سعر الذهب يتراجع 2% أسبوعيًا.. وعيار 21 يسجل 6960 جنيهًا    تراجع المديونية المتراكمة لشركاء الاستثمار في إنتاج البترول والغاز    نائب محافظ الفيوم يتابع آخر المستجدات بملف "التحول الرقمي" ومسابقة "القيادات المحلية"    10 مايو.. تسليم قطع أراضٍ بنشاط ورش وأخرى سكنية بمدينة طيبة الجديدة    استقبال 166226 طنا من القمح المحلي بشون وصوامع الشرقية    هام من السياحة بشأن موسم الحج 1447-2026    وزير الكهرباء يبحث مع "شنايدر إليكتريك" التوسع في مبادرة تحسين كفاءة الطاقة    مستشارة بالناتو: تحركات البنتاجون تؤثر على علاقات واشنطن بحلفائها    القاهرة الإخبارية: الاحتلال الإسرائيلي يجدد إنذارات إخلاء لبلدات في الجنوب اللبناني    وزير الخارجية يستقبل نظيره السوري غدًا في القاهرة    جماعة أصحاب اليمين الإرهابية تخضع للتحقيق.. لماذا تخشى بريطانيا من تورط إيران في الهجمات على اليهود؟    الإمارات تعلن عودة الملاحة الجوية إلى وضعها الطبيعي    اتحاد السلة يعلن مواعيد مباريات نهائي دوري السوبر للسيدات    أربيلوا قبل مواجهة إسبانيول: دفعنا ثمن غياب العقلية من نقاطنا    وزير الشباب يتفقد أعمال تطوير مركز الطب الرياضي بمدينة نصر    كامل أبو علي يتفقد مشروع الاستاد الجديد للنادي المصري    برشلونة يعلن حصول رافينيا وبيرنال على التصريح الطبي قبل مواجهة أوساسونا    بلاغ يقود المباحث لضبط المتهم بالتنقيب عن الآثار في المنوفية    السيطرة على حريق بموقع تصوير "بيت بابا 2" دون خسائر بشرية    انقلاب سيارة ملاكي واصطدامها بالجزيرة الوسطى بكورنيش الإسكندرية    إحالة أوراق متهم بتزوير شهادة ميلاد طفلة والتعدي عليها لمدة 6 أعوام في الإسكندرية للمفتي    الحرارة الآن 34 درجة على القاهرة الكبرى.. تحذير عاجل من الأرصاد بسبب حالة الطقس    الأوقاف الأردنية: خطط بديلة لنقل الحجاج وضمان أداء المناسك بأمان    مدير إدارة طور سيناء التعليمية ينفي رصد أي شكاوى في اليوم الأول لامتحانات النقل بالتعليم الفني    اليوم.. ختام الدورة 12 من مهرجان الإسكندرية للفيلم القصير    وزيرة الثقافة: مشاركة مصر في معرض الرباط للكتاب تعزز القوة الناعمة    كشف أثري في الإسكندرية يلقي الضوء على تطور الحياة الحضرية عبر العصور    أول تعليق من مخرج "بيت بابا 2" بعد حريق لوكيشن التصوير    الدكتور خالد عبدالغفار: الصحة النفسية حق أساسي لكل مواطن    محافظ المنوفية يتفقد المركز التكنولوجي والصحة بسرس الليان    هاجمتهم إسرائيل.. نقل 59 ناشطا من أسطول الصمود إلى تركيا    مصطفى الفقي: المشير طنطاوي كان مرشحًا لمنصب نائب الرئيس قبل عمر سليمان    تكريم تدريسية من كلية المنصور الجامعة في فعالية علمية بمناسبة اليوم العالمي للملكية الفكرية    ذكريات الهضبة في ليلة "الحكاية"، 15 صورة من حفل عمرو دياب بالجامعة الأمريكية    أكاديمية الفنون تحتفل بذكرى تحرير سيناء بحفل لفرقة أم كلثوم للموسيقى العربية    الأوقاف تُحيي ذكرى وفاة الشيخ محمد عبد العزيز حصّان.. من أعلام التلاوة    السر الكامن في فاطمة الزهراء سيدة نساء العالمين    القبض على المتهمين بسرقة 250 ألف جنيه من سيارة بمدينة الشيخ زايد    تشييع جنازة نعمان الوزير كبير مشجعي النادي الإسماعيلي إلى مثواه الأخير (صور)    وزارة الشباب والرياضة تطرح وظائف جديدة في 3 محافظات.. تخصصات متنوعة ورواتب تنافسية    عاجل نائب رئيس الوزراء: القطار الكهربائي السريع شريان تنموي يعزز الاقتصاد ويربط أنحاء الجمهورية    تأجيل محاكمة موظف بتهمة التربح في القطامية ل 13 مايو    باكستان تؤكد للكويت استمرار الجهود الداعمة للسلام بالمنطقة    رجال طائرة الأهلي يواجه البوليس الرواندي في نهائي بطولة إفريقيا للأندية    قافلة سرابيوم الطبية.. نموذج رائد لجامعة القناة في تعزيز الشراكة المجتمعية    أطباء بنها الجامعي ينجحون في إجراء 3 عمليات بجراحات القلب والصدر    تشكيل آرسنال المتوقع لمواجهة فولهام في البريميرليج    حوار| رئيس اتحاد عمال الجيزة: إطلاق ملتقيات للتوظيف.. وخطة لخفض البطالة    بتكلفة تجاوزت 8.5 مليار جنيه.. إصدار مليون قرار علاج على نفقة الدولة خلال 3 أشهر    رئيس الرعاية الصحية: تخليد أسماء شهداء الفريق الطبي على المنشآت الصحية    «الإفتاء» توضح حكم زيارة قبر الوالدين وقراءة القرآن لهما    ليلة الوفاء، ميادة الحناوي تستعيد زمن الفن الجميل فوق خشبة موازين    بعد وقف إطلاق النار| ترامب يعلن انتهاء العمليات العسكرية ضد إيران    سامي الشيخ يدبر مكيدة لعمرو يوسف في «الفرنساوي»    الأزهر للفتوي يوضح مكانة العمل في الإسلام    البابا تواضروس الثاني يفتتح لقاء الشباب: "نور وملح" بالنمسا    هل يجوز توزيع الأملاك بالتساوي بين الأبناء؟.. أمين الفتوى يجيب    فاضل 25 يوم.. موعد عيد الأضحى المبارك 2026 فلكيا    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



أوصى أن تدفن متعلقاته معه فى قبره ليستشهد بها فى آخرته.. اللواء طيار أحمد المنصورى: أثبتنا للأسرائليين أن «لحمنا مُر»
نشر في المصري اليوم يوم 05 - 10 - 2009

تتمنى وهو يتحدث إليك بحماسه الشديد، لو أن الزمان منحك فرصة مرافقته فى طائرته الميج 21 التى يقول عنها إنها تشبهه فى الملامح.
تتعجب من قوله إن عمره 93 سنة بينما سنه الحقيقية لا تتجاوز الثالثة والستين، تترقرق الدموع فى عينيه على زمن ولى سارقاً منه مجالسة طائرته التى طالما حلق بها فى السماء مرهباً العدو بمناوراته، ومبهراً الزملاء بشجاعته ليقولوا عنه إنه «بلا قلب».
يحكى بلا توقف متذكراً تفاصيل بطولاته وكأنها وقعت بالأمس، موثقاً إياها بالتسجيلات الصوتية له مع غرفة العمليات أثناء الاشتباك مع طائرات العدو.
تحزن أن أحداً لم يهتم بالاستماع له من قبل إلى درجة أنه أوصى أبناءه بأن يدفنوا معه صوره ونياشينه وتسجيلاته ليستشهد بها فى آخرته. تلك هى حقيقة اللواء أحمد المنصورى أحد نسور السماء فى جيش المحروسة، وواحد من قائدى طائراتها ال220 فى حرب أكتوبر الذين جعلوا من ضربة القوات المسلحة الجوية بداية انطلاق لنصر عزيز.
ومن قبل ذلك واجه مع زميل له بطائرتى «ميج 6» طائرات «فانتوم» للعدو فى معركة جوية فى فبراير من عام 1973 انتهت بإسقاط إحدى طائرات العدو وهروب البقية.
وهو من التحق بالجيش فى الأول من يونيو عام 1967، ليحصد مرارة الهزيمة بعدها بخمسة أيام فقط، فيهب حياته كطيار مقاتل لهدف واحد كما يقول، هو «الانتقام».
يقول لك: «لم أكن أركب طائرتى لأستشهد، كنت أقودها وأطير بها ساعياً لحصد قلب واحد منهم أو عينه».. وإليكم نص الحوار..
