شركة VRE Developments تطلق "Town Center 2" بمدينة الشروق باستثمارات ضخمة وتقدم نموذجًا جديدًا للمشروعات القائمة على التشغيل الفعلي    الأسهم الأمريكية تنهي تعاملات اليوم بمكاسب طفيفة في ظل تزايد الغموض بشأن مهلة ترامب لإيران    أعضاء ديمقراطيون بالكونجرس يدعون إلى عزل ترامب بسبب تهديداته لإيران    ضربات تمتد ل إسرائيل ودول عربية.. الحرس الثوري يعلن تفاصيل الموجة 99 من الوعد الصادق 4    دياب: مكافأة التتويج بالدوري ستكون ضخمة خلال الموسم المقبل    عادل ميسي.. نوير يحقق رقما قياسيا ويفوز بجائزة رجل المباراة أمام ريال مدريد    النحاس يقود أول مران له مع المصري ويطالب باستعادة الانتصارات    اسكواش - مصطفى عسل وهانيا الحمامي إلى نصف نهائي بطولة الجونة المفتوحة    كان خارج من عزاء أخته.. السجن 15 عامًا لمتهمين اثنين و3 سنوات لثالث قتلوا مسنا في المنوفية    بعد تداول فيديو بمواقع التواصل الاجتماعي .. القبض على شخص ربط نجله وهدد زوجته بالتعدي عليه في سوهاج    نرمين الفقي تفجّر مفاجأة عن سر شبابها الدائم: لا فيلر ولا بوتوكس    المستكاوي: فهمي عمر كان له فضل كبير في اختيار اسم شهرتي    قائمة منتخب مصر لبطولة كأس العالم للخماسي الحديث 2026    توصيل 1415 وصلة مياه شرب ب5.6 مليون جنيه للأسر الأولى فى الرعاية بسوهاج    استجابة لتوجهات الدولة.. رئيس القومى للبحوث يُصدر ضوابط حاسمة لترشيد الإنفاق    الأرصاد تعلن أماكن سقوط الأمطار غدا الأربعاء    الدفاع السعودية: اعتراض وتدمير 5 صواريخ باليستية أُطلقت باتجاه المنطقة الشرقية    مفتي الجمهورية: اقتحام الأقصى انتهاك لحرمة المقدسات الإسلامية واستفزاز للمشاعر    إصابة 4 أشخاص في تصادم 3 سيارات أعلى دائري الهرم    السجن 10 سنوات.. سقوط تاجر الهيروين في شبرا الخيمة    حمادة هلال يعتذر ل تامر حسني: «شيطان دخل بينا»    نشأت الديهي: تصريحات ترامب تثير قلقًا عالميًا وسط تصاعد التوتر مع إيران    جمال شعبان يوجه تحذيرا للمواطنين في شم النسيم    ضبط لحوم منتهية الصلاحية في حملات تموينية بالإسكندرية    محافظ الإسماعيلية يكرم الأمهات المثاليات لعام 2026    الأهلي يكشف عن تفاصيل إصابة بلال عطية    أبرزها وضع إطار وطني للحوكمة النووية، توصيات هامة ل مؤتمر "علوم" الأزهر    وزيرة الثقافة تبحث مع المخرجين يسري نصر الله ومجدي أحمد علي مشروع أرشيف السينما    تخفيف حكم مخدرات في المنيا من 10 سنوات إلى 3 سنوات بقرار قضائي    بابا الفاتيكان: التهديدات الموجهة للشعب الإيراني «غير مقبولة»    تعرف على تفاصيل حجز تذاكر مباريات مصر في كأس العالم 2026    وزيرة التضامن توفر شقة لوالد ندى المفقودة لمدة 12 عاما    توافد أهالى البحيرة على عزاء والد السيناريست محمود حمدان.. فيديو    9 رافعات عملاقة لدعم ميناء سفاجا    وزير الصحة يبحث مع شركة سانوفي تعزيز التعاون في توطين صناعة اللقاحات ودعم الأمن الصحي    رئيس«صحة القاهرة» يعقد اجتماعآ لمديري المستشفيات لمتابعة جودة الخدمات    متحدث البترول يكشف تفاصيل الاكتشافات الجديدة بخليج السويس والمتوسط    مدبولي: تسريع تنفيذ "حياة كريمة" رغم التحديات.. والانتهاء من آلاف المشروعات لخدمة قرى الريف المصري    التحالف الوطنى فى اليوم العالمى للصحة: الحق فى الصحة أحد ركائز التنمية المستدامة    إنقاذ رضيع ابتلع 6 قطع مغناطيس دون جراحة بمستشفى الأطفال بالمنصورة    مصر تتحرك لمواجهة الفقر المائي، سويلم يكشف محاور الجيل الثاني لإدارة منظومة المياه 2.0، والإحصاءات تكشف أرقاما صادمة عن نصيب الفرد    مصر والعرب.. دعوة إلى العقل والحكمة !    