بالأسماء، قرار جمهوري جديد بتعيين 357 مندوبا مساعدا بهيئة قضايا الدولة    انطلاق برنامج «أساسيات القيادة المدرسية» لمديري ووكلاء المدارس في الإسكندرية    الاستثمار تفرض رسوم إغراق على السجاد التركي وملدن الخرسانة من روسيا والصين    وزير المالية بعد فوز الجمارك بجائزة التميز الحكومى: سعيد جدًا بتكريم مبادرة المراكز اللوجستية    البورصة تخسر 23 مليار جنيه بختام تعاملات آخر جلسات الأسبوع    تحت إشراف تضامن أسوان.. توزّيع 850 كيلو لحوم على الأسر الأولى بالرعاية بالمحافظه    كيف تتلاعب الإخوان بالحكومة اليمنية الجديدة؟    أوتشا: الوضع فى غزة لا يزال مزرياً والملايين بحاجة إلى المساعدات الإنسانية    طفل محرر من سجون قسد: ممنوعون من الدعاء والصلاة والتعذيب مستمر    صفقة نيو ترافورد تقرب اليونايتد من حصد 175 مليون إسترليني    الدباغ ومنسي يقودان تشكيل الزمالك أمام بتروجت في الدوري المصري    قائمة برشلونة أمام كوبنهاجن.. عودة فيران وغيابات مؤثرة في ليلة الحسم الأوروبي    تجديد حبس تشكيل عصابي متهم بحيازة طائرات درون بدون ترخيص في المرج    طقس مطروح.. أجواء صافية عقب استقرار الأحوال الجوية.. فيديو    ضبط طالب ظهر فى فيديو تقييد كلب ضال والتعدى عليه بالشرقية    كشف ملابسات مشاجرة بالأسلحة النارية والبيضاء في الخانكة    ملء العين في معرض الكتاب.. رحلة بصرية في تاريخ المرأة والفن التشكيلي    رانيا أحمد تشارك في معرض القاهرة للكتاب ب "حكاية شفتشي"    توقيع "صاحب النور.. محمد صلى الله عليه وسلم" ل أيمن عبد الحميد في معرض الكتاب (صور)    صحيفة نمساوية: جاذبية المتحف المصرى الكبير تجاوزت كل التوقعات منذ افتتاحه    بوستر مبهج.. ياسر جلال يروج لمسلسله كلهم بيحبوا مودى فى دراما رمضان    وزارة الأوقاف تحدد موضوع خطبة الجمعة القادمة بعنوان تضحيات لا تنسى    وزارة الأوقاف تعتمد ضوابط تنظيم الاعتكاف بالمساجد فى شهر رمضان    الصحة تعزز علاج السكتة الدماغية بافتتاح وحدات متخصصة في 3 محافظات    السعودية تؤكد عدم السماح باستخدام أجوائها أو أراضيها في عمليات عسكرية ضد إيران    نادى الأسير: الاحتلال الإسرائيلى يعتقل ويحقق ميدانياً مع 130 فلسطينياً    الرئيس الكولومبي يدعو واشنطن لإعادة مادورو إلى فنزويلا: يجب أن يُحاكم أمام قضاء بلاده    موعد صلاة العصر اليوم الأربعاء 28يناير 2026 بتوقيت المنيا    بدء وصول المتسابقين المشاركين فى مسابقة بورسعيد الدولية إلى مطار القاهرة    الأهلي يقترب من حسم صفقة إنياس عبد الحميد    بالمجان.. خطوات استخراج قرار علاج على نفقة الدولة    وزارة «الصحة» تعلن تشغيل منظومات رقمية في 5 آلاف منشأة    مستشفيات جامعة بني سويف تنجح في إنقاذ عين مريض من العمى بجراحة نادرة ومعقدة    نصائح لشراء خزين رمضان 2026    فخ الصلح، اعترافات صادمة للمتهم بالشروع في قتل "عريس الشرابية"    إصدار سلسلة توعوية جديدة بشأن الهيئات البرلمانية للأحزاب والائتلافات بالنواب    جارية الآن.. بث مباشر دون تقطيع مانشستر سيتي ضد جلطة سراي دوري أبطال أوروبا    استمرار الإقبال على معرض القاهرة للكتاب في يومه السابع    محافظ أسيوط يشهد احتفالية ثقافية وفنية بمناسبة عيد الشرطة وذكرى ثورة 25 يناير    الرياضة: إجراءات