■ لماذا تقول إن عمرك يتجاوز التسعين رغم أن سنك الحقيقية لا تزيد على 63 سنة؟
- ما شاهدته فى 5 يونيو 67 ثم حرب الاستنزاف التى أنهيناها بمعجزة أكتوبر 73 هو ما يجعل إحساسى بالزمن يتضاعف أنا وكل من شاركنى تلك الأيام، كما أن عمر الطيار المقاتل دائما ما يضرب فى 2.5 نتيجة للإجهاد والتعب الذى يراه فى عمله لذا يكون عمرى ليس 93 سنة ولكن 126 سنة.
■ تقول إنك خططت لتلك المعركة الجوية فى فبراير من عام 1973، حتى من قبل أن تعلم بها.. كيف ذلك؟
- لم أكن وحدى من يفعل ذلك، كلنا كنا هذا الرجل فى قيادة الطيران وكل قطاعات الجيش المصرى، وما حدث أنه منذ قبول مصر لمبادرة «روجرز»، كان لدينا نحو 17 ألف خبير روسى، كنا نستشعر رغبتهم فى تجميد الموقف على حاله، يمنحوننا سلاحا ولكن بشروطهم، يساعدوننا بالطريقة التى يرونها، وفقا لمبدأ «لا حرب ولا سلم». وكانوا يتعاملون معنا بمنطق أن الطيار السوفيتى هو فقط من يفهم فى الطائرات التى يوردونها لنا.
كان الجميع يتعامل معنا على أننا جسد ميت، ولذا كنا نحلم كل يوم باشتباكات حقيقية مع العدو تصحح ما حدث فى يونيو عام 1967 لأن طائراتنا ضربت على الأرض ولم نطر بها، كانت تدريباتنا اليومية عبارة عن سيناريوهات لمعاركنا المقبلة مع الطيران الإسرائيلى، كمن ينتظر الأخذ بثأره. ولذا كانت أى عملية نقوم بها تؤكد على معنى واحد، هو أننا نريد أن نذيق الجيش الإسرائيلى مرارة لحم المقاتل المصرى. كنا نخطط لكل شىء فى المعركة حتى نظرة العين التى سننظر بها لأى عسكرى إسرائيلى.
■ قدت معركة جوية بطائرتى ميج 21 مع 6 طائرات فانتوم إسرائيلية فوق خليج السويس فى 15 فبراير 1973، رغم الأوامر الصادرة بمنع الاحتكاك.. كيف كان هذا؟
- كنت أنا وزميلى الشهيد نقيب طيار حسن لطفى، مربوطين فى طائرتينا ال«ميج 21» فى صباح 15 فبراير كجزء من تدريباتنا اليومية التى تجعلنا دوماً كطيارين مقاتلين على أهبة الاستعداد، حيث إننا يجب أن نكون فى السماء خلال 3 دقائق من تلقينا أوامر الانطلاق. وشاهد مدير العمليات على شاشات الرادار اختراقا من 6 طائرات «فانتوم» إسرائيلية قادمة من منطقة «فايد» فى استعراض قوة واستطلاع بالقوة، كانوا يصورون الجيش الثانى والثالث.
فصدرت لنا الأوامر بالإقلاع لرد تلك الطائرات، فشعرت أنا وزميلى أننا فى قلب معركة حقيقية لا مجرد اشتباك أو تصدٍ وكنت قائد التشكيل، كانت خطط الطيارين الإسرائيليين تعتمد دائماً على فارق الإمكانيات بين طائراتهم المجهزة للطيران لمدة 3 ساعات ونصف وبين طائراتنا المعدة للطيران لمدة نصف ساعة حسب سعة خزان الوقود.
وكانوا يعتمدون على إدخالنا فى لعبة طويلة من المناورات حتى ينفذ الوقود، وقبل الانطلاق نظرت أنا وحسن لبعضنا نظرة ذات معنى واحد، أنه حان وقت إعطاء هؤلاء الطيارين الدرس بأننا لسنا لقمة سائغة، رغم فارق الإمكانيات بيننا، فطائرتانا «الميج» كانتا توفر لنا 4 صواريخ و30 دقيقة طيرانا و400 طلقة، بينما طائراتهم الست الفانتوم كانت تعنى 48 صاروخا وأكثر من 18 ساعة طيرانا و4000 طلقة و12 طيارا. كانوا متفوقين بكل معايير القوة، وكنا متفوقين بكل معانى الغل والاعتماد على تأييد المولى عز وجل.