رحيل زينب السجيني.. رائدة الفن التشكيلي التي وثّقت الأمومة والإنسان في لوحاتها    «الأزهر» يواصل رسالته في إعداد الكفاءات العلمية    استجابة ل الأهالي، تحرك عاجل لإزالة القمامة واحتواء أزمة الصرف في ميت غزال بالغربية    نظافة المدارس وانتظام حضور الطلاب.. توجيهات جديدة لمدارس الجيزة    وفد "التنسيقية" يشارك بمناقشات إعداد قانون ضوابط استخدام الأطفال لتطبيقات التواصل الاجتماعي    وزير خارجية الأردن يبحث مع بولندا وفنلندا تداعيات التصعيد الإقليمي    اقتصادي: حرب إيران أكبر خطأ استراتيجي في القرن الحادي والعشرين    البيت الأبيض ينفي دراسة توجيه ضربات نووية لإيران    خالد الجندي يحذر: التنكر للزوجة ونسيان العشرة سبب رئيسي لتفكك الأسرة    أمين البحوث الإسلامية يحذر: العلم الذي يزيد المرء كبرًا وبال على صاحبه    وفاة والد المؤلف محمود حمدان.. وهذا هو موعد ومكان العزاء    رئيس الوزراء يتابع جهود منظومة الشكاوى الحكومية خلال مارس الماضي.. أولوية قصوى للتعامل العاجل والفعال مع شكاوى واستغاثات وطلبات المواطنين المرتبطة بقطاع الصحة    الأكاديمية العربية تحصد المركز الأول على مستوى الجامعات المصرية في تصنيف سيماجو 2026    أيقونة العفة وسيدة نساء العالمين، ملتقى المرأة بالجامع الأزهر يستعرض سيرة السيدة "مريم"    دمياط تحتضن التصفيات الأولية للنسخة ال33 من المسابقة العالمية للقرآن الكريم    بث مباشر مباراة ريال مدريد وبايرن ميونخ اليوم في دوري أبطال أوروبا.. متابعة لحظية دون تقطيع    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



الاضطرابات الجسمية النفسية.
نشر في البداية الجديدة يوم 14 - 11 - 2012


الدكتور كمال المويل
إنّ مصطلح الاضطرابات الجسمية النفسية (psycosomatic disorders) يستعمل لوصف مجموعة من الأمراض التي يكون فيها العامل النفسي من أهم الأسباب المؤهبة لحدوث هذه الأمراض وإظهار أعراضها، فهي أمراض عضوية والعوامل النفسية تظهرها أو تزيد في شدتها أو تؤدي لحدوث نُوَب شديدة منها أو تطيل من فترة بقائها، ويستعمل مصطلح الاضطرابات الجسمية النفسية لمعرفة أثر العوامل النفسية والاجتماعية على المريض بشكل عام إضافة إلى تأثير العامل الفسيولوجي عليه، وقد كان بافلوف أول من تكلم عن علاقة الأمراض العضوية بالاضطرابات النفسية، وكان فرويد ومدرسته أول من استعمل مصطلح السايكوسوماتيك (psycosomatic)، حيث الاضطراب النفسي يُظهر المرض العضوي ولا يسببه.
وفي الكلام عن العوامل المؤهبة للاضطرابات النفسية العضوية نقول: إنّ نمط الشخصية له دور أساسي في حصول مرض بعينه دون آخر فالشخصية التي تتصف بالدلال قد تصاب بالربو القصبي والشخصية التي تتصف بالكمال قد تصاب بالقرحة الهضمية، وكذلك يوجد أعضاء مستهدفة وهي عادة الحلقة الضعيفة في سلسلة حلقات الأجهزة البشرية، ولكل من الوراثة أو الجهاز الغدي أو الجهاز المناعي دورها في حصول مرض بعينه دون مرض آخر.
