوادي خلال مشاركته ببطولة الاتحاد العام للعاملين بالحكومة برأس البر    كاف يعلن موعد انطلاق وختام كأس الأمم الأفريقية 2027    محافظ بني سويف يتابع جهود السيطرة على حريق بمصنع ببياض العرب    حبس المتهم بقتل حارس عقار وإلقائه من بلكونة فى البيطاش بالإسكندرية    الأرصاد تحذر: انخفاض كبير في درجات الحرارة غدًا    الإعدام شنقا للمتهم بقتل موظف في الشرقية    ارتكبت 8 وقائع نصب إلكتروني، نيابة الأموال العامة: فحص هواتف وأجهزة عصابة "الطرود الوهمية"    "الصحفيين" تحتفل بتسليم تأشيرات الحج لبعثة النقابة السبت القادم    السينما الفلسطينية تستمر في رواية القصص.. فيلم House of Hope يحصد جائزة كندية    خبير: ارتفاع أسعار الوقود يضغط على الطيران ويؤثر على السياحة العالمية    عمرو دياب يتألق في حفل الحكاية.. رحلة موسيقية بين الماضي والحاضر    موعد ومكان جنازة الفنانة سهير زكى.. فيديو    رحيل أسطورة الرقص الشرقي في مصر.. وفاة سهير زكي بعد مسيرة حافلة    وزير الصحة يستقبل بابا الروم الأرثوذكس لبحث إنشاء مستشفى بالإسكندرية    الصحة توضح ضوابط سحب تراخيص الأطباء لحماية المرضى    وزيرا خارجية الكويت وباكستان يبحثان التطورات الإقليمية    الإمارات تعلن رفع الإجراءات الاحترازية على حركة الطيران    نشرة الشروق الاقتصادية 2 مايو 2026: اكتشاف جديد للغاز في دلتا النيل وتوقعات بتراجع سعر الذهب عالميا    فوز طالب بهندسة القاهرة بالميدالية الذهبية والمركز الأول عالميا فى جائزة تشارلز ماين    المهن التمثيلية تتابع حريق لوكيشن "بيت بابا 2" وتطمئن على فريق العمل    في دورته الأربعين.. معرض تونس الدولي للكتاب يتوج المبدعين و"إندونيسيا" ضيف شرف    وما زال الجدل مستمرًّا!    تعليم دمياط تطلق غدا برنامج المراجعات النهائية لصفوف النقل    مستشفيات سوهاج الجامعية تستقبل أكثر من 45 ألف مريض وتجري 17 ألف جراحة    زيارة مفاجئة لوكيل صحة أسيوط لمستشفى البداري المركزي    وزارة السياحة تُهيب بالمواطنين عدم الانسياق وراء الإعلانات المضللة أو الكيانات غير الشرعية التي تروج لبرامج حج خارج الإطار الرسمي    كيف قادت القوة والترف قوم ثمود إلى الهلاك؟ عالم أزهري يوضح    عالم بالأوقاف يوضح سر الصحابي الذي بشره الرسول بالجنة 3 مرات    الأمن يكشف تفاصيل مشاجرة شاب في الشيخ زايد بعد فيديو متداول    كامل أبو علي يتفقد مشروع الاستاد الجديد للنادي المصري    10 مايو.. تسليم قطع أراضٍ بنشاط ورش وأخرى سكنية بمدينة طيبة الجديدة    اليابان تعلن السيطرة بشكل نهائي على حرائق الغابات    مصطفى الفقي: المشير طنطاوي كان مرشحًا لمنصب نائب الرئيس قبل عمر سليمان    السر الكامن في فاطمة الزهراء سيدة نساء العالمين    وزارة الشباب والرياضة تطرح وظائف جديدة في 3 محافظات.. تخصصات متنوعة ورواتب تنافسية    رجال طائرة الأهلي يواجه البوليس الرواندي في نهائي بطولة إفريقيا للأندية    