كشف جونج جون يون - سفير كوريا الجنوبية لدى مصر - عن عناصر الوصفة السرية التى حققت لبلاده معجزتها الاقتصادية، والدروس التى يمكن أن تستفيد منها مصر من هذه التجربة لتحقيق التقدم والدخول إلى مصاف الدول العظمى اقتصاديًا مع الاحتفاظ بالهوية المصرية كاملة دون انتقاص. وابتعد سفير كوريا الجنوبية عن الخوض فى تفاصيل تجارب التحول الديمقراطى، مؤكدًا أن مصر مؤهلة بقوة وإرادة شعبها والإمكانات التى حبا الله بها أبناءها وكوادرها وموقعها الجغرافى ورصيدها التاريخى والثقافى لأن تحقق معجزة اقتصادية مماثلة للمعجزة الكورية، وقال السفير جونج جون يون إن هناك خمسة دروس أساسية كانت وراء المعجزة الكورية أولها التعليم، مشيرًا إلى أن بلاده تمكنت بفضل تكامل هذه العناصر الخمس من تحقيق معجزة بجميع المقاييس خلال أقل من خمسين عامًا قفز خلالها متوسط دخل الفرد من 80 دولارًا فقط سنويًا عام 1962 ليصل إلى 21 ألف دولار العام الماضى، ودخلت ضمن مجموعة الدول العشرين الاقتصادية الكبرى واحتلت المرتبة الحادية عشرة بين أكبر اقتصاديات العالم والمركز السابع عالميًا من حيث حجم التجارة، حيث بلغ حجم تجارة كوريا الجنوبية مع العالم نحو تريليون دولار العام الماضى. وفيما يخص التعليم، أشار السفير جونج جون يون إلى أن الأسر الكورية تولى أهمية قصوى للتعليم وتنفق عليه نسبة كبيرة من دخلها، وهو ما يجعل الحكومة تفعل الشىء نفسه فأصبح التعليم هو البند الأكبر من حيث التمويل فى بنود الموازنة، موضحًا أن حكومة كوريا الجنوبية تستثمر مبالغ هائلة في التعليم ليس فقط الابتدائى ولكن الثانوى والجامعى أيضًا، ولفت إلى أن كوريا الجنوبية تحتل حاليًا المرتبة الأولى عالميًا من حيث طلاب المدارس الذين يلتحقون بالجامعات حيث تلتحق نسبة تناهز 66% من طلاب المدارس بالجامعة. وقال إن التعليم فى كوريا هو المعيار الوحيد الذى يمكن من خلاله أن ينتقل الفرد من الطبقة الدنيا إلى الطبقة المتوسطة أو العليا، حيث لا توجد أى فروق اجتماعية فى كوريا إلا من خلال التعليم. وحول الضغوط التى يفرضها الوضع الاقتصادى المصرى على الإنفاق على التعليم، قال السفير جونج جون يون، إن بلاده لا مجال فيها لأى أولوية أخرى قبل التعليم، مضيفًا "لا يهم إذا ما كان الشخص فقيرًا أو غنيًا فلابد أن يعلم أبناءه، ولابد للحكومة أن تستثمر فى ذلك المجال، لأن ضعف تعليم الأطفال سيجعل حالة المواطن تتدهور من أسوأ إلى أسوأ فالتعليم هو المعيار الوحيد للترقى فى المجتمع"، وأضاف أن العنصر الثانى وراء المعجزة الكورية الجنوبية، هو حتمية الانفتاح على الاقتصاد العالمى وعدم الانكفاء على الذات، موضحًا أن الدول وهى فى مفترق الطرق يكون أمامها خياران، إما الانكفاء على الذات والسعى فقط لتحقيق الاكتفاء الذاتى، أو الانفتاح اقتصاديًا على العالم، وقال إن كوريا الجنوبية تبنت نهج الانفتاح الاقتصادى على العالم لأن التركيز على الاكتفاء الذاتى سيجعل "الكعكة" التى يقتسمها المواطنون فى المجتمع كعكة صغيرة لكن الانفتاح يضخم من حجم هذه الكعكة فيمكن تقاسمها بين أعداد أكبر من المواطنين، مؤكدًا أن نصيحتنا لمصر هى عدم التردد والهروب من الاقتصاد العالمى وخوض التحدي. وأشار إلى أن العنصر الثالث وراء نجاح تجربة بلاده هو تبنى استراتيجيات اقتصادية تتسم بالذكاء، موضحًا أن كوريا الجنوبية لم تتجه للتصنيع بشكل عشوائى بل ركزت فى السبعينيات على تدشين صناعات خفيفة