فى الثامن من أغسطس الماضي، استضاف الرئيس الأمريكى دونالد ترامب زعيمى أرمينياوأذربيجان فى البيت الأبيض فيما وصفه بأنه "قمة سلام تاريخية". وبحسب التقرير المنشور على الموقع لمجلة فورين أفيرز فى أواخر سبتمبر الجاري، فإن هذا الحدث يمثل نقطة تحول محتملة فى النزاع الطويل بين هاتين الدولتين الواقعتين فى جنوب القوقاز، واللتين كانتا خصمين عنيدين لعقود، خاضتا حربين متتاليتين، وغارقت شعوبهما فى سرديات تاريخية متعارضة. وأضاف التقرير أنه قبل عامين فقط، استعادت أذربيجان سيطرتها على جيب ناجورنو كاراباخ، مما أجبر أكثر من 100 ألف أرمنى على الفرار، لتصبح الحاجة إلى تسوية سلمية أكثر إلحاحًا من أى وقت مضى. وفى هذا السياق، يبدو أن ترامب نجح – ولو جزئيًا – فى خلق فرصة حقيقية للتقارب وبعد أشهر من المحادثات الثنائية، بدا الطرفان على استعداد لاعتناق اتفاق سلام مؤقت، خاصة أنهما لم يرغبا فى أن تكون روسيا، القوة الإقليمية التقليدية المسيطرة، ضامنًا للاتفاق، مما جعل عرض البيت الأبيض جذابًا للغاية. فى البيت الأبيض، وقع رئيس الوزراء الأرمينى نيكول باشينيان والرئيس الأذربيجانى إلهام علييف بيانًا موجزًا ولكن ذو مغزى، اتفقا فيه على تجنب المزيد من الصراع. كما وقّعا بالأحرف الأولى على نص من 17 نقطة لما يسمى ب"اتفاقية سلام"، تهدف إلى تطبيع العلاقات السياسية والدبلوماسية بعد سنوات من النزاع. كما اتفقا على إنشاء خط برى وسككى جديد يربط أذربيجان بجيب ناخيتشيفان، عبر أراضى أرمينيا، وتمنح أرمينيا حقوق تطوير الممر لشركة أمريكية مع الحفاظ على سيادتها. الممر الجديد، الذى أُطلق عليه اسم "طريق ترامب للسلام والازدهار الدولي"، يمنح أذربيجان وصولًا حرًا إلى ناخيتشيفان، ويحل محل الاتفاقية السابقة لعام 2020 التى كانت تمنح روسيا السيطرة على الطريق. تسعى أذربيجانوأرمينيا إلى التحرر من قبضة موسكو لأسباب واضحة، بينما تسعى إدارة ترامب إلى دعم الصفقة، ليس فقط للمنافع الاقتصادية المحتملة، بل لتعزيز دور الولاياتالمتحدة كوسيط عالمى للسلام. ومع ذلك، يظل إطار الاتفاق هشًا، ويتطلب جهودًا متواصلة لإعادة فتح الطرق المغلقة وبناء روابط نقل تربط الشرق بالغرب عبر الدول الثلاث، بما يعزز من مصداقية "طريق ترامب" كمشروع دولي، وليس مجرد مبادرة محلية. ويتطلب نجاح الصفقة أيضًا تعاونًا مع الاتحاد الأوروبي، الذى يمتلك استثمارات سياسية ومالية كبيرة فى المنطقة، إلى جانب ضرورة مواجهة المعوقات التى قد تثيرها الأطراف المحلية والدولية. فإذا استمرت واشنطن وشركاؤها الأوروبيون فى التزامهم بتطبيق الاتفاق، قد يشهد جنوب القوقاز فرصة للخروج من دوامة الصراع التى عاقت المنطقة لعقود. يعكس اتفاق البيت الأبيض بروز أذربيجان كلاعب مهيمن فى جنوب القوقاز بعد حرب ناجورنو كاراباخ الثانية عام 2020، والتى استمرت 44 يومًا، واستعادت خلالها أذربيجان الأراضى المحيطة بالنزاع. واستنادًا إلى هذه