حاسمة في واقعة وفاة لاعب السباحة يوسف محمد    إكرامي: أتواصل مع الخطيب بشأن قضية منشطات رمضان صبحي    رئيس الطائفة الإنجيلية بمصر يستقبل الأمين العام لمجلس كنائس الشرق الأوسط    عضو بالشيوخ يتقدم باقتراح لمواجهة تأثير الذكاء الاصطناعي وحماية الطلاب    أوقاف الشرقية تُجري اختبارات لاختيار أئمة التراويح والتهجد لشهر رمضان    مستجدات تنفيذ المشروع القومي للمحطة النووية بالضبعة    رئيس جامعة المنوفية يستعرض دليل النزاهة الأكاديمية وأخلاقيات البحث العلمي    السيطرة على حريق يلتهم مينى باص بالمحلة    سعر الأرز الأبيض والشعير اليوم الأربعاء 28يناير 2026 فى محال المنيا    قمة تعزيز السلام الإقليمى    العالم يستمع إلى مصر من دافوس    رمضان 2026 | أحمد حلمي ينتقل للإذاعة بمسلسل «سنة أولى جواز»    كفر الشيخ: توقف حركة الملاحة والصيد بميناء البرلس وسواحل المحافظة الشمالية لسوء الأحوال الجوية    حملة لرفع الإشغالات من شوارع كفر سعد في دمياط    استعلم عن نتيجة إعدادية الجيزة.. من هنا    كيف يتعامل مرضى الحساسية مع التقلبات الجوية؟.. «المصل واللقاح» يوضح    الزمالك يعود للدوري باختبار صعب أمام بتروجت    وكيله: توروب رافض فكرة رحيل ديانج من الأهلي    أخبار فاتتك وأنت نائم| أسطول أمريكي يتحرك نحو إيران.. والذهب يُحطم الأرقام القياسية    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



ملف كامل عن البصمة الوراثية واثبات النسب واستخدامها فى الشق الجنائى


أولاً : التعريف اللغوي للفظ ( البصمة )
البصمة مشتقة من البُصْم وهو : فوت ما بين طرف الخنصر إلي طرف البنصر يقال ما فارقتك شبراً ، ولا فتراً ، ولا عتباً ، ولا رتباً ، ولا بصماً . ورجل ذو بصم أي غليظ البصم ( 1 )
وبصم بصماً : إذا ختم بطرف إصبعه .
والبصمة أثر الختم بالإصبع (2)
فالبصمة عند الإطلاق ينصرف مدلولها غلي بصمات الأصابع وهي : الانطباعات التي تتركها الأصابع عند ملامستها سطحها مصقولاً ، وهي طبق الأصل لأشكال الخطوط الحلمية التي تكسو جلد الأصابع وهي لا تتشابه إطلاقاً حتى في أصابع الشخص الواحد .

ثانياً : ماهية البصمة الوراثية : -
مما تقدم في بيان التعريف اللغوي للفظ البصمة يتضح أن من أهم فوائد معرفة بصمات الأصابع الاستدلال بها علي مرتكبي الجرائم من خلال ما ينطبع من بصماتهم علي الأجسام المصقولة في محل الجريمة ، فهي قرينة قوية في التعرف علي الجناة ، ولقد تجاوزت الاكتشافات الطبية الحديثة معرفة هذه الخاصية من جسم الإنسان إلي اكتشاف خواص كثيرة فيه وإدراك مدي تأثير تلك الخواص في الوراثة عن طريق أجزاء من جسم الإنسان من دم أو شعر أو مني ، أو بول أو غير ذلك .
وقد دلت الاكتشافات الطبية أنه يوجد في داخل النواة التي تستقر في خلية الإنسان ( 46 ) من الصبغيات ( الكروموسومات ) وهذه الكروموسومات تتكون من المادة الوراثية - الحمض النووي الريبوري اللأكسجيني - والذي يرمز إليه ب (دنا ) أي الجينات الوراثية ، وكل واحد من الكروموسومات يحتوي علي عدد كبير من الجينات الوراثية قد تبلغ في الخلية البشرية الواحدة إلي مائة ألف مورثة جينية تقريباً وهذه المورثات الجينية هي التي تتحكم في صفات الإنسان ، والطريقة التي يعمل بها ، بالإضافة إلي وظائف أخرى تنظيمية للجينات .
