لم تكن عملية اغتيال الشهيد المستشار هشام بركات، النائب العام الأسبق، مجرد حادث إرهابي عابر أو رد فعل عشوائي، بل كانت عملية مخابراتية معقدة وطويلة الأمد، اجتمعت فيها أموال التنظيم الدولي، وتدريبات الميليشيات المسلحة، وإشراف مباشر من قيادات هاربة في الخارج. وتزامناً مع ما تعرضه الدراما الوطنية في مسلسل رأس الأفعى من كواليس لجان العمل النوعي، ومن واقع تحقيقات نيابة أمن الدولة العليا في القضية (314 لسنة 2016)، نفتح الصندوق الأسود ونكشف الاعترافات التفصيلية للخلية الإرهابية، لنرصد خطوة بخطوة كيف تحركت خيوط الدم من إسطنبول لتُنفذ أبشع جرائم الإخوان في شوارع القاهرة. يحيى موسى.. طبيب الدم وتطبيقات التشفير كشفت اعترافات المتهمين كما وثقها مسلسل رأس الأفعى في الحلقة 14 (وعلى رأسهم الإرهابي محمود الأحمدي، وأبو القاسم أحمد) أن العقل المدبر والمحرك الأساسي للعملية هو القيادي الإخواني الهارب في تركيا "يحيى السيد إبراهيم موسى"، المتحدث الأسبق باسم وزارة الصحة في عهد الإخوان. تحول "موسى" من طبيب إلى "مهندس دماء"، وأدار العملية بالكامل عبر الفضاء الإلكتروني لتجنب الرصد الأمني. أمر عناصر الخلية بتنزيل تطبيقات مشفرة وعالية السرية وعبر هذه الغرف المغلقة، تم تقسيم الخلية إلى مجموعات عنقودية (مجموعة رصد، مجموعة تصنيع، ومجموعة تنفيذ ومجموعة إيواء)، بقاعدة استخباراتية صارمة: "لا تعرف كل مجموعة تفاصيل الأخرى"، وتتلقى جميعها الأوامر مباشرة من "موسى" الذي حمل أسماءً حركية متعددة داخل المجموعات مثل "صن شاين" و"سعد". غسيل الأدمغة واستقطاب طلاب الجامعات لم تعتمد الجماعة على مسجلين خطر، بل استهدفت تجنيد طلاب الجامعات (خاصة كليات القمة وجامعة الأزهر) المنتمين لأسر إخوانية، لضمان الولاء الأعمى. تم إخضاع هؤلاء الشباب لما يسمى "دورات التأهيل الفكري والشرعي"، حيث تم تلقينهم فتاوى تكفيرية مستمدة من كتاب "فقه المقاومة الشعبية"، وإقناعهم بأن القضاة والضباط هم "رأس حربة الطاغوت"، وأن استهداف النائب العام هو "فريضة شرعية" للقصاص، مما خلق جيلاً من الانتحاريين المغيبين المستعدين للقتل بدم بارد. بما أن الخلية لم تكن تمتلك الخبرة الكافية لتنفيذ عملية اغتيال بهذا الحجم، جاء دور التدريب الخارجي. شملت التدريبات: تكتيكات الرصد الاستخباراتي، كيفية تفخيخ السيارات، تصنيع العبوات شديدة الانفجار باستخدام المواد الكيميائية المتاحة في الأسواق، فضلاً عن دورات في "أمن المعلومات" والتدريب على الأسلحة الآلية لصد أي هجوم مضاد أثناء التنفيذ بعد العودة من التدريب، بدأت "مجموعة التصنيع" عملها بتكليف مباشر من يحيى موسى، الذي أرسل لهم أموالاً طائلة عبر وسطاء لشراء المواد المطلوبة.
اعترف المتهم "محمود الأحمدي" بأنه تم استئجار مزرعة نائية بمركز "ببا" في محافظة بني سويف لتكون مصنعا ومخزناً للمفرقعات بعيداً عن أعين الأمن بالقاهرة تزامنا مع تجهيز العبوة، كانت "مجموعة الرصد" تقوم بمهمتها على مدار أكثر من شهر. اعترف المتهمون بأنهم استأجروا شقة قريبة، وراقبوا محيط منزل النائب العام بحي مصر الجديدة يوميا. وقاموا برصد دقيق للهدف .
لضمان نجاح العملية، تم شراء سيارة ماركة "إسبرانزا" لاستخدامها في أعمال الرصد اليومي، بينما تم توفير سيارة أخرى "نيسان بيضاء" (مسروقة من محافظة الإسماعيلية) ليتم تفخيخها ووضع برميل المتفجرات بداخلها بعد نقله من بني سويف. في ليلة الحادث (التاسع من رمضان)، تلقى المتهمون إشارة البدء من يحيى موسى. تم نقل السيارة المفخخة (النيسان) وإيقافها بحرفية شديدة في نقطة "التقاطع القاتل" بشارع عمار بن ياسر بمصر الجديدة، وهو الممر الإجباري الذي تضطر فيه السيارات للتهدئة.
في صباح 29 يونيو، تمركز المتهم "أبو القاسم أحمد" في نقطة مراقبة متقدمة مرتدياً ملابس رياضية للتمويه، وبمجرد تحرك الموكب أعطى الإشارة المتفق عليها للخلية. وهنا، كان الإرهابي "محمود الأحمدي" يقف على مسافة قريبة ممسكاً بجهاز التفجير عن بُعد. وما إن حاذت سيارة النائب العام السيارة المفخخة، حتى ضغط الأحمدي على الزر، ليقع الانفجار المروع الذي هز أرجاء العاصمة، وأسفر عن استشهاد المستشار هشام بركات وإصابة عدد من طاقم حراسته والمدنيين.
لم يكتفِ الإرهابيون بالقتل، بل كانت هناك تعليمات صارمة من "موسى" بتصوير العملية بالكامل لحظة الانفجار، وتم بالفعل تكليف عنصر بتصوير الحادث من زاوية بعيدة، لاستخدام الفيديو لاحقاً في الإصدارات المرئية لحركة "حسم" (مثل إصدار "قاتلوهم") لبث الرعب في نفوس القضاة ورجال الدولة. صقور الأمن الوطني والقصاص العادل ظن التنظيم الدولي أن الجريمة الكاملة قد نفذت، وأن الشفرات ستحميهم. لكن قطاع الأمن الوطني أثبت قدرته الاستثنائية؛ حيث بدأ من تتبع هيكل السيارة المفخخة، مروراً بتتبع خطوط السير وكاميرات المراقبة، وصولاً إلى اختراق الشبكة العنقودية المشفرة وإسقاط الخلايا واحدة تلو الأخرى في ضربات استباقية ومداهمات مسلحة.
لتقف هذه الخلية الدامية أمام منصة القضاء المصري، وتدلي باعترافاتها التفصيلية التي وثقت للتاريخ كيف تحولت جماعة الإخوان إلى ماكينة موت عمياء يديرها هاربون من فنادق إسطنبول، ليدفع منفذوها ثمن خيانتهم على حبل المشنقة، ويبقى اسم الشهيد هشام بركات رمزاً شامخاً للعدالة التي لا تموت