وفيما يلي نستعرض أهم الاضطرابات الجسمية النفسية:
أولا: الربو القصبي:
يتصف مرض الربو بحصول هجمات متكررة من عسرة التنفس وصعوبة الزفير وتترافق هذه الهجمات بالوزيز وتطاول زمن الزفير ويتخلل هذه الهجمات فترات من الراحة، وإنّ الآلية الرئيسية لهذه الهجمات هي تضيق لمعة القصبات الصغيرة الناجمة إما عن تشنج عضلات القصبات الدائرية أو عن الوذمة الحادثة في الغشاء المخاطي القصبي، وقد يشاهد إضافة إلى ما ذكر تشنج عضلات الحنجرة وعضلات جدار الصدر وهذا يزيد في عسرة التنفس.
والدراسات التي أجريت على عينات عشوائية لمرضى الربو في مختلف الأعمار أظهرت عدد من العوامل المؤثرة في حدوث الربو وهي: (1) الالتهاب: خاصة التهاب المجاري التنفسية العلوية. (2) الأليرجيا أو التحسس: وخاصة من غبار المنزل أو غبار الطلع أو الحقن الدوائية أو العطور أو الدخان أو الزيت المقلي أو الأطعمة. (3) العوامل النفسية: حيث يعتبر التوتر الانفعالي من أهم العوامل المسببة لحدوث الربو، وللتوتر الانفعالي أشكال مختلفة كالقلق، والسخط، والذل، والأسى، والضحك، والسرور، وحتى الابتهاج لتوقع حدوث شيء ما قد يكون له دور في حصول الأزمة الربوية.
وهناك تجارب أجريت على مرضى الربو للتحري عن العوامل المحسسة وذلك بإعطائهم إرذاذات معينة ثم دراسة الارتكاسات بواسطة مقياس التنفس وقد ظهر أنّ الارتكاس تجاه كميات معينة من المحسسات تكون أشد بكثير إذا كان المريض بحالة توتر مما لو كان بحالة الراحة والاسترخاء. وهذا التبادل في التأثير بين الانفعال والتحسس قد تمت ملاحظته منذ فترة طويلة من قبل شخص فرنسي يدعى تروسو والذي كان مصابا بالربو، ففي أحد الأيام قبض على مدربه وهو يسرق الشوفان من إسطبله فأراد أن يوبخه وهو في حالة من الاستياء والغضب ولكنه لم يتمكن من ذلك لأنه تعرض لنوبة ربوية حادة، وعندما وصف حالته فيما بعد قال بأنّ هناك ارتباط واضح بين غضبه والأغبرة التي كانت في الاسطبل وبين حدوث نوبة الربو الحادة، وقد علل ذلك بأنه قد تعرض مسبقا لكميات مماثلة من الأغبرة ولم يُصب بهجة ربوية حادة. وكذلك هناك ارتباط واضح بين الانفعال وتطور الالتهاب، فقد أظهرت التجارب أنّ التوتر الانفعالي يمكن أن يسبب انتباج وفرط إفراز وتهيج في مخاطية القصبات وهذه الأشياء جميعها يمكن أن تسبب الالتهاب، وفي بعض الأحيان تتطور هجمة الربو عند بعض المرضى نتيجة تراكب تأثيري الانفعال النفسي والالتهاب معا، فقد حدث مرة لمريضة في العاشرة من عمرها تعاني من هجمات متكررة من التهاب القصبات ولكن دون وجود هجمات ربوية، أن دخل لص إلى المنزل فشعرت بالخوف والرعب وكانت آنذاك مصابة بالتهاب قصبات فأثار ذلك عندها نوبة ربوية حادة. وهكذا فإنّ التحسس والالتهاب والانفعال عوامل تتضافر معا لتسبب حلقة مفرغة من التأثيرات والتي ينتج عنها استمرار المرض وتطوره.