وقد أثبتت التجارب الطبية الحديثة بواسطة وسائل تقنية في غاية التطور والدقة : أن لكل إنسان جينوماً بشرياً يختص به دون سواه ، لا يمكن أن يتشابه فيه مع غيره أشبه ما يكون ببصمة الأصابع في خصائصها بحيث لا يمكن تطابق الصفات الجينية بين شخص وآخر حتى وإن كانا توأمين .
ولهذا جري إطلاق عبارة ( بصمة وراثية ) للدلالة علي تثبيت هوية الشخص أخذاً من عينة الحمض النووي المعروف ب ( دنا ) الذي يحمله الإنسان بالوراثة عن أبيه وأمه ، إذ أن كل شخص يحمل في خليته الجينية ( 46 ) من صبغيات الكروموسومات ، يرث نصفها وهي ( 23 ) كروموسوماً عن أبيه بواسطة الحيوان المنوي ، والنصف الأخر وهي ( 23) كروموسوماً يرثها عن أمه بواسطة البويضة وكل واحد من هذه الكروموسومات والتي هي عبارة عن جينات الأحماض النووية المعروف باسم ( دنا ) ذات شقين ويرث الشخص شقاً منها عن أبيه والشق الأخر عن أمه فينتج عن ذلك كروموسومات خاصة به لا تتطابق مع كروموسومات أبيه من كل وجه ن ولا مع كروموسومات أمه من كل وجه وإنما جاءت خليطاً منهما (3)
وبهذا الاختلاط أكتسب صفة الاستقلالية عن كروموسومات أي من والديه مع بقاء التشابه معهما في بعض الوجوه ، لكنه مع ذلك لا يتطابق مع أي من كروموسومات والديه ، فضلاً عن غيرهما .
قال الدكتور محمد باخطمة: ( وتتكون كل بصمة من وحدات كيماوية ذات شقين ، محمولة في المورثات وموزعة بطريقة مميزة تفرق بدقة بارعة كل فرد من الناس عن الآخر ، وتتكون البصمة منذ فترة الانقسام في البويضة الملقحة وتبقي كما هي حتي بعد الموت ، ويرث كل فرد أحد شقي البصمة من الأب والأخر من الأم بحيث يكون الشقان بصمة جديدة ، ينقل الفرد أحد شقيها إلي أبنائه ، وهكذا ..... ) (4)
وقال الدكتور عبد الهادي مصباح : ( الحامض النووي عبارة عن بصمة جينية لا تتكرر من إنسان إلي آخر بنفس التطابق ، وهي تحمل كل ما سوف يكون عليه هذا الإنسان من صفات وخصائص ، وأمراض وشيخوخة ، وعمر ، منذ التقاء الحيوان المنوي للأب ببويضة الأم وحدوث الحمل ) (5)
وعلماء الطب الحديث يرون أنهم يستطيعون إثبات الأبوة ، أو البنوة لشخص ما أو نفيه عنه من خلال إجراءات الفحص علي جيناته الوراثية حيث قد دلت الأبحاث الطبية التجريبية علي أن نسبة النجاح في إثبات النسب أو نفيه عن طريق معرفة البصمات الوراثية يصل في حالة النفي إلي حد القطع أي بنسبة 100 %أما في حالة الإثبات فإنه فأنه يصل إلي قريب من القطع وذلك بنسبة 99 % تقريباً .