قافلة سرابيوم الطبية.. نموذج رائد لجامعة القناة في تعزيز الشراكة المجتمعية    حوار| رئيس اتحاد عمال الجيزة: إطلاق ملتقيات للتوظيف.. وخطة لخفض البطالة    ستارمر: الوضع الاقتصادي في بريطانيا لن يعود إلى طبيعته بمجرد إعادة فتح مضيق هرمز    بتكلفة تجاوزت 8.5 مليار جنيه.. إصدار مليون قرار علاج على نفقة الدولة خلال 3 أشهر    رئيس الرعاية الصحية: تخليد أسماء شهداء الفريق الطبي على المنشآت الصحية    «الإفتاء» توضح حكم زيارة قبر الوالدين وقراءة القرآن لهما    سامي الشيخ يدبر مكيدة لعمرو يوسف في «الفرنساوي»    الأزهر للفتوي يوضح مكانة العمل في الإسلام    البابا تواضروس الثاني يفتتح لقاء الشباب: "نور وملح" بالنمسا    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



مسلسل «الجماعة».. وعبقرية الإمام
نشر في المصري اليوم يوم 23 - 08 - 2010

كنت قد قررت بينى وبين نفسى أن أبتعد عن أى تعليق على مسلسل «الجماعة» للأستاذ وحيد حامد، الذى يعرض فى هذه الأيام فى عدة قنوات تليفزيونية، ومازلت ملتزما بهذا القرار.. صحيح نحن نتعرض لإلحاح شديد من قبل بعض المراسلين والصحفيين كى ندلى بدلونا حول المسلسل، لكن ما تم بثه حتى الآن لا يفى بتقويم موضوعى ومنصف، بغض النظر عما أثير.. كنت حريصا على متابعة الحلقات، لكنى شُغلت عنها ببعض الأعمال، ولم أر للأسف سوى خمس حلقات.. غير أن هناك بعض النقاط المهمة التى يمكن أن نلفت الانتباه إليها لعلها تفيد القارئ الكريم إن كان من مشاهدى المسلسل، أو حتى من قارئى التعليقات عليه.
أولا: لم يكن الإمام البنا تصادميا فى أى مرحلة من مراحل حياته، بل كان أهم ما يميزه سلاسته وسهولته ولينه ورقته وإنسانيته الرفيعة.. كان محاورا من طراز فريد، محاورا لبقا عميقا مرنا، قوى الحجة، حاضر البديهة واسع الأفق، عالما فقيها، بصيرا بمداخل النفس البشرية ونوازعها.. كان ذا أريحية عالية وأدب جم وخلق قويم وذوق رفيع.
ثانيا: كان الأستاذ الإمام زاهدا، متواضعا، ورعا، تقيا، نقيا، منيبا، عابدا، متبتلا، صواما، قواما، موصولا بالله، مرتبطا بالآخرة..أسره القرآن واستولى على قلبه وجنانه، فكان ينساب على لسانه كما ينساب الماء رقراقا فى الجداول، وكانت له فيه نظرات وتأملات كأنها الفتوحات.
ثالثا: أُشرب الإمام حب أهله ومجتمعه ووطنه وأمته.. شغلته وأهمته قضية الاستقلال، وأقلقته وأرّقته مشكلة النهوض الحضارى للأمة، وأوجعت قلبه وأسالت مدامعه معاناة التعساء والبسطاء من بنى وطنه.
رابعا: آمن الإمام البنا بأن الإسلام هو رسالة الله إلى الناس كافة، وإلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، وأنه نظام شامل يتناول مظاهر الحياة جميعا، السياسة والاقتصاد والاجتماع والثقافة، وكما أنه دين فهو حضارة ينعم فى ظلها الجميع، مسلمين وغير مسلمين، بالعدل والحرية والمساواة والأمن والطمأنينة والسلام، وأن نهضة شعوبنا ورقيها وتقدمها لن تتحقق إلا من خلال الإسلام.