وللإيحاء كعامل نفسي دور كبير في إثارة نُوَب الربو حتى في حال غياب العوامل المحسسة نفسها، مثال ذلك إذا زار أحد المتحسسين لغبار الطلع معرضا فنيا فيه صور لحقول القمح فقد يتعرض لهجمة حادة من الربو أو حمى العلف، وأما الذي يتحسس للغبار فقد يصاب بأحد الهجمات الحادة لمجرد أن يرى صورة لرعاة البقر وهم يفرُّون مثيرين وراءهم كمية كبيرة من الغبار، بينما الذي يتحسس للأزهار فقد يتعرض لهجمة ربوية حادة بعد رؤية الأزهار مباشرة حتى لو كانت هذه الأزهار اصطناعية.
كما للإيحاء كعامل نفسي دور هام في تهدئة وإزالة نوبة الربو الحادة، فقد ذكر أحد الأطباء المصابين بالربو أنه ذهب مرة إلى أحد الفنادق النائية في الريف لقضاء عطلة الأسبوع، واستيقظ في منتصف الليل إثر تعرضه لهجة ربو حادة، فأخذ يتلمس طريقه في الظلام بحثا عن مفتاح الإضاءة دون أن يجده، فمسك حذاءه وقد تملكه اليأس وتلمس النافذة وحطم زجاجها ثم بدأ يتنفس بعمق حتى انتهت النوبة، ثم أمضى بقية الليل بسلام، ولكن عندما استيقظ في الصباح أصيب بالدهشة عندما وجد أنه حطم زجاج المرآة بدلا من زجاج النافذة.
ثانيا: التهاب الأنف الوعائي الحركي:
يتصف التهاب الأنف الوعائي الحركي بحدوث هجمات متقاربة من السيلان والعُطاس وانسداد الأنف وتترافق هذه الأعراض بإفراز غزير من غدد الغشاء المخاطي مع فرط توعية دموية وتسمك في الغشاء المخاطي الأنفي.
والعوامل المسببة لحدوث التهاب الأنف الوعائي الحركي هي كما في الربو: الالتهاب والتحسس والانفعال النفسي. ويقال في دور العامل النفسي مثل ما قيل في الربو القصبي.
ثالثا: حمى العلف:
حمى العلف مرض يتصف تحسس تجاه غبار الطلع ويصيب الغشاء المخاطي للأنف والملتحمة والبلعوم والطرق التنفسية العلوية، وهو مرض فصلي ترتبط هجماته بعلاقة واضحة مع كمية غبار الطلع الموجودة في المحيط. ويقال في العوامل المسببة ودور العامل النفسي مثل ما قيل في الربو القصبي والتهاب الأنف الوعائي الحركي.
أما الآلية المرضية التي يؤثر بها العامل النفسي على الجسم لإثارة نوبات الربو والتهاب الأنف الوعائي وحمى العلف فهي فتتم عن طريق الجهاز العصبي نظير الودي، حيث إنّ فرط فعالية هذا الجهاز هي التي تحدث التبدلات الفسيولوجية المرضية خلال الهجمات.
رابعا: القرحة الهضمية:
لقد تبيَّن سريريا ومنذ سنوات بعيدة أنّ أعراض القرحة الهضمية قد تظهر أو تزداد أو تتفاقم عندما يتعرض المريض لاضطرابات عاطفية أو لحالات من الشدة النفسية. وقد تم وضع التقارير الأولى عن العلاقة بين التفاعلات الحادثة في المعدة وبين الاضطرابات العاطفية من قبل بيمونت حيث أجرى دراسته على مريض مصاب بناسور معدي ناجم عن جرح ناري قديم، وتبيَّن أنّ هضم مختلف أنواع الأطعمة يتعلق بحالة المريض والاضطرابات العاطفية لديه. كما قام الطبيبان وولف وولف بدراسات هامة على مريض لديه ناسور معدي وسمح لهما بإجراء الدراسات عليه والتعرف على وظيفة الغشاء المخاطي في مختلف الظروف التي يتعرض لها، وضمن خطة التجربة اتهم المريض وهو عامل بأنه قد طلب ثمنا باهظا مقابل أحد الأعمال التي سينجزها لرئيسه، وقد استاء من هذا الاتهام وكبت ذلك في نفسه لأنه لم يستطع التعبير عن هذا الاستياء، وفي هذه الحالة العاطفية تمت مراقبة الغشاء المخاطي لمعدته حيث بدت محتقنة ومزدادة الحموضة والإفراز وبدا الغشاء المخاطي باللمس سهل التفتت والنزف.
