بين ردهات كلية الطب بجامعة أسيوط وممرات العمل التنظيمي السري، نسج الدكتور محمد كمال سيرة مثيرة للجدل؛ بدأت بمسار أكاديمي متميز انتهى بجلوسه على مقعد رئاسة قسم الأنف والأذن والحنجرة عام 2011. لم يكن كمال مجرد طبيب ناجح، بل كان كادرًا إخوانيًا صعد بهدوء في هيكل الجماعة بمحافظات الصعيد، ليتحول بعد أحداث يونيو 2013 من أستاذ جامعي يعالج المرضى إلى الرقم الأصعب في معادلة "تيار التغيير" داخل الإخوان، متبنيًا نهجًا صداميًا أحدث انقسامًا تاريخيًا في بنية التنظيم. رأس الأفعى: محمد منتصر.. من كواليس "الإخوان" إلى أروقة "ميدان"
تحت وطأة الملاحقات الأمنية، برز اسمه كقائد للجناح المسلح والمخطط الأول للعمليات النوعية التي استهدفت رموز الدولة. وبينما كان يقود تمردًا داخليًا ضد "الحرس القديم" بدعوى ضخ دماء شابة، انتهت رحلته في مواجهة مسلحة بمنطقة البساتين بالقاهرة خريف عام 2016، تاركًا خلفه إرثًا من الصراع التنظيمي وشهادة "إبراء ذمة" وثقت ذروة الخلافات العميقة التي عصفت بالجماعة.
الطريق إلى "الأستاذية" في محافظة أسيوط، بدأت ملامح مسيرة محمد كمال التي استهلت بانضباط علمي لافت؛ فبعد إتمام مراحل تعليمه الأساسي في مدارس المحافظة، التحق بكلية الطب بجامعة أسيوط، ليبدأ منها مشوارًا أكاديميًا صاعدًا. ففي عام 1984، وطأت قدماه السلك الجامعي كمعيد بقسم الأنف والأذن والحنجرة، لتبدأ رحلة تدرج وظيفي سريعة عكست تفوقًا في تخصصه الدقيق، حيث نال درجة "مدرس" عام 1992، ثم ترقى لدرجة أستاذ مساعد في عام 1997. لم يتوقف الطموح المهني لكمال عند هذا الحد، فبحلول عام 2002 توج مسيرته العلمية بالحصول على درجة "الأستاذية"، ليصبح واحدًا من الكوادر الطبية المرموقة في جامعته. ومع مطلع سبتمبر من عام 2011، وصل كمال إلى ذروة هرمه الوظيفي بتوليه رئاسة قسم الأنف والأذن والحنجرة بالكلية؛ وهي المرحلة التي شهدت تقاطعًا حادًا بين بريق المنصب الجامعي الرفيع وظلال النشاط التنظيمي السري الذي بدأ يطغى تدريجيًا على حياته، ليرسم ملامح الشخصية التي ستتصدر لاحقًا المشهد السياسي والأمني في البلاد.
تجنيد "قواعد الصعيد" وصناعة النفوذ بدأت علاقة محمد كمال بجماعة الإخوان المسلمين في وقت مبكر من حياته، حيث لم يكن قد تجاوز العشرين من عمره حين انخرط في صفوفها. وخلال سنوات دراسته الجامعية بأسيوط، ظهرت قدراته التنظيمية الفائقة، حيث استغل وجوده في الحرم الجامعي لتجنيد المئات من شباب الصعيد، محولًا كليات الجامعة إلى محاضن لاستقطاب الكوادر الجديدة. هذا النشاط الميداني الكثيف، مكنه من بناء قاعدة ولاء صلبة في "الجنوب"، ليترقى تدريجيًا في الهيكل التنظيمي حتى نال ثقة القيادة المركزية، وأصبح المسؤول الأول عن مكتب إرشاد جنوب الصعيد وممثلًا له في عام 2011، وهو المنصب الذي منحه نفوذًا واسعًا داخل أروقة الجماعة. عقب أحداث 30 يونيو 2013 وعزل الرئيس الأسبق محمد مرسي، لم يقف كمال عند حدود المشاهدة، بل قاد تحولًا جذريًا داخل التنظيم. ومع الضربات الأمنية المتلاحقة التي طالت الرءوس التاريخية للجماعة، برز كمال كزعيم ل "تيار التغيير" أو ما عُرف لاحقًا ب "تيار الشباب"، وهو التيار الذي تمرد على النهج التقليدي لمكتب الإرشاد. وفي عام 2014، ومن خلال انتخابات تكميلية أجريت في هياكل الجماعة لسد الفراغ القيادي، صعد كمال ليتولى مهام القائم بأعمال المرشد العام، مدعومًا بقواعد شبابية كانت ترى في "الحرس القديم" عائقًا أمام الحراك الثوري والصدامي الذي تنشده. هذا الصعود المفاجئ لمحمد كمال فجر واحدة من أشرس الأزمات الداخلية في تاريخ الجماعة، حيث قوبلت ولايته برفض قاطع من القيادات التاريخية المختبئة بالداخل والخارج، وعلى رأسها محمود عزت (جبهة القاهرة/لندن). وتطور الخلاف من مجرد تباين في وجهات النظر إلى صراع علني على "الشرعية" والموارد المالية والمنابر الإعلامية؛ فبينما كان كمال يتهم القيادة القديمة بالتحجر والعجز، كان الحرس القديم يرى في "كمال" ومجموعته خروجًا عن اللائحة وتفتيتًا لوحدة الصف، وهو الانقسام الذي وصل إلى ذروته بتبادل بيانات الفصل والتشهير، مما جعل الجماعة "رأسين بجسد واحد" لأول مرة منذ عقود.