خامسا: لم يكن الإمام البنا مهتما بتأليف الكتب أو التصانيف، أو عمل الدراسات والبحوث، وهى مهمة وضرورية لاشك، وكان رحمه الله قادرا على أن يبرز فيها، لكن اهتمامه الأول كان منصبا على إيقاظ الشعب وإحياء الأمة من خلال تربية رجال يحملون الأمانة ويقومون بالتبعة عبر فكرة سليمة ومنهج واضح وهدف محدد، ومن هنا كانت عبقرية التأصيل الفكرى والحركة المنهجية والتنظيم الدقيق والتكوين المحكم والبناء الشامخ.. من هنا كانت عبقرية التنظيم الهرمى الذى سبق به العالم المتقدم آنذاك، على الأقل بخمس عشرة سنة.
سادسا: كان الأستاذ الإمام ذا نظرة متوازنة، معتدلة، شاملة، كاملة، لديه فقه رصين بالواقع الذى تحياه الأمة، وما يتطلبه ذلك من تحديد واضح لفقه التوازنات والأولويات والمآلات، واهتمام بالأصول لا الفروع، والكليات لا الجزئيات، وهكذا.. كان يفقه تلك المقولة الخالدة للصدّيق رضى الله عنه: «واعلموا أنه لا تقبل لكم نافلة حتى تؤدوا الفريضة».
سابعا: كان الإمام منفتحا على الجميع، يجمع ولا يفرق، يوحد ولا يشتت، يبشر ولا ينفر، ييسر ولا يعسر، يؤمن بأن الإصلاح يأتى من داخل الأنظمة، وليس من خارجها، وذلك عن طريق خطوات ومراحل متدرجة تبدأ بالفرد، فالأسرة، فالمجتمع الذى يفرز الحكومة المعبرة بحق وصدق عن إرادته الحرة.
ثامنا: لقد وضع الإمام البنا القواعد والأصول، من خلال فهمه العميق والدقيق للكتاب والسنة، وسيرة السلف الصالح، والسنن الإلهية، مستفيدا ومستوعبا تجارب الأقدمين والمحدثين، وكان له اجتهاده وفق متطلبات العصر، وفى ظل سياق ومناخ عام معين، محلى وإقليمى ودولى، فى السياسة والاقتصاد والاجتماع.. ومع المتغيرات التى طرأت والمستجدات التى ظهرت، لا بأس أن يكون لنا اجتهادنا فى الفروع، مادام يتم عبر المؤسسات الشورية المعتمدة بشكل صحيح وسليم، ودون إخلال بالقواعد والأصول.
تاسعا: هناك فارق كبير بين أن تتكون صورة ذهنية معينة عن شخص أو مجموعة أشخاص من خلال كلمة مكتوبة، وبين أن تتكون هذه الصورة عبر معايشة، فى الحالة الثانية تكون الصورة أقرب إلى الحقيقة والواقع.. ثمة أمر آخر على قدر كبير من الأهمية، هو أن هناك أشياء لم تكتب ولم تدون بعد، وقد سمعنا من حواريى وتلامذة الأستاذ الإمام حكايات وروايات مذهلة جسدت صورة ما كان لها أن تتكون فى الذهن من خلال القراءة فقط.. لذا كنت أتمنى من الأستاذ وحيد حامد أن لو أعطى لنفسه فرصة الاستماع لكل الأطراف.. نعم كان ذلك يتطلب وقتا وجهدا، لكن الفائدة من ورائه ستكون عظيمة، وسيكون المستفيد الأكبر هو المشاهد، هو الرأى العام.
عاشرا: أرجو من الإخوان ألا ينزعجوا أو تضيق صدورهم بما شاهدوا أو سوف يشاهدون، وأن يتريثوا حتى نهاية المسلسل حتى يكون التقويم شاملا، ومن الجوانب كافة، وأن يضعوا فى اعتبارهم ما يلى:
1- أن رصيد هذه الدعوة فى قلب وذاكرة ووعى الأمة هو رصيد عظيم، تماما كالجبل الراسخ، لا يمكن أن ينال منه معول أيا كان حجمه ووزنه وأيا كانت شراسته وضراوته.. صحيح هناك قطاع من الناس سوف يتأثر، لكن الغالبية من الناس لديها حس سياسى وذكاء اجتماعى يستطيع أن يميز بين ما هو صالح وطالح.. وفى تصورى أن هذا المسلسل سوف يضيف إلى رصيد الجماعة ولا يخصم منه لأسباب كثيرة ليس هنا مقام ذكرها.