فالاضطرابات العاطفية تُحدث تبدلات في وظيفة المعدة والتي بدورها تهيئ لحدوث القرحة، فبازدياد هشاشة الغشاء المخاطي تزداد قابليته للتسحج والتقرح بآلية ميكانيكية كما ترتفع نسبة الحموضة والإفراز مما يؤدي إلى إزمان القرحة وتأخر شفائها.
ولكن العوامل العاطفية ليست هي الوحيدة المسؤولة عن حدوث القرحة الهضمية، فالدراسات أظهرت ارتفاع مولد الببسين عند المصابين بالقرحة، ونسبة مولد الببسين في الدم يتم تحديدها منذ الفترة الأولى من الحياة وقد يكون ذلك مرتبطا بالوراثة.
وكذلك يجب الإشارة إلى العامل الجرثومي في إحداث القرحات الهضمية حيث وُجد أنه يحيط بالقرحة عادة منطقة التهابية، وبدراسة هذه المنطقة الالتهابية وُجد خمج موضعي بجرثوم يسمى كامبيلوباكتر بيلوري (campilobacter pylori) وقد ثبت وجود هذا الخمج في أكثر القرحات المعدية وفي جميع القرحات المعوية، وهذا الجرثوم يُحدث خللا في الغشاء المخاطي الظاهر للمعدة والأمعاء ويؤهب بذلك لحصول القرحات.
خامسا: التهاب القولون التشنجي والقرحي:
لقد وُجد أنّ الاضطرابات الأساسية الحادثة في الأمعاء الغليظة سواء كانت تشنجية أو قرحية ناجمة بالدرجة الأولى عن العوامل النفسية والعاطفية، حيث تمت مراقبة المرضى الذين أجري لهم خزع كولون أو أعور فلوحظ تغيرات واضحة في التوعية الدموية وفي إفراز الليزوزيم خلال الحالات العاطفية، فالحالات العاطفية تزيد من حركة الأمعاء كما تزيد من التوعية الدموية وإنتاج الليزوزيم، وهذا الأخير يعتبر من العوامل المسؤولة عن حدوث المرض، حيث يقوم بتجريد مخاطية الكولون التي تشكل طبقة واقية له، وبهذا يصبح الكولون سريع العطب بتأثير العوامل الضارة كالالتهاب والعوامل الميكانيكية.
كما يُعتقد بأنّ التشنج المديد العضلات الكولون الناجم عن التوتر العاطفي يسبب نقص في تروية مخاطية الكولون وعندما ترتخي هذه العضلات يحدث تنخر في المخاطية مما يؤدي إلى حدوث النزف.
وهناك نظرية بأنّ محتويات الأمعاء الدقيقة تمر إلى الكولون نتيجة لزيادة حركة الأمعاء الناجمة عن الانفعال، وأنّ الأنزيمات الموجودة في هذا السائل والتي لها قدرة هاضمة تفوق قدرتها الطبيعية يمكنها أن تسبب عطب للوسائل الدفاعية لمخاطية الكولون، وهذه العوامل كلها تؤدي إلى هضم سطح الأمعاء وبالتالي غزو الجراثيم لها وحدوث التقرح.
على كل حال فإنّ تجنب المريض المصاب بالتهاب الكولون للشدات العاطفية له أهمية علاجية واضحة، حيث لوحظ أنّ المعالجة النفسية خاصة في المراحل الأولى للمرض لها تأثير واضح ومفيد، إلا أنّ هذه المعالجة تصبح ذات تأثير ضئيل عندما يزمن المرض ويستمر فترة طويلة حيث تحدث تبدلات نسيجية غير قابلة للتراجع.