المعطيات، تفاوض علييف مع أرمينيا على اتفاق سلام، لكنه بدا واثقًا من اليد العليا التى تمنحها له القوة العسكرية والسياسية فى المنطقة. علييف أدار علاقاته مع روسيا بمهارة، لكنه أصبح حذرًا بشكل متزايد بعد سلسلة من الأحداث التى أضعفت الثقة بين باكو وموسكو، بما فى ذلك حادثة إسقاط طائرة ركاب أذربيجانية بصاروخ روسى فى ديسمبر 2023، ومقتل أذربيجانيين محليين فى روسيا فى يونيو 2025. هذه التطورات دفعت علييف لتقليل اعتماد بلاده على موسكو والسعى إلى اتفاقية سلام مع أرمينيا بعيدًا عن النفوذ الروسي. على الجانب الأرميني، تواجه يريفان أيضًا تراجعًا فى الاعتماد على موسكو. فبعد أن لم تتمكن روسيا من دعم أرمينيا فى مواجهتها للتوغل الأذربيجانى عام 2022، أصبح باشينيان أكثر تشككًا فى حليف قديم كان يُعد ضمانًا تاريخيًا لأمن بلاده. وقد دفع هذا التحدي، إلى جانب التداعيات الروسية لحرب أوكرانيا، إلى تقارب تكتيكى مع أذربيجان، مع الاستفادة من دعم واشنطن وأوروبا لتعزيز استقلال أرمينيا. رغم التوقيع على الاتفاق، يبقى الطريق نحو السلام الدائم محفوفًا بالصعوبات فالاتفاقية المكونة من 17 نقطة لا تشمل حقوق العودة للنازحين أو آليات مساءلة عن جرائم الحرب. كما يظل موضوع تعديل الدستور الأرمينى وحق أذربيجان فى عبور الأراضى الأرمينية عبر الممر الجديد مسائل حساسة قد تعرقل التنفيذ. إضافة إلى ذلك، هناك مقاومة محتملة من إيرانوروسيا، اللتين ترى كل منهما مصالح استراتيجية فى المنطقة، وقد تحاولان عرقلة أى تقدم دون مواجهة مباشرة. تركيا أيضًا لها دور محوري، فهى تملك القدرة على فتح حدودها مع أرمينيا، لكن الحفاظ على علاقاتها الوثيقة مع أذربيجان يجعلها تتحرك بحذر لذا، يتطلب نجاح المبادرة الأمريكية تنسيقًا دبلوماسيًا دقيقًا مع أنقرة لضمان دعمها لتفعيل طرق النقل الجديدة دون أن تتأثر مصالحها الإقليمية. على الرغم من التعقيدات، يمثل الاتفاق المؤقت فرصة نادرة لتغيير نموذج النزاع طويل الأمد. فباشينيان، رغم التحديات الداخلية والخارجية، يظهر إرادة لتقليل اعتماد بلاده على موسكو وفتح حدودها، فى حين يسعى علييف إلى ترسيخ المكاسب العسكرية وتحويلها إلى مكاسب سياسية عبر دعم السلام. ولضمان نجاح الصفقة، سيكون على الولاياتالمتحدة أن تواصل دورها كوسيط فعال، مستفيدًا من موقعها الخارجى وعدم ارتباطها التاريخى بالمنطقة. فى نهاية المطاف، تبقى قمة ترامب فى البيت الأبيض لحظة رمزية وتحفيزية فهى تمنح باكو ويريفان الجرأة لمحاولة تحقيق استقلالية استراتيجية عن القوى الإقليمية الكبرى، وقد تكون بداية لموجة جديدة من التعاون الإقليمي. ومع ذلك، فإن التنفيذ الفعلى للاتفاقية يتطلب صبرًا دبلوماسيًا، ومواءمة المصالح المحلية والدولية، وتعاونًا أمريكيًا أوروبيًا مستمرًا، وإلا فقد يصبح "طريق ترامب للسلام والازدهار الدولي" مجرد ذكرى رمزية أخرى من سلسلة محاولات السلام التاريخية التى لم تُثمر على الأرض.