2- أن هذا المسلسل قطع السبيل على من يصف الجماعة ب«المحظورة»، وصارت الجماعة، بغض النظر عما يقال فى شأنها، متابعة من الأمة كلها.
3- سوف تكون هناك برامج حوارية على مستوى كثير من القنوات الفضائية، وسوف يدعى إليها بطبيعة الحال الإخوان المسلمون.. لذا أرجو أن يكونوا جاهزين بالعلم والموضوعية والإنصاف والرصانة.
4- لا ينبغى أن نلقى بالاً لمسألة اختيار توقيت بث المسلسل وأن ذلك سوف تكون له آثاره على الانتخابات القادمة.. وأتساءل: من قال إنها سوف تكون آثارا سلبية؟ ومنذ متى كانت الانتخابات التى تجرى على أرض المحروسة نزيهة أو شبه نزيهة بحيث يقال إن محاولات تشويه الصورة سوف تؤثر سلبا على حقنا؟
■ ■ ■
إن الإمام المجدد حسن البنا كان فردا، لكنه ليس كباقى الأفراد.. كان فى ذاته أمة.. فالناس كما جاء فى الحديث «كإبل مائة لا تكاد تجد فيهم راحلة».. اجتمع له من الخصائص العبقرية والصفات الفذة ما أهله للقيام بدور من أعظم الأدوار، لا أقول فى تاريخ مصر الحديث ولكن فى تاريخ العرب والمسلمين، بل فى تاريخ البشرية فى هذه الحقبة المهمة من عمر الزمان.. إن من الرجال من يصنعهم الله على عينه.. ومنهم من تصنعه الأحداث وتكشف عنه المواقف..ومنهم من تتلقفه يد الإعداد والتربية فتهيئه لصناعة التاريخ.. كان الإمام البنا عالما، فقيها، ملهما، عبقريا، مبدعا، قائدا، زعيما، سياسيا، مربيا.. كان هذا كله، لكنه قبل ذلك وبعده كان ربانيا، فى خواطره وأفكاره وسلوكياته وأخلاقه وتعاملاته وحركاته وسكناته.. أخلص قلبه كله لله.. عاش له ومعه، ركن إلى جنبه، استعان به وتوكل عليه.. فكان الله تعالى له.. كان من هذا الصنف الذى يصنعه الله على عينه.. فى يناير من عام 1992 كنت فى بيروت وأتيحت لى فرصة أن ألتقى العلامة محمد حسين فضل الله الذى رحل عن دنيانا منذ أشهر قليلة.. استمر اللقاء حوالى ساعة تقريبا، تحدث فى نصفها الأول عن الأستاذ الإمام المجدد حسن البنا، وقال- فيما أذكره- إنه سبق عصره بنصف قرن من الزمان.
من أسف أننى لم أر الإمام، فقد كان عمرى ست سنوات وقت استشهاده، لكنى عشت دهرا طويلا مع من عايشوه واغترفوا من فضله وعلمه وفقهه وروحه.. تحدثوا عنه كما العشاق المتيمين.. أحبوه حبا ملك عليهم شغاف قلوبهم.. ولم لا وقد رأوا فيه كل جليل وجميل ونبيل؟ قال أحدهم: لقد أدركنا من خلاله كيف كان الصحابة رضوان الله تعالى عليهم يحبون رسول الله صلى الله عليه وسلم.. وقد حكى لى أحد علمائنا الأفاضل أن أحد التابعين قال لواحد من الصحابة: لو كنا مكانكم ما تركنا رسول الله يمشى على الأرض.. ثم استطرد قائلا: كنا حملناه على أعناقنا.. قال عالمنا: وهذا يدل على أن محبة الصحابة لرسول الله كانت أعظم من محبة التابعين له.. قلت: لعلى فهمت العكس.. قال: لا.. قلت: كيف؟ قال: لأن الصحابة هم الذين علموا التابعين كيف تكون عظمة المحبة، وجلال المحبة، وروعة المحبة!.. سألت يوما عمنا وشيخنا الحاج عباس السيسى رحمه الله، وهو من أظرف ظرفاء الإخوان وصاحب ألطف وأرق وأمتع رسالة قرأتها وهى «الذوق سلوك الروح»، سألته أن يصف لى الأستاذ الإمام فى كلمة، فقال: «الرجل المتوهج»، قرأتها للكاتب الأديب أحمد بهجت يصف بها الإمام.