وطريقة معرفة ذلك : أن يؤخذ عينة من أجزاء الإنسان بمقدار رأس الدبوس من البول ، أو الدم ، أو الشعر ، أو المني ، أو العظم أو اللعاب أو خلايا الكلية ، أو غير ذلك من أجزاء جسم الإنسان وبعد أخذ هذه العينة يتم تحليلها ، وفحص ما تحتوي عليه من كروموسومات - أي صبغيات - تحمل الصفات الوراثية ، وهي الجينات ، فبعد معرفة هذه الصفات الوراثية الخاصة بالابن وبوالديه يمكن بعد ذلك أن يثبت بعض هذه الصفات الوراثية في الابن موروثة له عن أبيه لاتفاقهما في بعض هذه الجينات الوراثية فيحكم عندئذ بأبوته له ، أو يقطع بنفي أبوته له ، وكذلك الحال بالنسبة للأم ، وذلك لأن الابن - كما تقدم - يرث عن أبيه نصف مورثاته الجينية ، بينما يرث عن أمه النصف الآخر ، فإذا أثبتت التجارب الطبية والفحصوات المخبرية وجود التشابه في الجينات بين الابن وأبويه ، ثبت طبياً بنوته لهما .
وقد تثبت بنوته لأحد والديه بناء علي التشابه الحاصل بينهما في المورثات الجينية بينما ينفي عن الآخر منهما ، بناء علي انتقاء التشابه بينهما في شتي المورثات الجينية (6)
ثالثاً : مجالات العمل بالبصمة الوراثية :
يري المختصون في المجال الطبي وخبراء البصمات أنه يمكن استخدام البصمات الوراثية في مجالات كثيرة ، ترجع في مجملها إلي مجالين رئيسين هما :
1- المجال الجنائي : وهو مجال واسع يدخل ضمنه :
الكشف عن هوية المجرمين في حالة ارتكاب جناية قتل ، أو اعتداء ، وفي حالات الاختطاف بأنواعها ، وفي حالة انتحال شخصيات الآخرين ونحو هذه المجالات الجنائية .
2- مجال النسب : وذلك في حالة الحاجة إلي إثبات البنوة أو الأبوة لشخص ، أو نفيه عنه ، وفي حالة اتهام المرآة بالحمل من وطء شبة ، أو زنا (7 )
استخدام البصمة الوراثية في مجال النسب
في تعريف النسب وعناية الإسلام به
أولاً : تعريف النسب :
التعريف اللغوي :
النسب في اللغة : القرابة ، وسميت القرابة نسباً لما بينهما من صلة واتصال ، وأصله من قولهم نسبته إلي أبيه نسباً ، ومن باب طلب ، بمعني : عزوته إليه ، وانتسب إليه : اعتزي.
والاسم : النسبة بالكسر ، وتجمع علي نسب ، قال ابن السكيت : يكون من قبل الأب ، ومن قبل الأم ، وقال بعض أهل اللغة : هو في الآباء خاصة علي اعتبار أن المرء إنما ينسب لأبيه فقط ولا ينسب لأمه إلا في حالات استثنائية .
وقد استعمل النسب وهو المصدر في مطلق الوصلة بالقرابة فيقال : بينهما نسب أي قرابة ،وجمعه أنساب .قال الراغب الأصفهاني النسب والنسبة : اشتراك من جهة أحد الأبوين وذلك ضربان : نسب بالطول ، كالاشتراك من الآباء والأبناء ، ونسب بالعرض ، كالنسبة بين بني الأخوة ، وبني الأعمام (1 )
التعريف الاصطلاحي :
مع البحث المستفيض في كثير من المصنفات في المذاهب الفقهية الأربعة لم أقف علي تعريف شرعي للنسب جامع مانع إذ يكتفي الفقهاء بتعريف النسب بمعناه العام ، المستفاد في معناه في اللغة وهو مطلق القرابة بين شخصين ، دون أن يعرفوه بالمعني الاصطلاحي الشرعي ، وهو الذي يفيد صحة ثبوت النسب لشخص ما ، أو عدم ثبوته له . ومن تلك التعريفات العامة تعريف العلامة البقري بقوله : ( هو القرابة ، والمراد بها الرحم ، وهي لفظ يشمل كل من بينك وبينه قرابة ، قربت أو بعدت ، كانت من جهة الأب أو من جهة الأم ) ( 2)
وعرفه صاحب العذب الفائض ، بالقرابة أيضاً ، ثم قال ( وهي الاتصال بين إنسانين بالاشتراك في ولادة قريبة أو بعيدة .