كالملابس والأحذية بدأت على إثرها الدخول للاقتصاد العالمى، ثم تحولت فى السبعينيات والثمانينيات إلى الصناعات الثقيلة وفى الثمانينيات والتسعينيات دخلت صناعات تصنيع السفن والإلكترونيات والسيارات وتكنولوجيا المعلومات، وأضاف السفير جونج جون يون أن العنصر الرابع هو الربط بين البحوث العلمية والتكنولوجيا والتنمية واستثمار الحكومة فى هذا المجال ما جعل كوريا الدولة الثانية على العالم من حيث الاستثمار فى مجال البحث العلمى بنسبة تناهز 5% من الميزانية.. وقال "إننا نؤمن بضرورة الوصول إلى التكنولوجيا قبل استخدامها"، وأوضح أن العنصر الخامس وراء المعجزة الكورية هو العدالة الاجتماعية والتوزيع العادل للدخل للحفاظ على الحد الأدنى للاستقرار الاجتماعى، من خلال أمور أهمها توفير الرعاية الصحية للجميع ومكافحة البطالة وسياسات الأمان الاجتماعى التى لم تعد نسبتها تتجاوز 5ر3%، وبالتالى أصبحت كوريا الجنوبية من أفضل دول العالم من حيث توزيع الدخل، وشدد سفير كوريا الجنوبية لدى مصر على أن هذه السياسات الاجتماعية مهمة للغاية حتى يشعر المواطنون بالمساواة. وحول تجربة كوريا الجنوبية فى تعزيز مناعتها الوطنية والحفاظ على هويتها الثقافية فى ظل الغزو الثقافى الغربى، قال السفير جون يونج يون إن بلاده تطبق خططًا متكاملة فى هذا المجال أهمها الاهتمام فى المدارس والجامعات بالتوعية بالتاريخ واللغة الوطنية وتخصيص نسب كبيرة من الحصص المدرسية لهذا الغرض، وكذلك دور وزارة الثقافة لترسيخ العادات والإرث التاريخى داخليًا وخارجيًا، وأضاف أن الحكومة تتبنى سياسات ثقافية إبداعية بحيث لا تركز فقط على العناصر التقليدية ولكن أيضًا الميراث الثقافى غير المرئى، وقال "هذا غير المرئى هو المواطنون الكوريون.. فالمواطنون الكوريون هم أنفسهم ميراث ثقافى يجب الحفاظ عليه من خلال رعاية أصحاب الحرف والمهن والفنون التقليدية بما فى ذلك الموسيقى والرقص والرياضة.. فالحكومة تدعم هؤلاء الأشخاص ليس فقط ماديًا ولكن أيضا معنويًا ويتم منحهم تكريمًا ومكانة اجتماعية خاصة"، وقال "إننا ندرك أن تركيزنا فقط على ثقافتنا القديمة سيجعل الناس يلفظونها فى ظل الغزو الثقافى الغربى كأفلام هوليود.. ولذلك فإن كوريا تقوم بإنتاج ثقافتها الجديدة وتمزجها بإرثها القديم.. ويتم إنتاج دراما كورية وموسيقى جديدة "كى بوب" التى انتشرت فى العالم". وأضاف "نحن نمزج حضارتنا وثقافتنا القديمة بالحديثة فى منتج ثقافى حضارى جديد.. ينتشر عالميًا ويرسخ هويتنا الثقافية.. ونصيحتنا لمصر أن تخلق ثقافتها الجديدة ولا تكتفى فقط بالحفاظ على ثقافتها القديمة دون تطوير وإنما تبتكر منتجًا ثقافيًا متميزًا ووطنيًا.. لأن مزج هذه الثقافة بثقافة وطنية جديدة فى منتج ثقافى جديد هو الكفيل بمقاومة الغزو الثقافى الأجنبى الشرس"، وقال "إن هذا هو مفهوم كوريا الجنوبية "للقوة الناعمة" فهى تؤمن بأنه لا يكفى إنتاجها الهواتف المحمولة والسيارات وغيرها، بل يجب أن تحافظ على هويتها الثقافية وترسيخ قوتها الناعمة التى امتدت وصولاً إلى نشر الأكلات الشعبية الكورية فى أرجاء العالم"، وأكد أنه من المهم لمصر العمل على الترويج لقوتها الناعمة، مشيرًا إلى أن مصر لديها ميزة نسبية هى أنها ليست بحاجة للترويج من نقطة الصفر لأن العالم يعرف جيدًا حضارتها وثقافتها. ووصف السفير جون يونج يون ثورة 25 يناير بأنها من أهم لحظات التاريخ الإنسانى لأن تأثيرها