لقد أشعل الإمام البنا فى قلبى وهج الإيمان، وأنار عقلى وبصيرتى بالفهم الدقيق والعميق للإسلام، وساقنى الله عن طريقه إلى درب الهداية والاستقامة والرشاد.. أشعر أن ولادتى بدأت مع فكر الأستاذ الإمام الذى ضمنه مجموعة الرسائل، مذكرات الدعوة والداعية، ومقالاته الثرية، فضلا عن خواطره المتألقة حول معانى القرآن الكريم.. قرأت بعد ذلك عشرات من أمهات الكتب لأئمة أعلام، فما زادنى ذلك إلا اقتناعا بعظمة الإمام.. قبل ذلك لم تكن هناك حياة بالمعنى الحقيقى للحياة.. كانت عدما، بلا هدف واضح ولا رسالة محددة ولا مضمون له قيمة ولا روح لها نصيب من التوثب أو الترقى.. مع الأستاذ الإمام انتقلت إلى العالم الرحب الفسيح.. إلى الحياة مع الله.. مع الآخرة.. مع الحبيب محمد صلى الله عليه وسلم.. مع المصطفين الأخيار.. مع الشهداء الأبرار.. استطعت أن أطوى صفحة ضيقة وفارغة من حياتى، لأبدأ صفحة بل صفحات أخرى جديدة، شديدة الاتساع وغاية فى العمق، حياة لها قيمة ومعنى ووزن.. لم يكن الإمام البنا مجرد عالم أو فقيه، أو داعية كبقية الدعاة.. كان روحا وثابة، وجدانا متألقا، ومشاعر فياضة تتسلل فى رقة وعذوبة إلى عقلك وقلبك ووجدانك.. كان وهجا يفتح لك آفاق الدنيا بسهولة وسلاسة ويسر، ويأخذ بيدك فى رفق وحنان وعزم وقوة ليدلك على البداية الحقيقية للسيادة والسعادة.
■ ■ ■
لقد تجلّت عبقرية الأستاذ البنا فى استيعابه مجموعة من الدوائر المتشابكة والمتداخلة والمعقدة، الدائرة العالمية، دائرة العالم العربى والإسلامى، دائرة مصر، ودائرة الإخوان.. وبالرغم من كثرة التفاصيل إلا أن كل دائرة من هذه الدوائر كان لها حظها ونصيبها فى عقل وقلب الإمام.. كانت له رؤيته الثاقبة وثقافته الموسوعية وإحاطته الشاملة بما يجرى على مستوى العالم، وما يموج فيه من تيارات سياسية وفكرية ومذهبية وأيديولوجية وفلسفية وبؤر ساخنة وصراعات دموية.. ينظر إلى العالم أفقيا ورأسيا وكأنه يقرأ من كتاب مفتوح.. وهو فى الوقت ذاته مطلع على أحوال العالم العربى والإسلامى بكل ما فيه من مآس وآلام وأحزان، من انحسارات وانكسارات أفقدته ثقته بنفسه وجعلته ألعوبة فى يد غيره، من تخلف علمى وفكرى وجهل ثقافى ومعرفى ومرض بدنى ونفسى ووجدانى، من أزمات ومشكلات، وما يواجهه من تحديات ويفرض عليه من تبعات.. ثم هو دارس وملم بكل تفاصيل المجتمع المصرى من حيث مكامن قوته ونقاط ضعفه فى شتى المناحى، وعلى دراية كاملة بكل ما يحدث على ساحاته الفكرية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية.. وهو بعد ذلك، أو قبل ذلك، يقوم بهذا العمل الفذ فى تنشئة الإخوان والارتقاء بهم، علميا وفقهيا وروحيا وأخلاقيا، تنظيما وحركة.. إلخ..