وقد حاول بعض الباحثين المعاصرين تعريف النسب بمعناه الاصطلاحي الخاص ، وهو القرابة من جهة الأب باعتبار أن الإنسان إنما ينسب لأبيه فقط فقد قال في تعريفه : ( حالة حكمية إضافية بين شخص وآخر ، من حيث أن الشخص انفصل عن رحم امرأة هي في عصمة زوج شرعي ، أو ملك صحيح ، ثابتين ، أو مشبهين الثابت للذي يكون الحمل من مائه ) (3 )
ثانياً : عناية الإسلام بالنسب :
أولت الشريعة الإسلامية النسب مزيداً من العناية ، وأحاطته ببالغ الرعاية ، ولا أدل علي ذلك من جعله في طليعة الضروريات الخمس التي اتفقت الشرائع السماوية علي وجوب حفظها ورعايتها .
وأن من أجلي مظاهر العناية بالنسب في الإسلام أن الله تعالي أمتن علي عباده بأن جعلهم شعوباً وقبائل ليتعارفوا ، فقال عز وجل : (( يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثي وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا أن أكرمكم عند الله اتقاكم )) ( 4) ولا يتحقق معرفة الشعوب والقبائل ، وما يترتب علي ذلك من تعارف وتألف إلا بمعرفة الأنساب وحفظها عن الاشتباه والاختلاط .
ومن أجل ذلك عني الإسلام أيما عناية بتنظيم العلاقة بين الرجل والمرآة ضماناً لسلامة الأنساب ، فحرم الإسلام كل اتصال جنسي يتم علي أصول شرعية يحفظ لكل من الرجل والمرآة ما يترتب ما يترتب علي هذا الاتصال من آثار ، وما ينتج عنه من أولاد ، وأبطل جميع أنواع العلاقات التي تعارفت عليها بعض الأمم والشعوب التي انحرفت عن شرائع الله السوية ، ولم يبح الإسلام سوي العلاقة القائمة علي النكاح الشرعي بشروطه المعتبرة ، أو بملك اليمين الثابت ، ولذا قال عز وجل ) والذين هم لفروجهم حافظون (5) إلا علي أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين (6) فمن أبتغي وراء ذلك فأولئك هم العادون ( ( 5)

ومن مظاهر عناية الإسلام بالنسب أنه شدد النكير ، وبالغ في التهديد للآباء والأمهات حين يقدمون علي إنكار نسب أولادهم الثابت ويتبرؤون منهم ، أو حين ينسبون لأنفسهم أولاداً ليسوا منهم
وفي هذا يقول عليه الصلاة والسلام : ( أيما امرأة أدخلت علي قوم من ليس منهم فليست من الله في شيء ، ولن يدخلها الجنة ، وأيما رجل جحد ولده وهو ينظر إليه ، احتجب الله منه يوم القيامة ، وفضحه علي رؤوس الأولين والآخرين ) ( 6)
وحرم الإسلام الانتساب إلي غير الآباء حيث قال عليه الصلاة والسلام في معرض التحذير من ذلك ، وبيان الوعيد الشديد علي فاعله : ( من ادعي إلي غير أبيه وهو يعلم أنه غير أبيه فالجنة عليه حرام ) (7 )
وأبطل الإسلام التبني وحرمه ، بعد أن كان مألوفاً وشائعاً عند أهل الجاهلية وفي صدر الإسلام ، يقول عز وجل ) ادعوهم لآبائهم هو أقسط عند الله فإن لم تعلموا آبائهم فإخوانكم في الدين ومواليكم ( (8 )
وإنما حرم الإسلام التبني لما يترتب عليه من مفاسد كثيرة لكون المتبني ابناً مزوراً في الحقيقة والواقع ، وعنصراً غريباً عن الأسرة التي أنضم إليها ، ولا يحل له أن يطلع علي محارمها ، أو يشاركها في حقوقها ، إضافة إلي أنه قد لا ينسجم مع أخلاقها ، ولا يتلاءم مع طباعها ، لإحساسه وإحساس الأسرة بأنه أجنبي عنها ، وسواء كان المتبني معروف النسب أو مجهولة ، إلا أن الإسلام مع هذا يلحق المجهول بمن أدعاه بمجرد الدعوى ، مع إمكان كونه منه عادة ، وكل هذا من عناية الشريعة الإسلامية بالنسب ، ومزيد رعايتها له تحقيقاً لمقاصد عظيمة ، وحكم جليلة .