لا يمتد فقط للمستويين العربى والشرق أوسطى بل يمتد لربوع العالم ويرقى إلى مستوى اللحظات الأهم التى سوف يسجلها التاريخ الإنسانى، وأكد حرصه على البقاء في مصر خلال أيام الثورة ليشاهد بنفسه ما يجرى من تغير، مشيرًا إلى أن الثورة المصرية نجحت رغم الشكوى من ناحية الأمن والاقتصاد، وقال "هذا أمر طبيعى لأن الثورات دائمًا ما تصاحبها تضحيات"، وقال "نصيحتى للمصريين هى التحلى بالصبر فالثورة تستغرق بعض الوقت لتحقيق أهدافها ولا يمكن إحداث التحول بين يوم وليلة، وأثق فى أن المصريين سيحافظون على ثورتهم التى أبهرت العالم فهم من صنعوها ويجب أن يحافظوا عليها كما حافظوا على أهراماتهم"، وأضاف "بعد إجراء الانتخابات البرلمانية ووضع دستور جديد ثم إجراء الانتخابات الرئاسية سيتم العام المقبل تشكيل حكومة جديدة، وسوف يشعر شعب مصر بالأمن والثقة بشكل أكبر وستتجه الكثير من دول العالم لمزيد من التعاون مع مصر، فهم يشهدون قصة مصرية ناجحة مع الديمقراطية، وكذلك القطاع الخاص سيشهد مزيدًا من الاستثمار الأجنبى الذى سيتجه لمصر بشكل أكبر تجاريًا واستثماريًا"، وأشار الى أن مصر لديها ميزة مهمة تتمثل فى أنه مع كثرة عدد سكانها مقارنة بدول المنطقة فإن نسبة كبيرة من موطنيها شباب بعكس الدول المتقدمة مثل كوريا، مشددًا على أنه متفائل لمستقبل مصر، خاصة إذا كان هناك تعليم قوى وحكم ديمقراطى رشيد لأن مصر ستعمل حينها بكل طاقتها اقتصاديًا ودبلوماسيًا وثقافيًا. وحول مستقبل التعاون الكورى مع مصر بعد الثورة، قال السفير كون يونج جون إن بلاده تعتبر مصر دولة رئيسية استراتيجية مهمة فى الشرق الأوسط وأفريقيا من جميع النواحى، بل وكذلك من حيث الفرص الاقتصادية، مضيفًا أن سول تضع مصر ضمن سياستها التجارية والدبلوماسية شريكًا دبلوماسيًا وتجاريًا على حد سواء، وقال "إن أكثر من 40 شركة كورية عملاقة تتواجد فى مصر حاليًا ولم تغادرها أو تقلص أنشطتها بعد الثورة، بل إن بعضها يقوم بدراسة توسيع أنشطته لكن سيول وهى تدرك متطلبات المرحلة الانتقالية فى مصر تنتظر فى الوقت نفسه إشارات أكثر إيجابية نحو الاستثمار الأجنبى خاصة فى مجال سياسة الأراضى والتأشيرات سيتم فى ضوئها اتخاذ قرارات استثمارية مهمة"، معربًا عن تفاؤله بالمستقبل فى علاقات البلدين وتذليل هذه الأمور، وأضاف أن كوريا الجنوبية تبذل جهدًا كبيرًا لتعزيز التعاون مع مصر فى مجال التدريب وتدعو المئات من الكوادر المصرية للتدريب فى كوريا كما تنظم دورات تدريبية مكثفة فى مصر، مشيرًا إلى اعتزام بلاده تعزيز تعاونها الإعلامى مع مصر فى المرحلة المقبلة، مؤكدًا حرص كوريا الجنوبية على التواجد إعلاميًا فى مصر من خلال العديد من المراسلين الصحفيين ومراسلى شبكات التليفزيون الحكومية والخاصة، وقال إن الفترة المقبلة ستشهد مزيدًا من الزيارات المتبادلة بين كبار مسؤولى البلدين من بينها زيارة مرتقبة للسيدة فايزة أبو النجا - وزيرة التعاون الدولى - لسول في شهر نوفمبر المقبل، وكذلك زيارات لوزراء الكهرباء والطاقة طاقة والزراعة لمناقشة مشروعات التعاون المشترك، وأشار إلى أن سول ستستضيف العام المقبل القمة الثانية للأمان النووى وهى قمة بالغة الأهمية ستعقد بمشاركة 45 دولة من أكبر وأهم دول العالم على مستوى رؤساء الجمهورية ورؤساء الحكومات، وقال إن بلاده تأمل أن تعقد هذه القمة بمشاركة رئيس مصر القادم بعد إجراء الانتخابات الرئاسية المرتقبة فى مصر.