سادسا: القمه العصبي:
القمه هو فقدان الشهية، والقمه العصبي هو اضطراب يكاد يكون مقتصرا على الفتيات الصغيران وقد يصاب به النساء الأكبر سنا وأحيانا الرجال، وكلمة القمه تعبير خاطئ بالنسبة لهذا المرض لأنه يبدأ عادة بتحديد كمية الطعام التي يتناولها المريض حيث يأخذ كمية قليلة منه ويذهب خفية إلى مكان آخر فيتخلص من الطعام أو يجبر نفسه على تقيؤه، ولا ينتبه عادة لوجود المرض إلا بعد أن يفقد المريض ثلث وزنه أو أكثر، ومع تناقص مقدار الطعام يمكن أن يفقد المريض شهيته وقد يصاب بنهم شديد فيتناول كميات كبيرة من الطعام ويشعر بالذنب ومن ثم يجبر نفسه على تقيؤ الطعام أو يقوم بتمارين رياضية شديدة ليستهلك ما تناوله من طعام، وهذا ما يجعل المريض نحيلا وكأنه من ضحايا معسكرات الاعتقال النازية.
فالأعراض الأساسية للقمه العصبي هي فقدان (25%) من الوزن على الأقل، وغياب الطمث لمدة ستة أشهر على الأقل، والتعب والإرهاق والغثيان والقيء، وغياب الأشعار وتساقط الأظافر، حتى يصبح الشكل هيكلا عظميا، والأساس في القمه العصبي هو نظرة الفتاة إلى ذاتها وجسدها واعتبار الذات بدينة ومن ثم مكافحة هذه البدانة المتخيلة، وهذا الافتراق بين الخيال والواقع هو السبب في تصنيف المرض ضمن الأمراض النفسية.
والأساس في تدبير هذه الحالة هو تصحيح نظرة المريضة إلى نفسها من خلال بناء الثقة مع المريضة والعلاج في المستشفى مع التدرج في العلاج، وقد يكون من المفيد إعطاء المريضة المهدئات النفسية البسيطة ومضادات الاكتئاب وفاتحات الشهية، ولا يمكن أن نقول أنّ العلاج قد نجح إلا بعد عودة الدورة الطمثية، وفي حال فشل العلاج فإنّ الموت سوف يحدث بسبب الجوع الشديد أو الالتهاب المتكرر بذات الرئة أو التدرن.
سابعا: الاضطرابات الجلدية:
إنّ التي تم الوصول إليها أثبتت أنّ العوامل العاطفية تؤثر في الجلد كاحمرار الوجه الناجم عن الارتباك، والشحوب بسبب الخوف، والشحوب والاحمرار الناجم عن الامتعاض والغيظ، وهذه الحالات تعتمد على الحالة العاطفية للمريض، كما أظهرت التجارب أنّ الاضطراب العاطفي له صلة وثيقة في إحداث كل من الحالات التالية: تنظيم التوعية الدموية للجلد، تنظيم إفراز العرق، التأثير على درجة النتوح، التأثير في الميل لحدوث الحكة، ومثال ذلك الداء الشروي (الشري) فالتحريض الفيزيائي والإنتانات والعوامل المحسسة والعوامل العاطفية والتبدلات الجلدية تؤدي إلى تحرر الأستيل كولين والهيستامين، والمرض الحاك يضع المريض في حلقة مفرغة لأنه يثير عنده الرغبة في الحك في مناطق معينة من الجلد، فإذا ما حك المريض جلده المثار نبَّه بذلك مناطق الجلد المجاورة فيحكها أيضا وهكذا دواليك، فالتوتر العاطفي بزيادته للتوعية الدموية وإحداثه النتحة والحكة يعتبر من العوامل التي تزيد في شدة الاضطرابات العاطفية.
ثامنا: ارتفاع التوتر الشرياني الأساسي:
يطلق ارتفاع التوتر الشرياني الأساسي على ارتفاع التوتر المجهول السبب حيث لا يوجد آفة شريانية أو كلوية أو غدية أو غير ذلك من الآفات العضوية، وقد لوحظ أنّ العوامل العاطفية تلعب دورا مهما في حدوثه، فكل طبيب يعلم أنّ قياس الضغط الشرياني لأول مرة عند المريض يكون أعلى مما هو عليه في المرات التالية وذلك بسبب خوف المريض، فالقلق والتوتر والاستياء والغضب والعدائية يمكنها أن تثير وتحرض ارتفاع التوتر الشرياني وذلك من خلال تحريض القسم الودي من الجملة العصبية الذاتية وانطلاق النور أدرينالين من لب الكظر ومنه حدوث تقلص في شرينات الكلية وهذا بدوره يؤدي إلى إطلاق بعض المواد الكيميائية التي تلعب دورا كبيرا في حدوث وتطور ارتفاع التوتر الشرياني.