ضوابط
إجراء تحليل البصمة الوراثية
من أجل ضمان صحة نتائج البصمة الوراثية فقد ذكر بعض الفقهاء والأطباء المختصين بالبصمة الوراثية ضوابط لابد من تحققها كي يمكن الأخذ بنتائج البصمة الوراثية وهذه الضوابط تتعلق بخبراء البصمة الوراثية وبطريقة إجراء التحاليل ، والمختبرات والمعامل الخاصة بالبصمة الوراثية وأهم هذه الضوابط ما يأتي :
1- أن تكون مختبرات الفحص للبصمة الوراثية تابعة للدولة أو تشرف عليها إشرافاً مباشراً ، مع توفر جميع الضوابط العلمية والمعملية المعتبرة محلياً وعالمياً في هذا المجال .
2- أن يكون جميع القائمين علي العمل في المختبرات الخاصة بتحليل البصمة الوراثية سواء كانوا من خبراء البصمة الوراثية أو من المساندين لهم في أعمالهم المخبرية ممن توفر فيهم أهلية قبول الشهادة كما في القائف ، إضافة إلي معرفته وخبرته في مجال تخصصه الدقيق في المختبر ( 1)
3- توثيق كل خطوة من خطوات تحليل البصمة الوراثية بدءاً من نقل العينات إل بظهور النتائج حرصاً علي سلامة تلك العينات وضماناً لصحة نتائجها ، مع حفظ هذه الوثائق للرجوع إليها عند الحاجة .
4- عمل التحاليل الخاصة بالبصمة بطرق متعددة ، وبعدد أكبر من الأحماض الأمينية ، ضماناً لصحة النتائج قدر الإمكان ( 2)
فإذا توفرت هذه الشروط والضوابط في خبراء البصمة الوراثية وفي المعامل ومختبرات تحليل البصمة ، فإنه لا مجال للتردد فيما يظهر في مشروعية العمل بالبصمة الوراثية واعتبارها طريقاً من الطرق المعتبرة لإثبات النسب كالقيافة إن لم تكن أولي ، كما تقدم بيانه . والعلم عند الله تعالي .

مسائل لا يجوز إثبات النسب فيها بالبصمة الوراثية :
نص بعض الفقهاء علي مسائل لا مجال للقيافة في إثبات النسب بها ، وبالتالي فإنه لا مجال للبصمة الوراثية في إثبات النسب بها ومن هذه المسائل ما يأتي :
الأولي :
إذا أقر رجل بنسب مجهول النسب ، وتوفرت شروط الإقرار بالنسب فإنه يلتحق به ، للإجماع علي ثبوت النسب وتوفرت شروط الإقرار بالنسب فإنه يلتحق به ، للإجماع علي ثبوت النسب بمجرد الإستلحاق مع الإمكان ، فلا يجوز عندئذ عرضة علي القافة لعدم المنازع فكذا البصمة الوراثية كالقافة في الحكم هنا ( 3)
الثانية :
إقرار بعض الإخوة بأخوة النسب لا يكون حجة علي باقي الإخوة ، ولا يثبت به نسب ،وإنما تقتصر آثاره علي المقر في خصوص نصيبه من الميراث ( 4) ولا يعتد بالبصمة الوراثية هنا ، لأنه لا مجال للقيافة فيها (5 )
الثالثة : إلحاق مجهول النسب بأحد المدعيين بناء علي قول القافة ، ثم أقام الآخر بينة علي أنه ولده فإنه يحكم له به ، ويسقط قول القافة ، لأنه بدل علي البينة ، فيسقط بوجودها ، لأنها الأصل كالتيمم مع الماء ( 6) فهكذا البصمة الوراثية في الحكم هنا .
تنبيه علي مسائل هامة
وأود هنا ذكر عدد من المسائل المتعلقة بالبصمة والقيافة وإيضاح ما ظهر لي فيها من حكم شرعي علي النحو التالي :
الأولى:
أن الأخذ بالبصمة الوراثية في مجال إثبات النسب ، لا يوجب بطلان العمل بالقيافة ، لأنها طريق شرعي لإثبات النسب عند التنازع ، ثابت بالنص ، فلا يجوز إلغاؤه وإبطاله بأي حال من الأحوال ، ولكن يظل الطريقان - أعني القيافة والبصمة - محلا ً للعمل بهما في مجال إثبات النسب في الأحوال المنصوص عليها ، أما القيافة فبالنص ، وأما البصمة فبقياس الأولي علي القيافة .