هندسة "اللجان النوعية" وتحول العقيدة القتالية وفقًا لبيانات وزارة الداخلية ووثائق التحقيقات، لم يكن محمد كمال مجرد قيادي تنظيمي، بل اعتُبر "المهندس الأول" الذي أعاد صياغة العمل المسلح داخل الجماعة عقب عام 2013. فمن خلال رئاسته لما عُرف ب "اللجنة الإدارية العليا"، أشرف كمال على تأسيس "الجناح المسلح" و"اللجان النوعية" التي اعتمدت استراتيجية "العمليات الإنهاكية" ضد مؤسسات الدولة. وقد مثّل هذا التحول خروجًا صريحًا عن النمط التقليدي للجماعة، حيث تولى كمال بنفسه إدارة وتخطيط وتدبير العمليات العدائية، وتوجيه الخلايا العنقودية لتنفيذ هجمات استهدفت تقويض الاستقرار الأمني عبر الاغتيالات والتفجيرات. ارتبط اسم محمد كمال بأخطر العمليات الإرهابية التي شهدتها مصر في تلك الفترة، حيث جاء على رأس قائمة الاتهامات تخطيطه لعملية اغتيال النائب العام السابق، الشهيد هشام بركات، في صيف 2015، وهي العملية التي اعتبرت ضربة موجعة للقضاء المصري. ولم تتوقف الاتهامات عند هذا الحد، بل شملت مسؤوليته عن اغتيال العقيد وائل طاحون، ومحاولة التصفية الفاشلة التي استهدفت فضيلة المفتي السابق الدكتور علي جمعة أمام منزله، بالإضافة إلى سلسلة من الهجمات التي استهدفت ضباط وأفراد هيئة الشرطة والقوات المسلحة في محافظات مختلفة، لاسيما في القاهرةوأسيوط. على الصعيد القانوني، تضخم السجل الجنائي لمحمد كمال ليتضمن أحكامًا قضائية ثقيلة وقضايا مفتوحة لدى أمن الدولة العليا؛ حيث صدر بحقه حكمان بالسجن المؤبد في قضايا جنايات عسكرية (شمال القاهرةوأسيوط) بتهم تتعلق بتشكيل مجموعات مسلحة وتفجير عبوات ناسفة خلف المنشآت الشرطية. كما ظل كمال المطلوب الأول في "القضية رقم 314 لسنة 2016" (اغتيال النائب العام)، والقضية "423 لسنة 2015" (استشهاد العقيد وائل طاحون)، وقضايا أخرى تتعلق بتشكيل تنظيمات مسلحة تستهدف ضباط الجيش والشرطة، مما جعله الهدف الأمني الأبرز حتى لحظة مقتله في المواجهة المسلحة بالبساتين.
شهادة "إبراء ذمة" مثلت وثيقة "إبراء ذمة" التي سطرها محمد كمال ذروة التمرد الفكري والتنظيمي على "الحرس القديم" بقيادة محمود عزت؛ حيث فند فيها ما وصفه بالانحراف عن العمل المؤسسي وتحويل الجماعة إلى كيان صوري يأتمر بأمر فرد واحد بلا مرجعية واضحة. وانتقد كمال بشدة تشكيل لجان تحقيق "غير شرعية" وتجميد عضوية القيادات المنتخبة، معتبرًا تلك الإجراءات "تصفية حسابات" وإقصاءً لكل من يختلف مع القيادة التاريخية في الرأي، وهو ما أدى في رأيه إلى تعميق الانقسام وشل حركة الجماعة الثورية في وقت حرج. وفي جوهر رؤيته للتغيير، دعا كمال إلى ضرورة تراجع القيادات القديمة -بمن فيهم هو نفسه والقائم بالأعمال- لإفساح المجال أمام "الدماء الشابة" التي صهرتها المحن وأكسبتها خبرات ميدانية تجاوزت نمطية القيادة التقليدية. واختتم رؤيته برسالة وجهها لشباب الجماعة، واصفًا إياهم ب "القاطرة الحقيقية" التي تملك مفتاح الحل لإنهاء الخلافات الداخلية، ومشددًا على أن العمل الثوري على الأرض هو الملاذ الأخير لتوحيد الصفوف بعيدًا عن المعارك الوهمية وسفاسف الأمور التي انشغلت بها القيادات.
المواجهة النهائية والمقتل في مساء 3 أكتوبر 2016، داهمت قوات الأمن شقة سكنية بمنطقة "المعراج علوي" في حي البساتين بالقاهرة، حيث كان يتخذها كمال مقرًا للاختباء وإدارة العمليات. وبحسب البيان الرسمي، بادر كمال بإطلاق النار تجاه القوات، مما أدى لتبادل إطلاق الرصاص ومقتله. عثرت القوات في الموقع على أسلحة آلية (بندقية وطبنجة 9 ملم) وكميات من الذخيرة، بالإضافة إلى أوراق تنظيمية كشفت الكثير عن خطط "اللجان النوعية" في تلك الفترة. بمقتل محمد كمال، فقد تيار الشباب في الجماعة محركه الأول، وانفرط عقد 'اللجان النوعية' التي كانت تعتمد على مركزيته في الإدارة، مما أدى لاحقًا إلى تراجع وتيرة العمليات المسلحة وبروز انقسامات جبهتي (لندن وإسطنبول) بشكل أكثر وضوحًا.