يحاول الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تصوير الحرب الأخيرة مع إيران على أنها نجاح حاسم وشبه كامل. وفقا لتقرير نيويورك تايمز، في تصريحاته العلنية، وصف النتيجة بأنها محسومة فعلياً، مُصوِّراً ظهور قيادة جديدة "معقولة إلى حد كبير" في طهران، ومُشيراً إلى أن أهداف واشنطن قد تحققت إلى حد كبير. مع ذلك، تتعارض هذه الرواية بشكل متزايد مع تقييمات المحللين والمسؤولين السابقين، الذين يرون أن الوضع على أرض الواقع يعكس استمرارية لا تحولاً، وعدم استقرار مستمر لا حلاً. تغيير في القيادة أم استمرارية في النظام؟ يتمحور ادعاء ترامب حول تأكيد "تغيير النظام" في إيران. إلا أن الخبراء يُشككون في هذا الوصف. بينما تولى مجتبى خامنئي القيادة بعد وفاة والده في بداية الصراع، يُنظر إلى صعوده على نطاق واسع على أنه تعزيز لهياكل السلطة القائمة، وليس مؤشراً على الإصلاح. يشير المحللون إلى أن الحرس الثوري الإسلامي، القوة المهيمنة في النظام السياسي والاقتصادي الإيراني، ربما يكون قد ازداد قوة بعد الحرب. ووفقاً لبهنام بن طالبلو من مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات، فإن هذه التطورات لا تعدو كونها تحولاً في القيادة، وليست تغييراً جوهرياً في الحكم أو التوجه. المزاعم العسكرية مقابل الواقع الاستراتيجي أكد ترامب مراراً وتكراراً أن القدرات العسكرية الإيرانية، بما في ذلك قواتها البحرية والجوية وأنظمة الدفاع الجوي، قد دُمرت إلى حد كبير خلال الحملة الأمريكية الإسرائيلية التي استمرت 40 يوماً والتي سبقت وقف إطلاق النار الأسبوع الماضي. مع ذلك، تشير تقييمات مستقلة إلى صورة أكثر تعقيداً. فعلى الرغم من الأضرار الجسيمة وفقدان مسؤولين كبار، أظهرت إيران قدرتها على تعطيل طرق التجارة العالمية والضغط على أسواق الطاقة. لا تزال حركة الملاحة عبر مضيق هرمز غير مستقرة، وقد أبرز تقلب أسعار النفط استمرار نفوذ طهران. بدلاً من أن يُشير ذلك إلى هزيمة، يرى المحللون أن موقف إيران يبدو أكثر جرأة، إذ تستغل نفوذها الإقليمي والاقتصادي لمواجهة الاستراتيجية الأمريكية. حدود سياسة الضغط يُسلط الوضع الراهن الضوء على حدود نهج ترامب في السياسة الخارجية، والذي اعتمد في كثير من الأحيان على الإكراه والخطابات الحادة. ويشير الخبراء إلى أن التكتيكات الفعالة في المفاوضات مع حلفاء الولاياتالمتحدة، مثل التهديد بفرض تعريفات جمركية، لا تُجدي نفعاً مع خصم معقد كإيران. أكدت منى يعقوبيان، من مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية، أن غموض النظام الإيراني وديناميكياته الداخلية تجعله مقاوماً للدبلوماسية الشخصية القائمة على الضغط. دبلوماسية "الصفقة الكبرى" المراوغة أبدت إدارة ترامب انفتاحها على اتفاق شامل مع إيران. وصف نائب الرئيس الأمريكي جيه دي فانس "الهدف" بأنه "صفقة كبرى"، بموجبها ستُعامل إيران كشريك اقتصادي طبيعي إذا ما عدّلت سلوكها. ومع ذلك، لم تُثمر الجهود الدبلوماسية الأخيرة بعد. فقد اختُتمت المحادثات في باكستان بين مسؤولين أمريكيين وإيرانيين دون التوصل إلى اتفاق، على الرغم من المؤشرات التي تُفيد بأن كلا الجانبين لا يزالان على استعداد للتفاوض. استراتيجية إيران التفاوضية واستغلال نفوذها يبدو أن إيران تُدرك قوتها التفاوضية. وقد أدى ارتفاع أسعار الوقود في الولاياتالمتحدة والمخاوف السياسية الداخلية قبيل انتخابات التجديد النصفي إلى خلق نقاط ضعف لإدارة ترامب. يرى المفاوض الأمريكي السابق نيت سوانسون أن طهران من غير المرجح أن تُذعن لمطالب شاملة. وبدلاً من ذلك، يُتوقع أن يكون أي اتفاق محدوداً وذا طابع عملي، مما يعكس تقييم إيران بأنها صمدت أمام الضغوط العسكرية والاقتصادية على حد سواء. كما حذّر من المبالغة في تفسير البراجماتية الظاهرة لشخصيات مثل محمد باقر قاليباف، مشيراً إلى أن البيئة السياسية في إيران حالياً تُشجع على التمسك بالمواقف المتشددة. سردية تحت الضغط مع انحسار غبار الصراع، تتسع الفجوة بين تصوير الإدارة الأمريكية للنصر والواقع الذي يصفه الخبراء. لا تزال القيادة الإيرانية قائمة، وأهدافها الاستراتيجية لا تزال مطروحة، ومن المرجح أن تكون المفاوضات طويلة وتدريجية. بالنسبة لترامب، الرئيس الذي سعى مرارًا لتشكيل الواقع عبر الرسائل، تمثل الأزمة الإيرانية اختبارًا لمدى قدرة السردية وحدها على دعم مزاعم النجاح في مواجهة مشهد جيوسياسي أكثر تعقيدًا.