وأري أن الحاكم الشرعي يحكم بأي الطريقين ترجح عنده أنه الحق ، وأن المصلحة تتحقق بالأخذ به حسب ما يظهر له من قرائن وأحوال ، فقد يترجح لديه في بعض القضايا والحالات الأخذ بأحد الطريقين دون الآخر ، أو العكس ، إما لتيسيره وإمكانيته ، وأما لمزيد حذق وإتقان فيه دون الآخر .

والثانية :
لو تعرض قول القافة ، وخبراء البصمة الوراثية في حالة عرض مجهول النسب عليهما فأيهما أولي بالأخذ به ؟
أري أن الأمر في هذه الحالة راجع إلي اجتهاد الحاكم الشرعي ، فيأخذ بما يري أنه أولي بالأخذ به ، والحكم بمقتضاه حسب ما يظهر له من قرائن وأحوال تستدعي ترجيح أحد القولين علي الآخر

الثالثة :
إذا اختلفت أقوال خبراء البصمة الوراثية في إلحاق مجهول النسب بالمتنازعين له ، في حالة عرض علي أكثر من خبير فالحكم في هذه الحالة كالحكم في اختلاف القافة علي ما سبق بيانه .
الرابعة :
إذا ألحق مجهول النسب بأحد المتنازعين بناء علي قول خبير البصمة الوراثية ، وحكم بثبوت ذلك حاكم ، ثم ألحقه خبير بصمة آخر ، فإنه لا يلتفت إلي قول المتأخر منهما ، لأن حكم الحاكم يرفع الخلاف .
ومثل هذا أيضاً لو رجع خبير البصمة ، أو خبراء البصمة عن قولهم بإلحاق نسب المجهول بأحد المتنازعين بعد حكم الحاكم بثبوته وألحقوه بغيره ، فإنه لا يلتفت إلي رجوعهم ، لثبوت نسب المجهول بمن ألحق به أولاً ، لحكم الحاكم به ، كالقافة في هذا

الخامسة :
إذا لم يؤخذ بقول خبراء البصمة الوراثية لاختلاف أقوالهم أو لإشكال الأمر عليهم ، وعدم تمكنهم من إلحاق مجهول النسب بأحد المدعيين نسبه أو لم يوجد خبراء البصمة الوراثية ولم توجد قافة أيضاً فإن نسبه يضيع .
فالحكم في هذه المسائل الثلاثة الأخيرة كالحكم في القيافة علي ما سبق بيانه .
السادسة :
إذا تعارضت أقوال خبراء البصمة الوراثية ، ولم يمكن ترجيح قول بعضها علي بعض بكثرة عدد ونحو ذلك ، فإنه يصار إلي القرعة عند من يقول بالحكم بها في إثبات النسب من أهل العلم فمن خرجت له القرعة من المتداعين ألحق به النسب حفاظاً علي النسب عن الضياع وقطعاً للخصومة والنزاع ، كما سبق بيانه .
شبهة ، والإجابة عنها
ربما أعترض معترض علي مشروعية الأخذ بالبصمة الوراثية في مجال إثبات النسب بأن نتائج البصمة قد لا تكون دقيقة ، لما قد يحصل أثناء الفحص من أخطاء بشرية ، ومعملية كاختلاط العينات المأخوذة من شخص بعينات لشخص آخر ، أو بسبب أخطاء خبير البصمة أو غيره من العاملين في مختبرات الفحص الو راثي في أي إجراء من الإجراءات ، أو بسبب عدم العناية التامة بتعقيم ونظافة ألآت الفحص ، وغير ذلك من أخطاء بشرية أو معملية قد تؤثر علي نتيجة البصمة ، وقد أكد احتمال حصول ذلك بعض الأطباء المختصين بقوله ( فإن هناك كثير من الأخطاء المعملية سواء كانت في الإضافات ، أو في طريقة الفحص ، أو في طريقة العمل أو في الشخص نفسه أو في السلوكيات التي يسلكها الباحث أو مساعد الباحث ، فهناك محاذير يجب أن تؤخذ في الاعتبار (7 )
وقال آخر : لو حصل نقطة صغيرة ولو غبار في المعمل أتي علي هذا الدم لخبط النتيجة كلها ، ولذلك فإن مكمن خطورة البصمة في دقتها ، فأي تلوث بسيط يعطي نتيجة معاكسة ) ( 8)
فهذه الاحتمالات الواردة ، وأمثالها تستوجب تطرق الشك إلي نتائج الفحص ، وبالتالي فإن ذلك قد يجعل الحكم بمشروعية الأخذ بالبصمة الوراثية محل نظر ، درءاً لهذه الأخطاء والمخاطر الناجمة عنها ، إذ من الممكن أن يحصل بسبب ذلك قلب للحقائق ، فيثبت النسب للأجنبي وينفي عن القريب .