وأذكر أننى أشرت لزميلى على رقبتى بعلامة الذبح، فى إشارة إلى حتمية القضاء عليهم، وطلبت منه أن تكون صواريخه فى حالة الاستعداد للانطلاق فى أى لحظة، وقلت له إن احتمالات عودتنا ضعيفة، ولكن يجب ألا نذهب سدى، يجب أن نأخذ منهم اثنين أو ثلاثة. انطلقنا وبدأ الرادار فى غرفة العمليات بمنحى حقيقة موقف العدو، 4 طائرات فوق مياه الخليج وخلفها طائرتان على ارتفاع 4 كيلو مترات.
فتوجهنا إليها مباشرة وبدأ الرادار يكرر ارتفاعاتهما وموقعهما وقال لى إننا لن نلحق بهم لأن المسافة بيننا وبينهم 150 كيلو مترا. فقلت إننا سنستخدم أقصى سرعة فى الطائرة، لنقطع المسافة فى أقل من 10 دقائق وهو ما يعنى استهلاك وقود أكثر. لنشتبك معهم فى أطول مدة اشتباك بلغت 13 دقيقة، وقررت إرباكهم من اللحظة الأولى وخطف واحد منهم بأسرع وقت.
فاشتبكنا مع طائرتين وكان يبدو على طياريهما الاستهانة بنا، حيث بدأوا فى مناورة لتضييع الوقت كالعادة، فبادرت بضرب أول صاروخ على قائد التشكيل فأصاب جناح الطائرة فسارعت بضرب الصاروخ الثانى فانفجرت الطائرة فى أقل من 30 ثانية.
وسقطت فى مياه الخليج بمن عليها، لتصاب بقية الطائرات بحالة من الهياج، وبدأوا فى ضرب الصواريخ علينا بطريقة عشوائية، ولكن الطائرة الميج ورغم قلة الإمكانيات تمتاز برشاقة الطيران عن الفانتوم، فظللنا فى مناورة لمدة 13 دقيقة فى سعى منهم لإسقاطنا فى البحر أو تفجيرنا ولكننا لم نعطهم الفرصة، وفاجأونا بالانسحاب فى اتجاه سيناء وكنا طائرين فوق البحر، فقررنا العودة خوفاً من وجود كمين كما أن ما تبقى معنا من وقود لم يعد يكفى حتى للعودة إلى القاعدة.
كان فى كل طائرة نحو 300 لتر وقود وهو ما يعنى دقيقتى طيران. فأخبرته بضرورة الهبوط على الطريق العادى وهو ما حدث.
■ هل من الممكن لطائرة الهبوط فى غير ممرها المعتاد؟
- ممنوع أن تنزل الطائرة على طريق غير مجراها فى المطار أو القاعدة الحربية، وكانت الأوامر أنه لو نفد الوقود منا فعلى الطيار أن يقفز من الطائرة بالبراشوت وتركها، ولكن كانت لى سابقة فى الهبوط بطائرتى ال«ميج» فى الفيوم عام 1968 على طريق عادى دون أن يحدث للطائرة أى شىء حتى أن اللواء مدكور أبوالعز قائد القوات الجوية وقتها كرمنى ومنحنى درعا ذكر فيه أننى تفانيت فى الحفاظ على طائرتى وكانت سابقة وقتها، فأنا كطيار كنت أعلم كم يكلفنا الحصول على طائرة، ولذا لم أكن على استعداد لفقد طائرتى أو القفز منها وتركها تنفجر. وأشرت لحسن زميلى أن يتبعنى ويفعل مثلى على أن يطير على مسافة أعلى منى للهبوط على طريق الزعفرانة.
■ ولكن طائرته انفجرت فوق سطح البحر الأحمر كما ذكرت الصحف وقتها؟
■ ما حدث أننا بدأنا فى الهبوط كطيران شراعى لأن المحركات توقفت بعد نفاد الوقود. وبالفعل لمست الطريق على بعد 100 متر من رمال منطقة فنار الزعفرانة على الطريق الذى لم يكن ممهدا وفوجئت بسيارة نقل فى مواجهتى قفز منها سائقها ومن معه، فانحرفت بالطائرة لليمين لتتوقف الطائرة على الرمال. بينما تعجل حسن زميلى الهبوط ونزل على سطح البحر قبل الساحل بنحو 100 متر ونتيجة اصطدامه بالشعاب المرجانية انفجرت به الطائرة.