تاسعا: خناق الصدر والجلطة القلبية:
إنّ خناق الصدر وتخثر الشرايين الإكليلية هما من أهم المشاكل الطبية والاجتماعية من حيث التواتر وإحداث العجز والموت عند الناس، وقد لوحظ أنّ للعوامل العاطفية دورا مهما في إحداثهما وذلك أنّ الانفعال يؤدي إلى ارتفاع مستوى الكولسترول في الدم وهذا بدوره يؤهب لحدوث خناق الصدر، وكذلك الانفعال يؤدي إلى ازدياد قابلية التخثر ونقص زمن تشكل العلقة وهذا بدوره يؤهب لحدوث احتشاء العضلة القلبية (الجلطة)، فليس من النادر حدوث الأمراض الإكليلية بسبب فرط الإجهاد والقلق بشأن المال والعمل والوطن.
ويقال مثل ذلك في الحوادث الوعائية الدماغية سواء كانت نقص في التروية الدماغية أم كانت جلطات دماغية، فالتوتر الانفعالي الناجم عن النزاعات والشدات والصعوبات المختلفة له علاقة مؤكدة بالأمراض الجسمية من حيث إظهارها أو زيادة شدتها أو طول مدتها، وكان جون هنتر صاحب طبع نزق عات، وقال حين وجد نفسه عرضة للذبحة الصدرية: إنّ حياتي في يد أي وغد يطيب له أن يضايقني ويغيظني، وحدث أنّ أحد زملائه ناقضه فاستشاط غضبا، ولم يلبث أن فارق الحياة بعد دقائق قليلة.
وهناك العديد من الأمراض التي يلعب التوتر الانفعالي دورا في حدوثها لم نذكرها واكتفينا بذكر الأمراض الأهم، ولا بد من التنويه هنا بدور العلاج النفسي في شفاء هذه الأمراض أو التقليل من خطرها إضافة إلى دور العلاجات الأخرى كالعلاج الدوائي والجراحي وغيرهما.
إنّ القصة المذكورة آنفا ومثلها كثير تشير إلى دور العامل النفسي في الشفاء من الأمراض أي إنّ الاعتقاد بأنّ عمل ما يؤدّي للشفاء قد يحصل الشفاء فعلا بهذا الاعتقاد حتى لو لم يكن للعمل أي دور مقنع أو علمي في الشفاء، كما دلت الإحصاءات على مئة مريض بعد إعطائهم دواءً غفلاً (أي: دواءً وهميا) أنّ 20% منهم قد شُفي من مرضه، وإنّ العلاج الحقيقي لا بدّ أن يشمل الروح والجسد جنباً إلى جنب وهذا ما يتفق مع النظريات العلمية الحديثة عن أهمية العامل النفسي في العلاج الحديث، فقد دلّت الإحصاءات على أنّ أغلبية المرضى بشتى أنواع الأمراض ترجع أمراضهم إلى أسباب نفسية، وأنّ قسماً كبيراً من المرضى ليس لديهم أي مرض عضوي، وليس معنى ذلك أنّ هذه الأمراض مجرد أوهام خيالية فهي أمراض حقيقية ولكن مسبباتها نفسية.
إنّ الأسباب الرئيسية للأمراض العقلية والنفسية هي الشعور بالخوف أو الإثم أو الخطيئة أو الحقد أو الكبت أو الشك أو الغيرة أو الأنانية أو الملل والسأم والضجر، ومن المعروف أنّ الخوف بشكليه المباشر وغير المباشر أو الخوف من معلوم والخوف من مجهول هو جوهر ما يسمّى بالعُصابات في الطب النفسي كعصاب القلق وعصاب الاكتئاب وعصاب الرهاب وعصاب الهستريا وعصاب الوسواس القهري وعصاب وسواس المرض، إنّ هذه المجموعة من الأمراض يقف خلفها الخوف كعامل مسبب، كما إنّ أمراضا عضوية كثيرة قد تنجم عن المشاعر المرضية التي ذكرناها سابقا وإنّ كثيرا ممن يشتغلون في العلاج النفسي ينجحون في تقصّي أسباب الأمراض ولكنهم يفشلون في العلاج لأنهم لا يلجؤون إلى بثِّ الإيمان في نفوس المرضى


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.