أكد الدكتور محمد محمد عبد الهادي، الخبير الاقتصادي، أن أسعار النفط أصبحت في قلب المشهد الاقتصادي العالمي خلال الفترة الحالية، خاصة مع تصاعد التوترات في البحر الأحمر ومضيق باب المندب، مشيرًا إلى أن أي تهديد لحركة الملاحة في هذا الممر الحيوي ينعكس بشكل مباشر وفوري على أسواق الطاقة والتجارة الدولية. وأوضح الخبير في تصريحات خاصة ل"البوابة نيوز"، أن الأنظار تتجه حاليًا إلى مضيق باب المندب ليس فقط من زاوية التطورات الجيوسياسية، ولكن من زاوية التأثيرات الاقتصادية العميقة التي قد تترتب على أي تصعيد محتمل، خاصة في ظل المخاوف المتزايدة من دخول الاقتصاد العالمي مرحلة جديدة من الاضطرابات. وأضاف أن مضيق باب المندب يُعد أحد أهم الشرايين الحيوية للتجارة العالمية، حيث يربط بين المحيط الهندي والبحر الأحمر، ويمثل معبرًا رئيسيًا لحركة السلع والطاقة بين آسيا وأوروبا، لافتًا إلى أن أهميته تكمن في كونه طريقًا مختصرًا وفعالًا للتجارة الدولية، خاصة بالنسبة للدول الصناعية التي تعتمد على تدفقات مستمرة من المواد الخام والمنتجات. وأشار الدكتور عبد الهادي إلى أن نسبة كبيرة من التجارة العالمية تمر عبر هذا الممر، إلى جانب كونه مسارًا رئيسيًا لنقل النفط والغاز من منطقة الخليج إلى الأسواق الأوروبية، وهو ما يجعل أي اضطراب فيه يمتد تأثيره إلى الاقتصاد العالمي بأكمله، وليس فقط إلى الدول المطلة عليه. وأكد أن الأسواق العالمية تتعامل بحساسية شديدة مع أي تهديد لهذا المضيق، حتى وإن لم يتم تنفيذه فعليًا، موضحًا أن مجرد الحديث عن احتمالية تعطيله يؤدي إلى تحركات فورية في الأسعار، وهو ما ظهر بالفعل في ارتفاع أسعار النفط، إلى جانب زيادة تكاليف الشحن البحري وارتفاع أسعار التأمين على السفن. وأوضح أن في حال تطور الأوضاع إلى تعطيل فعلي للملاحة، فإن البديل سيكون الالتفاف حول رأس الرجاء الصالح، وهو ما يزيد مدة الرحلة البحرية بنحو 15 إلى 20 يومًا، الأمر الذي يترتب عليه ارتفاع كبير في استهلاك الوقود وتكاليف التشغيل. وأشار إلى أن زيادة زمن الرحلات البحرية تعني ارتفاعًا مباشرًا في تكاليف النقل، خاصة أن تأجير السفن يتم بشكل يومي، وبالتالي فإن أي تأخير ينعكس على التكلفة النهائية، وهو ما يتم تحميله في النهاية على أسعار السلع. تعطيل خطوط الإنتاج في العديد من الصناعات وأضاف أن التأثير لا يقتصر على النقل فقط، بل يمتد إلى سلاسل الإمداد العالمية، التي تعتمد على دقة التوقيت، حيث يؤدي تأخير الشحنات إلى تعطيل خطوط الإنتاج في العديد من الصناعات، خاصة في الدول التي تعتمد على الاستيراد. وحذر الدكتور عبد الهادي من أن هذا السيناريو قد يؤدي إلى تكرار الاضطرابات التي شهدها العالم خلال جائحة كورونا، حيث تسببت الاختناقات اللوجستية في نقص السلع وارتفاع الأسعار بشكل كبير. وأكد أن ارتفاع تكاليف الشحن والتأمين، إلى جانب زيادة أسعار الطاقة، يمثل ضغطًا إضافيًا على معدلات التضخم عالميًا، حيث يتم نقل هذه التكاليف إلى المستهلك النهائي، ما يؤدي إلى ارتفاع الأسعار بشكل عام. وأشار إلى أن أوروبا وآسيا ستكونان الأكثر تأثرًا بهذا السيناريو، نظرًا لاعتمادهما الكبير على هذا المسار، حيث تعتمد أوروبا على واردات الطاقة، بينما تعتمد آسيا على تصدير منتجاتها عبر هذا الطريق. وأوضح أن أي تعطيل في هذا الممر سيؤدي إلى نقص في المعروض من السلع في أوروبا، مقابل تراجع في الصادرات الآسيوية، وهو ما يخلق حالة من عدم التوازن ويؤدي إلى موجات تضخمية. اضطراب أسواق الطاقة كما لفت إلى أن أسواق الطاقة ستكون الأكثر تأثرًا، حيث قد ترتفع أسعار النفط إلى مستويات تتراوح بين 130 و150 دولارًا للبرميل، خاصة إذا تزامن ذلك مع اضطرابات في مضيق هرمز، مشيرًا إلى أن انخفاض المعروض يؤدي بطبيعة الحال إلى ارتفاع الأسعار. وأضاف أن أسعار الوقود قد تشهد زيادات كبيرة تصل إلى 200% في بعض الحالات، وهو ما يزيد من الأعباء على الشركات والمستهلكين. وأكد أن هذه التأثيرات لا تحتاج إلى وقت طويل للظهور، بل تنعكس بشكل شبه فوري على الأسواق، حيث تبدأ الأسعار في الارتفاع بمجرد زيادة تكاليف الشحن والطاقة. واختتم الدكتور محمد محمد عبد الهادي تصريحاته بالتأكيد على أن الخطر الحقيقي لا يكمن فقط في إغلاق مضيق باب المندب، بل في حالة عدم اليقين التي قد تدفع شركات الشحن إلى تغيير مساراتها، وهو ما يؤدي إلى نفس التأثير الاقتصادي تقريبًا، مشددًا على أن الاقتصاد العالمي يواجه مرحلة دقيقة تتطلب إدارة حذرة للتعامل مع هذه التحديات.