■ وماذا حدث لك بعد هبوطك بالطائرة؟
- قبل مغادرتى الطائرة أخذت التسجيل الصوتى للمعركة معى فى جيبى، واحتفظت به حتى أصل لمقر القيادة. وعندما هبطت على الأرض فوجئت ببعض الجنود البسطاء يلتفون حولى، ودون أن يعرفوا هويتى ضربونى على ظهرى طبقاً للأوامر الصادرة وقتها لجنود الجيش المصرى بضرب أى شىء أو أى شخص يهبط لهم من السماء، خوفاً من أن يكونوا إسرائيليين، ولم يصدقوا أننى طيار مصرى لأن ملامحى كانت غربية، ولولا مجىء ضابط كان من بين دفعتى لمت بين أيديهم.
حتى أننى نظرت للسماء وقتها، وقلت يا رب هل أفلت من صواريخ طائرات «الفانتوم» الإسرائيلية ومن انفجار طائرتى لأقتل على يد جنود مصريين؟! المهم نقلونى للمستشفى للعلاج، ووقتها أمر الرئيس محمد حسنى مبارك، الذى كان يشغل منصب قائد القوات الجوية، بتغطية الطائرة بالشباك لحين سحبها من موقعها خوفاً عليها من الطيران الإسرائيلى، الذى سجلت غرف المراقبة عودته للبحث عن جثث الطيارين الإسرائيليين والطائرة التى اشتبكت معهم، ولكنهم لم يعثروا على شىء.
■ رغم إصابتك فى هذه المعركة طرت مرة أخرى فى معارك أكتوبر، كيف كان هذا؟
- وجد الأطباء أننى أصبت فى الفقرات القطنية من العمود الفقرى بنسبة عجز 30% مكثت فى المستشفى للعلاج 3 أشهر، وقتها دعوت الله وطلبت منه ألا يتركنى كسيحاً، لأننى أريد مواصلة الحرب. وبإرادة الله عدت للطيران فى شهر مايو، ليكون شرف مشاركتى فى حرب أكتوبر 73. كنت دائماً ما أنظر للسماء وأكلم الله وأقول له: «أنا ملقح نفسى عليك» أموت أو أعيش لا يهم، المهم أن تستعيد مصر كرامتها. قد يظن البعض أن كلماتى مجرد شعارات، ولكنها حقيقة كنا نعيشها جميعاً. أذكر أننا كنا نكتب على صواريخ الطائرة والقنابل، قبل وضعها كلمات «باسم الله الشافى المعافى» حتى تصيب الهدف الذى طرنا من أجله.
■ يقولون عنك فى القوات الجوية وحتى يومنا هذا إنك كنت طياراً بلا قلب؟
- كان يجب أن أكون بلا قلب، لأننى كنت أردد لهم دوماً بأننى سأقتل العدو، ولن أسمح لهم بقتلى لأن مصر تحتاجنى، وأعلم مدى ندرة الطيارين المقاتلين، فكيف أموت وأترك بلدى.
■ وماذا عن شعورك بعد إعلان حالة الاستعداد للحرب فى أكتوبر 1973؟
- قبل الحرب بعشرة أيام بدأت القيادة فى القوات الجوية المرور علينا فى قواعدنا الجوية، كنت فى قاعدة بنى سويف، وسمعت القائد محمد حسنى مبارك وهو يؤكد لنا أننا فى أقصى حالات الاستعداد، وأننا بتنا فى مواجهة متحفزة مع العدو، ولكن لم يقل لنا أى شىء عن الحرب، وقبل ساعة الصفر بنحو ساعة يوم السادس من أكتوبر جاء قائد القاعدة وجلس معنا ونحن نأكل رغم رغبتنا فى الصيام وقتها، وهو أمر مستحيل بالنسبة للطيار المقاتل خوفاً من حدوث هبوط فى نسبة السكر.
ثم جمعنا فى دشم تحت الأرض، وكنا سربين بكل سرب نحو 25 طائرة، وقال لنا إن لحظة الأخذ بالثأر قد حانت، وإنه يجب علينا أن نكون مستعدين للانطلاق بطائراتنا منذ الساعة الثانية إلا الربع، ومن دون إثارة أى ضوضاء، حتى الدشم صدرت لنا الأوامر بفتحها بأيدينا من دون ماكينات حتى لا نلفت الأنظار، كنا ننظر لبعضنا دون أن نعلم من سيذهب ولن يعود ومن سيعود، وكان كل واحد منا قد كتب وصيته لأهله ورسالة وداع وتركها فى القيادة. كانت العيون مليئة بالكلمات، ولكن لا أحد يجرؤ على التحدث.