فالجواب عن هذه الشبهة : أنه تلافياً لحصول هذه الأخطاء المحتملة فإن مشروعية الأخذ بالبصمة الوراثية مقيد بالشروط والإحتياطات السابق ذكرها درءاً عن هذه الأخطاء المحتملة ، هذا من جهة . ومن جهة أخري فإنه ما من طريق من طرق إثبات النسب غلا وهو مظنة لحصول خطأ فيه ، لأن الحكم بثبوت النسب في جميع الطرق المشروعة مبني علي الظن الغالب ، واحتمال الخطأ في أي منها وارد ،ومع ذلك فقد دلت الأدلة الشرعية علي إثبات النسب بالطرق المشروعة حتى مع وجود قرائن وعلامات قد تشكك في صحة تلك الطرق المشروعة في حالة من الحالات ، كما جاء في الصحيحين ( 9) عن عائشة رضي الله عنها قالت : ( اختصم سعد بن أبي وقاص ، وعبد بن زمعة في غلام ، فقال سعد : يا رسول الله هذا ابن أخي عتبة بن أبي وقاص عهد إلي أنه إبنه ، أنظر إلي شبهه . وقال عبد بن زمعة : هذا أخي يا رسول الله ، ولد علي فراش أبي من وليدته ، فنظر رسول الله r فرأي شبهاً بيناً بعتبة ، فقال : هو لك يا عبد بن زمعة ، الولد للفراش ، وللعاهر الحجر ، واحتجبي منه يا سودة . فلم يري سودة قط )
فقد دل هذا الحديث بمنطوقه الصريح علي إثبات النسب بالفراش مع وجود ما يخالف ذلك ، وهو شبه الغلام بغير صاحب الفراش لكن النبي r لم يعتد بذلك ، بل أثبت النسب لصاحب الفراش إعمالاً للأصل . ( 10) كما أشار القرآن الكريم إلي ذلك في قوله عز وجل : ) والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة وعلي المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف ( ( 11) فقد نسب الحق عز وجل الأولاد للأمهات للقطع بوالديتهن لهم ، بخلاف الآباء فقد عبر عنهم بقوله .. ( المولودة ) لأن المولود له قد لا يكون هو الأب الحقيقي ، لكنه لما ولد علي فراشه نسب إليه إعمالاً للأصل ، وإطراحاً لما سواه (12 )
وللعلامة بن القيم كلام نفيس في إيضاح هذا المعني والتأكيد عليه حيث قال رحمه الله : ( وجواز التخلف عن الدليل والعلامة الظاهرة في النادر لا يخرجه عن أن يكون دليلاً عند عدم معارضة ما يقاومه . ألا تري أن الفراش دليل علي النسب والولادة ، وأنه أبنه ، ويجوز ، - بل يقع كثيراً - تخلف دلالته ، وتخلق الولد من غير ماء صاحب الفراش ولا يبطل ذلك كون الفراش دليلاً ، وكذلك أمارات الخرص والقسمة والتقويم وغيرها قد تتخلف عنها أحكامها ومدلولاتها ، ولا يمنع ذلك اعتبارها ، وكذلك شهادة الشاهدين وغيرهما وكذلك الإقراء ، والقرء الواحد في الدلالة علي براءة الرحم فإنها دليل ظاهر مع جواز تخلف دلالتها ، ووقوع ذلك ، وأمثال ذلك كثير ( 13)


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.