كان يعرف من أين يبدأ، فى أى طريق يسير، وإلى أى هدف يتجه.. زودته العناية الربانية بطاقة إيمانية هائلة، وهمة عالية، وإرادة صلبة، وحركة لا تهدأ، وقلب رقيق، وعاطفة جياشة، وحس مرهف، ونفس أبية، وذهن متوقد، وذاكرة مذهلة، وعقل راجح، وحكمة بالغة.. لم يكن ينم سوى ساعتين أو ثلاث على الأكثر فى اليوم والليلة، ثم هو يعمل طول الوقت دون كلل أو ملل، كأنه فى سباق مع الزمن.. وهكذا شأن العباقرة الأفذاذ دائما.. أتته الشهادة التى كان يرجوها، وهو مازال بعد فى الثالثة والأربعين من عمره، وأبى كارهوه والحاقدون عليه أن تكون له جنازة، ولم يقم بتشييعه إلى مثواه الأخير سوى النساء.. رجل واحد فقط هو الذى جاء فى وداعه.. مكرم عبيد!
كان الأستاذ الإمام يعرف كل الإخوان، صغيرهم وكبيرهم، من فى الإسكندرية ومن فى أسوان، من فى المدينة ومن فى القرية.. ثم هو على وعى بكل أوضاعهم وأحوالهم.. من التقاه مرة فى حياته، وإن كان من عامة الناس، لم يحتج ولو بعد سنوات أن يسأله عن اسمه أو حاله ومن أين هو.. فى يوم من الأيام علم أن أخا فى إحدى القرى اعتزل إخوانه بسبب مشكلة بينهم.. ذهب إليه وكان أول ما سأل عنه.. بقرته التى يعتمد عليها، بعد الله تعالى، فى معاشه.. أليس ذلك عجيبا؟
كان لدى الإمام سحره وجاذبيته وقدرته الفائقة على مخاطبة الجماهير، فلا يمل سامعه، ولو مكث ساعات طويلة، بل يعطيه لبه ومشاعره.. كما كانت إمكاناته هائلة فى صياغة أعظم المعانى بعبارات موجزة وكلمات بسيطة، كان أسلوبه سهلا ممتنعا.. له وصايا عشر موجزة، كل الايجاز، لكنها تعد من أجمل وأروع ما كتب فى الدعوة والتربية والاجتماع والسياسة.. انظر إلى وصيته التى يقول فيها: «الواجبات أكثر من الأوقات فعاون أخاك على الانتفاع بوقته، وإن كانت لك مهمة فأوجز فى قضائها».. وانظر أيضا إلى هذه الوصية: «لا تكثر من الجدل فى أى شأن من الشؤون، فإن المراء لا يأتى بخير».. ثم انظر إلى وصيته: «تعرف على من تلقاه من إخوانك، فإن أساس دعوتنا الحب والتعارف»..
وتأمل هذه الوصايا: «قم إلى الصلاة متى سمعت النداء مهما تكن الظروف».. «لا تكثر من الضحك فإن القلب الموصول بالله ساكن وقور».. «تجنب غيبة الأشخاص وتجريح الهيئات، ولا تتكلم إلا بخير».. لقد كان رحمه الله لطيفا ظريفا، لا يجد غضاضة فى مداعبة إخوانه.. حكى لى الأستاذ محمد حامد أبوالنصر رحمه الله، الذى صار مرشدا فيما بعد، أن الإمام البنا نزل عليه ضيفا فى بيته بمنفلوط.. فى الصباح وبعد أن تناولا الإفطار، سأله الأستاذ أبوالنصر: فضيلتكم..تحب الشاى بمفرده واللبن بمفرده، أم نخلطهما معا؟ رد الإمام باسما ولكن بحسم: اسمع يا سيد محمد.. أنا لا أحب الخلط.. الشاى بمفرده واللبن كذلك.
رحم الله الأستاذ البنا وجمعنا به فى عليين، مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.