كنا نمتلئ بمشاعر الغل التى ضاعفت قوتنا. ولذا أتعجب ممن يقول إن الحرب كان متفقاً عليها بين مصر وأمريكا، كيف وأول شهيد طيار كان عاطف السادات شقيق الرئيس محمد أنور السادات. ولا يعنينى من يقول إنها كانت حرب تحرير أو حرب تحريك، ما يعنينى أننا انتقمنا وأعدنا الأرض.
■ الكثيرون يسمعون عن الضربة الجوية التى فتحت باب النصر فى أكتوبر ولكنهم لا يعرفون ما حدث؟
- فى اللحظة الحاسمة انطلقت 220 طائرة كان جزء منها مهمته إلقاء القاذفات وهى الطائرات «السوخوى»، وطائرات أخرى من بينها طائرتى مهمتها حماية الطائرات القاذفة لحين بلوغها الهدف وتدميره ثم العودة مرة أخرى، كان الوقت المحدد لنا هو 20 دقيقة لتنفيذ المهمة.
 مشكلة الطائرة «السوخوى» أنها كانت بطيئة فى الجو لأنها محملة بنحو 5 أطنان متفجرات، ولكننا كنا نعلم طريقنا ولم تعترضنا طائرات العدو الذى ضربنا له أجهزة الإرسال والاتصال فى شمال ووسط وجنوب سيناء، ودمرنا الأهداف المحددة لنا، وفى اثنتين وعشرين دقيقة كنا قد عدنا لتبدأ بعدها شبكة الصواريخ فى الضرب، وتدمير أى طائرة غير مصرية فى حال اختراقها المجال الجوى المصرى.
■ تقول إنك كنت آخر من هبط من السماء يوم 24 أكتوبر عام 1973، رغم سريان قرار وقف إطلاق النار منذ يوم 22 أكتوبر.. كيف ذلك؟
- الإسرائيليون لا يحترمون عهودهم، ورغم قبولهم قرار وقف إطلاق النار فإنهم حاولوا بعد التزام مصر به الحصول على أى مكاسب جديدة، ولكننا لم نسمح لهم بذلك فكنا نتصدى لهم، كانوا يضغطون بشدة لدخول السويس عبر الدفرسوار وكانوا قد حصلوا على سلاح جديد من أمريكا ومن جنوب أفريقيا، فكنا نطير لحماية الهجوم الشرس على الجيش الثالث وبقايا الجيش الثانى غرب القنال، وكنا نحلق فى السماء فى طلعات انتحارية لمواجهة أى عدد من الطائرات بهدف حماية قواتنا،
وفى يوم 24 أكتوبر، صدرت لنا الأوامر بالطيران لتخفيف الضغط على القوات الموجودة فى جبل عويبد، وطريق الدفرسوار، كنا أربع طائرات، وكان هناك نحو 20 طائرة ميراج إسرائيلية، دخلنا وسط هذا العدد وكان معى زميلى الشهيد سليمان فيض الله، يومها أسقطنا 7 طائرات إسرائيلية،
وأذكر أننى شاهدت طائرة سليمان وقد أصاب جناحها صاروخ أشعل النار فى جزء منها فطلبت منه أن يقفز قبل أن تنفجر به فى غضون 30 ثانية، ولكنه قال لى إن فى مرماه طائرة إسرائيلية، وقال لى عبر اللاسلكى فى صوت لا أنساه: «وحياة أمى ما حاسيبه»، ثم أطلق عليه صاروخا ففجرها، ثم قفز من الطائرة التى انفجرت بعدها بثوان قليلة، ولكنهم أطلقوا عليه النار رغم أن ذلك ممنوع، وبعد الهبوط وجدته وقد مزقت ساقه وخرجت أحشاؤه، كان لايزال على قيد الحياة، فلقنته الشهادة ومات بين يدى، كان سليمان قد تزوج يوم 1 أكتوبر قبل الحرب بخمسة أيام، قضى يوما واحدا مع عروسه وعاد، حتى إنه لم يعلم بحمل زوجته فيما بعد ولم ير ابنه ولكنه كان رجلاً.
■ بعد كل هذه السنوات لماذا أوصيت بدفن متعلقاتك معك؟
- أريد أن أذهب لله الذى لم يقدر لى الشهادة رغم انتظارى لها، بثروتى الحقيقية فى الحياة، فأنا وزملائى حاربنا لوجه الله ولوجه مصر.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.