دير السيدة العذراء مريم الشهير ب"السريان" بوادي النطرون، له مقر بالقاهرة يسمى العزباوية، ملاصق للكنيسة المرقسية الكبرى بكلوت بك، وبذاك المقر كنيسة صغيرة جدا باسم السيدة العذراء مريم، أم وشفيعة دير السريان، وتلك الكنيسة على قدر صغر مساحتا وبساطتها، إلا أن مليئة بالروحانيات والقداسة، فلا حيز لاتساع عدد كبير من المصليين، ولكنها مكدسة بالزوار، أرضها من الموكيت ولا يوجد بها إلا أماكن قليلة للجلوس والمصلين الذين يمدحون البتول لا ينقطعون، وبداخل مقصورة تلك الكنيسة أيقونة قديمة للعذراء وهي تحمل الطفل يسوع، ويوحنا المعمدان بُقبل قدميه وتسمى "أيقونة العجائب"، إذا يلجأ إليها الكثيرون من المرضى وأصحاب المشاكل، والطلبة بأيام الامتحانات، ويتشفعون بها، فظهر مجد الله كثيرا لهم "بشفاعة الست العدرا" كما قالتها لنا أحد الزوار. ومن الأمور التي أعطت للكنيسة قيمة روحية عالية، هو مرور العائلة المقدس خلال زيارتها لمصر بالمنطقة التي بها الكنيسة، كما أن هناك قصة ومعجزة كبيرة حدثت خلال تواجدهم بتلك المنطقة، فحينما مرت العائلة المقدسة بهذا المكان، كان حقلا، تحديدا حسب ميمر –سيرة- بدير السريان كان في أول يونيه عام 2 ميلادية، فلما وصلوا للحقل ألقى القديس يوسف النجار، خطيب السيدة العذراء السلام على صاحب الحقل، فرحب به صاحب الحقل، فجلسوا ليستريحوا، وكان الوقت حينها يضع صاحب الحقل فيه بذور البطيخ، فطلبت منه السيدة العذراء مريم أن تشرب، فأدلى الرجل الدلو ببئر بالحقل "هو موجود حاليا في مدخل الكنيسة"، وخلال الاستراحة قالت له السيدة العذراء: "أعلم أيها الرجل الطيب، أننا هاربون بأمر من الله من وجه هيرودس الملك، حيث أمر بقتل كل الأطفال دون العامين بعدما أخبره المنجمون بأن ملكا قد ولد –على السيد المسيح- وذلك حتى لا يفقد عرشه هو ونسله، فتفهم الرجل الأمر. وأكملت السيدة العذراء لصاحب الحقل، أنت اليوم تضع بذور البطيخ في الأرض، فإذا مر عليك رجال هيرودس وسئلوا عنا، قل لهم أننا مررنا من هنا وأنت تبذر بذور زرعك، لأن مجد الله سيظهر في أرضك. وبالفعل، أستيقظ الرجل في اليوم التالي وإذ بمحصول البطيخ قد طرح وبثمار رائعة وبأعداد عظيمة، وكما أخبرته العذراء، مر رجال هيرودس وسئلوا عن العائلة المقدسة، فإذ بالرجل يجب "مروا من هنا ونحن نبذر بذور ذلك المحصول" ففهم رجال الملك أن مرورهم كان منذ ثلاث إلى أربع شهور –مدة طرح البطيخ من البذور إلى الثمار-، فعادوا إلى الطريق الذي أتوا منه ولم يتبعوا خط سير العائلة المقدسة. يقول القمص الراهب عبد المسيح السرياني، المتواجد بالكنيسة، أن المكان به بركة كبيرة، وشهد العديد من الأعمال التي تشهد بمجد الله، رغم أن المكان صغير جدا، مضيفا بأن الكنيسة تستقبل أعداد كبيرة جدا طوال فتح أبوابها، ويتردد عليها الجميع من كل شكل ولون. ويضيف، يأتي للسيدة العذراء بالعزباوية الكثيرين من المسلمين، الطالبين ببركتها وشفاعتها، ويقومون بإيقاد الشموع أمام أيقوناتها الشهيرة هنا، عارضين عليها أزماتهم ومشكلاتهم، راجيين منها الشفاعة لحل تلك الأمور، موضحا بأن ببركة السيدة العذراء، يأتي كثيرون منهم للشكر فيما بعد على حل مشكلاتهم، موضحا بأن لو تحدثنا عن مثل تلك الحالات فلمن يكفينا الوقت لسردها، والهام في الأمر أن تكون على لسان من نالوا تلك البركة. وعن مواعيد استقبال الزوار، يقول القمص، أن الكنيسة تفتح أبوابها يوميا وبشكل منتظم طيلة أيام الأسبوع، من الساعة السابعة صباحا، وحتى السادسة مساءا، يقام خلالهم الصلوات والقداديس والتماجيد المختلفة. لماذا سُميت ب"العزباوية"؟ كان رؤساء دير السريان يقيمون ببلدة الطرانة بمحافظة البحيرة، حتى انتقل منها القمص يوحنا الفيومي "أوائل القرن 19" إلى قرية أتريس مركز إمبابة بالجيزة نظرًا لوجود أوقاف الدير بها. ولما انتقل مقر الكرسي البطريركي إلى الكاتدرائية المرقسية بالأزبكية رأى قداسة البابا البطريرك أن يجمع حوله رؤساء الأديرة ليكونوا بجوار البطريركية، فاختار القمص يوحنا الفيومي -رئيس الدير وقتئذ- مقرًا له بالدرب الإبراهيمي بالأزبكية وظل به إلى أن تنيح بسلام. ولما خلفه القمص عبد القدوس استبدل هذا المكان بمنزل آخر، فسيح في حارة درب الجنينة المتفرع من شارع كلوت بك قرب الدار البطريركية، وكان مكونًا من دور واحد بجواره بئر ماء وأطلق عليه اسم العزبة وهو ذات الاسم الذي كان يُطلق على سكن رئيس الدير عندما كان يقيم في أتريس، فصار يُعرف عند الناس بهذه التسمية حتى أخذت به بلدية القاهرة وأطلقت على الحارة الكائن بها مقر الدير اسم "عطفة العزبة". وفي وقت لاحق قام القمص عبد القدوس بشراء المنازل المحيطة وضمها إلى "العزبة"، ثم كرَّس حجرة خاصة للصلاة باسم السيدة العذراء ثم أحضر من الدير أيقونة أثرية للسيدة العذراء "أيقونة العجائب" ووضعها في مقصورة جميلة وأنار أمامها قنديلًا ليتبارك منها جميع الشعب على اختلاف جنسياتهم ودياناتهم، فتوافد عليها المرضى وذو المشاكل والحاجات والطلبة يسألونها العون والشفاعة، وكان الرب يتمجد -في معظم الحالات- وتُسْتَجاب طلباتهم -حسب مشيئته- فكانوا يوفون له النذور ويصلون التماجيد.